في الوقت الذي تسعر فيه الدول الكبرى نيران الحروب البيولوجية تنزل الكوارث الكونية على دول أخرى وشعوب ظلت محط أنظار ونقطة تعجب لتلك الدول ؛ فاجعة سوريا وتركيا فجعت قلوبنا وأعيت تفكُرنا وتأملاتنا ولانقول إلا مايرضي الله .

في حدث جلل لم نر أو نسمع نظيره طوال حياتنا زلزال زلزل أركان الكثير من الثوابت ؛ رغم تقدم العلم وتطوره لدرجة أصبح العلماء يبحثون عن وجود  الماء على كوكب المريخ و إمكانية حياة البشر على سطح القمر والكواكب الأخرى  وأفاضوا في مايخص الثقب الأسود  ورغم التطور الكبير في علم الجيولوجيا وتطور علم المحيطات والبحار بفضل التكنولوجيا   ….الخ  رغم كل هذا وذاك عجز العلماء عن التنبؤ بحدث زلزال تركيا وسوريا فخسرت البشرية آلاف مؤلفة من خيرة بنيها  ومع تسليمنا للقضاء والقدر يحق لنا  التساؤل هل ما حدث يعد من غفلة العلماء ؟ أم أنه  كانت هنالك قياسات أعطت نتائج غير مقلقة أوحت بأن الأمر تحت السيطرة فلم يكترث لها وتطورت بشكل فجائي وغير متوقع ؟أم أنه لم يكن من المتوقع  حدوث زالزال في هذ البقعة الجغرافية على الإطلاق ؟ (وبالطبع هذا غير وارد) وهل ما أشيع عن فايروس كوفيد19 بانه تجربة علمية فاشلة يمكن أن ينطبق على زلزال تركيا وسوريا ؟ وماذا عن الأبنية المضادة للزلازل؟

عندما تلقينا نبأ مصيبة  الهزات الأرضية التي ألمّت بأهل تركيا وسوريا قيل لنا أنه راح ضحية هذه الهزات ما يقارب ال350 شخصا ، أصابنا الحزن عليهم  وشعرنا بغصة ولكن  شرعنا في تهيئة أجواء اليوم بشكل روتيني فما لبثنا أن سمعنا الأخبار تضج بنبأ الكارثة وإستشهاد آلاف الضحايا وتحطم البنايات وانهيارها على رؤوس أصحابها. وقعت علينا هذه الأخبار كالصاعقة؛ وأول ما خطر على بالي هو إلى أي مدى يستطيع المهندس المعماري حماية البناية الضخمة من الهزات الأرضية العنيفة؛ بطبيعة الحال الأمر يتطلب فريق متكامل من مهندسي الفيزياء والكهرباء ومواد البناء والعلوم ذات الصلة  لكن التعويل يكون على المعماري وإلى أي مدى تستطيع الجهات المختصة إخلاء البنايات من الناس قبل انهيارها ؛ فتذكرت مهندسي قصر الحمراء  بقرطبة الذي ظل صامداً رغم تعرض المنطقة لعدة زلازل دمرت  كل ماحوله من بيوت ومباني وبقي القصر كما هو .. وعندما شكلت لجان علمية  لدراسة هده الأمر أكتشف أن أعمدة قصر الحمراء  صممت على أن تكون مفرغة من الداخل وبها قوالب من الرصاص المصهور يعمل على امتصاص الصدمات العنيفة حتى عندما احتل نابليون قرطبة في عام 1808ـــــ1812 وحاول تفجيره بأقوى المفجرات لم يهتز في القصر ركن من أركانه مما أدهش نابليون وجعله يتعجب من نوعيه هذا البناء الذي صامدا رغم المتفجرات الشديدة التي ضربت به.

هذه ليست المرة الأولى التي أتذكر فيها هذه حادثة نابليون وقصر الحمراء ؛ ذات مرة في السنين الماضية  القريبة ضربت منطقة إيران هزات أرضية فتأثرنا بها في مدينة الشارقة  أذكر أن البناية بدأت تتمايل بشكل مخيف لمدة تقترب من العشر ثواني لم ينتبه لها كثير من الناس البعض سمع بها في نشرة الأخبار فقلت في نفسي إن البنايات هنا ستكون  مبنية بناءً مضاد للزلازل .

كارثة زلزال تركيا وسوريا  لا يمكن الحديث عنها بمعزل عن التهديدات الكبرى التي  تحيط بالعالم بسبب التغيرات المناخية فالمحيطات وسكان السواحل المهددون بالعواصف العنيفة  وتلوث البيئة بثاني أكسيد الكربون وتحول المياه إلى حمضية وغيرها من الفيضانات والجفاف الذي يهدد الكثير من مناطق العالم تجعل المشاهد للأحداث يعيش حالة من الهواجس الكونية  ولن يستطيع الإنسان مواجهة الطبيعة بحال من الأحوال ولكن يستطيع تطويعها والتقليل من مخاطرها وأضرارها  بمزيد  من  التضامن وتعزيز قيم التعاون بين الشعوب وبإرساء قيم المحبة والتسامح وعدم إحتكار العلم والمعرفة وأدواتهما فهما المنقذ الأول لما يمكن إنقاذه  فإذا شاعت مسألة التدريب على حالات الطوارئ والكوارث بشكل دوري ومجاني لأكبر  أكبر شريحة ممكنة من الناس وتعاونت الحكومات على ذلك وتبادلت أدوات الحماية والتعليم وأدوات ووسائل الإنقاذ سيقلل ذلك من الأضرار الناجمة عن الكوارث والنوازل وسينشغل الناس عن الحروب والعراك على توافه الأمور  ويتجهون إلى تطوير العلم  وجعل الإنسان أكثر أمانا وسلاما .فجميعنا كان ينفرط قلبه عندما كنا نرى الفرق بين أدوات الإنقاد عن طريق الحساسات ومكبرات الصوت وتلك التي تعتمد على المعاول التقليدية مشاهد لا تقل هولا عن سقوط الصخور على ظهور الرضع .

