السبت, أبريل 11, 2026
الرئيسيةعامتأملات في غابة الإشتغالات الآفروعربية تحت الأضواء الباريسية الموسومة ب "ميلانين" للروائية...

تأملات في غابة الإشتغالات الآفروعربية تحت الأضواء الباريسية الموسومة ب “ميلانين” للروائية التونسية / فتحية دبّش

فتحية ذبش

بقلم/ د.محمد البيدر عثمان

عبثاً حاولت جاهداً أن أقولب هذا العمل الأدبي الإنساني الرفيع الفسيفسائي بامتياز فاهتديت إلى هذه التأملات النابعة من وجدان من قرأه على مكث وأجترّه على مهل والتى سأوجزها في النقاط الآتية:

تتناول الرواية جملة من الشواغل والهموم في سوح الغربة- متخذة من العلاقة بين دول الشمال الأفريقي المغاربي من ناحية وفرنسا من الأخرى – حجري رحا بينهما انضغطت عظام الصبر والأمل لأجيال من المهاجرين لفظتهم أرحام أوطانهم وابتلعتهم أسوار سجانهم في أكبر ملهاة تعرض على مسرح العبث الكوني بين الضحية والجلاّد والمالك والمملوك.علاقة مضطربة تصل حد الإستلاب الفكري والثقافي ولكنها لاتقبل ذوبان الكاكاو الافريقي ولا القهوة العربية في حليب فرنسا السائغ للشاربين.

فإن كان الأمر كذلك بعد عبور المتوسط فليس بأقل منه في السوء حال ذلك الإفريقي الذي ارتمى في الحضن الشمالي لقارته إفريقيا في محاولة لتذكيرنا بأنه دائماً هناك مهمشون منبوذون بحكم أشياء لايد لهم فيها مثل ذلك الميلانين.

تصدت الكاتبة لمواضيع  بارزة مثل الهوية وصراع الحضارات وصراع المركز والهامش والتي وإن قتلت جميعها كتابة إلا أن طريقة التناول المختلفة تجعل القارئ يقف مشدوداً على أصابع الفكر مشدوهاً ومتماهياً مع ماصاغت الكاتبة من سرد متفرد.

النص في رأيي يؤثث لحداثة مابعد الحداثة وذلك بامتلاكه لناصية

التجريد والتجريب واعتنائه بماورائيات السرد وتمرده فكرة ولغة ومضموناً.

هذه الحالة من الإسكيزوفرينيا الفنية المدهشة بحق إن صحت تسميتي لها تأخذ القارئ في رحلة يجوب خلالها عوالم متوازية ومتقاطعة في آن فشخصيات الورق تدب فيها الحياة ،تحب وتنفعل وتقتل وتموت ،كل ذلك عبر بوابات خفية تنسرب منها كلمات الكاتبة في خفة ويسر وفي ظني أن الكاتبة ربما لجأت لذلك مدفوعة بمحاولات تخفية ذاتها المتشظية في كثير من شخصيات الرواية ان لم يكن في كلها.

لغة الرواية كانت كلماتاً مموسقةً اختيرت بعناية وحذر جرت أحيانا مجرى الشعر الحداثي أو تكاد ولقد تلمست كبير تأثر بنزار قباني خصوصا في رسائل رقية وسهيل.رقي اللغة هذا استمر من بداية الرواية وحتى الختام لننظر مثلا ص ٩٩ “أصابعي قالت وهي تهمس في أذني وتنظر في ريبة الى الحاضرين :سيري إليه فقد قطع إليك نصف الطريق وهأنا أقرأ طالعي كما لم تقله عرّافة، سرت إليك نصفه الآخر أرفل في عذاباتي وترفل في دمي ويرهقني إليك المسير”.

تنوعت طرائق السرد وتقنياته بل حتى روحه فأحيانا يخال إليك أنك أمام كتابة مسرحية من مسرح الرجل الواحد أو العبث وتارة تشعر بسينمائية بين السطور وأخرى تنغلق النصوص على نفسها في مايشبه القصص القصيرة والقصير جداً.

النص حافل بالروح الصوفية ومتناصات العبارات القرآنية وهو فوق ذلك أعاد تشريح علاقات الأديان وفتح بعض الإضاءات عن الكفر والإيمان والعقاب والثواب.

إن كان من مستدرك فهو ذلك التكثيف غير العادي والدسامة الفكرية التي لا تنفع معها أي حمية.الأمر الذي يدفعني الى القول أن هذا

النص نخبوي ربما الى حد ما.

تحدثت فتحية دبّش فرأيناها خلال هذا العمل البديع وتركتنا بين الدهشة والانتظار.

خاتمة الرواية لم تكن مقنعة بالنسبة لي وإن شئت قلت لم ترضي طموحي بل فتحت الباب على مصراعيه وتركته للريح.

ختاما ً هنيئاً للقارئ العربي إنبثاق هذه النجمة في سمائه والتى ننتظر منها الكثير ان شاءالله في مقبل الأيام. د/محمدالبيدر عثمان

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

د.محمد البيدر عثمان على عوالم من الإمتاع والمؤانسة
alhosainelbasheer@gmail.com على عوالم من الإمتاع والمؤانسة