مشاهد مؤلمة ومفجعة حكايات فاقت خيال جميع المؤلفين والسراد على مر العصور.

تقول إحدى الناجيات كنت غائبة عن الوعي وعندما صحوت وجدت نفسي تحت الطاولة فأعتقدت أن الطاولة وقعت على دماغي فوجدت صخرة على ظهري ) عندما عجزت عن الحركة كانت تعتقد ان بيتها إنهد عليها فأدركت من الاصوات والصراخ حولها أن البناية بكاملها إنهالت عليها وأنها  عاشت بمعجزة كانت تسمع الأصوات والصراخ من حولها ؛ تحادثهم ؛وتسمع اصوت من هم بالخارج الذين يقومون بعمليات الإنقاذ كانت تصرخ وتناديهم ولا يسمعونها ؛أكثر من أربع أيام تحت الركام لا طعام ولا ماء وبالكاد كانت تتنفس الهواء من خلال ثقب صغير بين الركام وبينما كان  يقوم فريق الإنقاد بعمله تم قفل الثقب ــــــ تقول أنها بدأت تلقن نفسها الشهادة؛ فلتت الفتاة من الموت بالزلزال ومن الموت عطشا عندما هطلت المطر لكنها  أيقنت  أنها لابد ميتة بمعاول المنقذين الذي جاءوا لإنقاذها ورفقائها عندما ضرب المعول على الركام فوق رأسها  ولكنها بمعجزة ما أفلتت من براثن الموت هذه المرة أيضا حين إنزاحت صخرة من مكانها فأحدثت فتحة صغيرة رفعت الفتاة يدها من خلالها فرأها أحد الشباب فنادى بإيقاف الحفر وشرع في إنقاذها ؛ قصة  تجعل النقاد الفنين في هوليود والعلماء في جميع انحاء الأرض  عاجزين عن التعبير مشاهد فاقت الخيال وبل فاقت إدراك البشروخبرتهم الطويلة في الحياة و طاقتهم الدفاعية وليس أمامهم غير التسليم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) (4)

دعوة للتضامن مع الشعب السوري:

الشعب السوري من أجمل و أنبل وأكرم الشعوب العربية حتى في أوقات محنته رأيناه يتمسك بقيمه وأصالته مهما كانت الظروف و تلك الشهامة والمروءة التي نراها على المسلسلات السورية هي ليست فبركة  ولا هي من بنات أفكار السيناريست وإنما هي خصال  متأصلة في الإنسان السوري وكنت شاهدة عيان عليها : أذكر ذات مرة إقتضت الضرورة أن يسافر أبونا (زوجي) خارج الإمارات فأضطررنا  لأن نقضي فترة غيابه في هوتيل يوفر لنا حاجياتنا طيلة فترة غيابه فأخذت معي بعض أموالي وأشائي ؛ إستقلينا تاكسي وعند وصولنا الفندق قمنا بتنزيل جميع حقائيبنا وتوابعها ونسينا ( الفلوس والأجهزة وكل ماهو ثمين ) بالتاكسي فكنت أطمئن طفلتي أنه مازال معي بحقيبتي الصغيرة ما يكفينا لحجز أستديو بالهوتيل فتقدم  لنا شاب  سوري كان يقف أمام محل عمله(محل حلويات ) وكان قد شاهد الحدث كاملا وسألني إن كنت أحتاج مساعدته فشكرته وأثنيت عليه  وقلت له لا أحتاج شيئا وأن الأمور بخير فظل يحاول وظلت أشكره والتفتُ أحمل حقائيبنا فلم يتوانى في حمل الحقائب عني  فسمع بنتي تقول:(( ماما خليه يساعدنا لو بابا مكانه كان حيساعد الأم والأطفال) فأصر أن يعرف ماحدث فأخبرته بنتي أننا نسينا كل شيء نملكه بالتاكسي وأنا والدنا خارج الإمارت  طمأنها الشاب السوري (لا تخافي ما بصير لك شيء كل شيء بتحتاجو أنا هون ) رددت في داخلي معقول الدنيا لسة فيها جعليين  فشكرته وأخبرته أننا لا نحتاج شيئاً وأني اليوم سأشتري تلفون وكل الأمور ستكون بخير  فقال لي لا تشتري شرطة الإمارات سوف تجد لك ما ضاع عنكم واتصل بالشرطة وأخبرها بما جرى ؛ لم تمر ساعات حتى أستلمت كل أشائي ؛ جوالي وحواسيبي وكل شيء . كنت كلما أشكره وأوحي له أني لا أحتاج مساعدته يقسم ويقول أنه مثل أخي (أنت متل إختي والله)  ولم يبرح حتى تأكد أننا فعلا بخير …بعد عودة زوجي ذهب ليشكره وكنا لا نعرف حتى اسمه إعتمدنا فقط وصف هيئته ولهجته فقيل لنا أنه ترك العمل في هذا المحل فظللنا زبائن لذلك المحل وفاء لنبل أحد عماله.  هذا هو الإنسان السوري رغم كل ما يمر به من مصائيب وإبتلاءات وإمتحانات ؛ وهو بإذن الله سيجتازها وسيعود كما كان يملأ الدنيا مروءة معتقة بالرياحين الدمشقية الفواحة ويغرس فيها من النبل والعلا ما في قبضته من ثبات قاسيون وعلاه فالتحية والتجلة والمجد للشعب السوري وللإنسان السوري إينما حل وأرتحل  .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا