
للشيخ الجليل، د. الحبر يوسف نورالدائم _ عليه شآبيب الرحمة والغفران _ طريقةٌ في الإلقاءِ، هو فيها صنو نفسه، ونسيجُ وحده. إذ كان يمشي في ميدان الأدب، كمشية أبي دجانة في ميدان الحرب، و”إنّها لمشية يبغضها الله إلاّ في مثل هذا الموطن”. وقد كان موطنُ إنشاد الشيخ رصينَ الشعر لا يقلُّ جهادًا عن جهاد أبي دجانة!!
هذه الطريقة البديعة في إنشاد الشعر والترنم، عُرف بها أهله المطيّبون، لا سيما الشيخ الأجلّ محمد سعيد العباسي، كما يروي شيخنا، وكما روى الرواة. والشيء من معدنه غير مستغرب، فما من أسرة في السودان، وربما في عصرنا الحديث كلّه، نجم فيها الشعراء ونبغوا مثل هذه الأرومة المباركة، وممن خطروا الآن على الخاطر من المطيّبين، الذين يمتّون إلى الرجل بصلة قربى ونسب، نذكر منهم: (محمد سعيد العباسي، وابنه الطيب العباسي، والشيخ قريب الله، وابنه الناصر قريب الله، وسيف الدين الدسوقي، ومحمد الواثق، ومحي الدين الفاتح، والجيلي صلاح الدين)، وهؤلاء جميعًا من أصحاب الدواوين الشعريّة المشهورة بين الناس، وغير هؤلاء ممن نعرفهم كثيرون جدًّا.
كان الشيخ الجليل، الحبر يوسف نور الدائم، ممن يقرؤون الشعر فيرتبط بهم أكثر من ارتباطه بشاعره الذي قاله، وفي ذهني ثلاث قصائد سمعتها منه، لا أفتأ أراه فيهنّ متى هممت بالترنم بواحدة منهن.
رائية المرّار بن منقذ، المفضّليّة:
عَجَبٌ خَولَةُ إِذ تُنكِرُني
أَم رَأَت خَولَةُ شَيخًا قَد كَبِرْ
وَكَساهُ الدَّهرُ سِبًّا ناصِعًا
وَتَحَنّى الظَّهرُ مِنهُ فَأُطِرْ
إِن تَرَي شَيبًا فَإِنِّي ماجِدٌ
ذو بَلاءٍ حَسَنٍ غَيرُ غُمُرْ
ما أَنا اليَومَ عَلى شَيءٍ مَضَى
يا بنَةَ القَومِ تَوَلَّى بِحَسِرْ
قَد لَبِستُ الدَّهرَ مِن أَفنانِهِ
كُلَّ فَنٍّ حَسَنٍ مِنهُ حَبِرْ
وَتَعَلَّلتُ وَبالي ناعِمٌ
بِغَزالٍ أَحوَرِ العَينَينِ غِرّْ
إلى أن يقول:
شُندُفٌ أَشدَفُ ما وَرَّعتَهُ
فَإِذا طُؤطِئَ طَيّارٌ طِمِرْ
يَصرَعُ العَيرَينِ في نَقعِهما
أَحوَذِيٌّ حينَ يَهوِي مُستَمِرْ
فمن سمع هذه القصيدة لا يشكُّ لحظة أنّها بالشيخ الحبر أليق منها بصاحبها، فهو والله يلاعب حروفها كما يلاعب العروس عروسه، والفارس سيفه ورمحه، والأب الحنون أبناءه الصغار!! ولا أشكّ لحظة في أنّ شيخنا الحبر كان يرى نفسه في صورة المرّار، بعد أن كبر، وفي الروح والقلب نفحة من شباب!
حائيّة الرّماح بن ميّادة:
وَكَواعِبٍ قَد قُلنَ يَومَ تَواعُدٍ
قَولَ المُجِدِّ وَهُنَّ كَالمُزّاحِ
يا لَيتَنا في غَيرِ أَمرٍ فادِحٍ
طَلَعَت عَلَينا العيسُ بِالرَمّاحِ
بَينا كَذاكَ رَأَيتَني مُتَعَصِّبًا
بِالخَزِّ فَوقَ جُلالَةٍ سِرداحِ
فيهِنَّ صَفراءُ المَعاصِمِ طَفلَةٌ
بَيضاءُ مِثلُ غَريضَةِ التُفّاحِ
تُجري السِواكَ عَلى أَغَرَّ مُفَلَّجٍ
عَذبِ المَذاقَةِ طَيِّبِ الأَرواحِ
فيهِ تَصيدُ إِذا رَمَت عَن قُدرَةٍ
وَبِطَرفِ فاتِرَةِ البَغامِ لِياحِ
فَنَظَرنَ مِن خَلَلِ الحِجالِ بِأَعيُنٍ
مَرضى مُخَالِطها السَقامُ صِحاحِ
فلشدّة إعجابه بهذه القصيدة جاراها بقصيدة على بحرها ورويّها، في ديوانه المطبوع (أنفاس القريض)، هي أجمل شعره على جمال هذا الشعر!
والقصيدة الثالثة، هي نونية محمد سعيد العباسي، (عهد جيرون).
عهد جيرون
وهي قصيدة باعث نهضة الشعر في السودان، محمد سعيد العباسي.
وللشيخ الحبر فيها ثلاث وقفات، أولاهنّ عن العزم والجلد والأرومة، وذلك حين يقول العباسي:
أرقت من طول هم بات يعرونى
يُثير من لاعج الذكرى ويشجونى
منّيتُ نفسيَ آمالًا يماطلني
بها زماني من حين إلى حين
ألقى بصبري جسام الحادثات ولي
عزم أصد به ما قد يلاقيني
ولا أتوق لحال لا تلائمها
حالي، ولا منزل اللذات يلهيني
ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت
إلا الذى بجميل الذكر يرضيني
وكيف أقبل أسباب الهوان ولي
آباء صدق من الغر الميامين
النازلين على حكم العلا أبدًا
من زينوا الكون منهم أيّ تزيين
من كل أروع فى أكتاده لبد
كالليث، والليث لا يُغضي على هون
والوقفة الثانية – وهي تجمع بين حسرة المرّار، وصبوة الرّماح – حين يتذكر سلمى وحبّ سلمى، وذلك إذ يقول العباسي:
وقد سلا القلب عن سلمى وجارتها
وربما كنت أدعوه فيعْصيني
ما عذر مثليَ في استسلامه لهوًى
يا حالة النقص ما بي حاجة بيني
ما أنس لا أنس إذ جاءت تعاتبني
فتانة اللحظ ذات الحاجب النون
يا بنتَ عشرين، والأيام مقبلة،
ماذا تريدين من موءود خمسين؟
قد كان لى قبل هذا اليوم فيك هوى
أطيعه، وحديث ذو أفانين
ولا مني فيك والأشجان زائدة
قوم وأحرى بهم ألا يلوموني
أزمان أمرح في بُرد الشباب على
مسارح اللهو بين الخرد العين
والعود أخضر والأيام مشرقة
وحالة الأنس تغري بي و تغريني
ثمّ تأتي الوقفة الشاهقة، العالية، حين يصل إلى قول العباسي:
في ذمة الله محبوب كلفت به
كالريم جيدًا وكالخيروز في اللين
أفديه فاتر ألحاظ وتل له
أفديه حين سعى نحوى يفدينى
يقول لي وهو يحكى البرق مبتسما
يا أنت يا ذا وعمدا لا يسميني
ولا ينسى أن يحكي عجُز هذا البيت حكايةً، إذ يقول بحبور وغبطةٍ:
(يا إتَّ يا دا)!! فتنفجر القاعة بالطرب ويدوي التصفيق!!
كان الشيخ الحبر يوسف نور الدائم آخر الشعراء العشاق الفقهاء، كان مذهبه مذهب الفقيه العاشق، عروة بن أذينة، حين يقول:
إنَّ التي زَعَمَتْ فُؤَادَكَ مَلَّها
خُلقت هواكَ كما خًلِقْتَ هوىً لها
فَبِكَ الذي زعمتْ بِها وكلاكُما
يُبْدِي لصاحِبه الصَّبابَة َ كُلَّها
وَيَبِيتُ بينَ جَوانِحي حُبٌّ لها
لو كانَ تحتَ فِراشِها لأَقَلَّها
ولعمرها لو كان حبّك فوقها
يومًا وقد ضحيت إذًا لأظلّها
وإِذا وَجَدْتَ لها وَساوِسَ سَلْوَة ٍ
شَفَعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها
بَيْضاءُ باكَرها النعيمُ فَصاغَها
بلباقَةٍ، فأَدَقَّها، وأَجَلَّها
لمَّا عَرَضْتُ مُسَلِّمًا لِيَ حاجَة ٌ
أرجو معونتها وأخشى ذلّها
حجبت تحيَّتها، فقلتُ لصاحبي:
ما كان أكثرها لنا وأقلّها!!
فدنا فقال: لعلّها معذورة ٌ
من أَجْلِ رِقْبَتِها فَقُلْتُ لَعَلَّها!!
وكان مذهبه مذهب فقيه الحجاز، وشاعرها وعاشقها عبيدالله بن مسعود حين يقول:
تغلغل حبُّ عثمة في فؤادي
فباديه مع الخافي يسيرُ
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ
ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ
شققتِ القلبَ ثم ذررتِ فيه
هواك، فليمَ، فالتأم الفطورُ
أكادُ إذا ذكرتُ العهد منها
أطيرُ، لو ان إنسانًا يطيرُ!!
غنيّ النفس أن أزدادَ حبًّا
ولكني إلى صلة فقيرُ!!
وأنفذَ جارِحاك سواد قلبي
فأنتِ عليّ ما عشنا أميرُ!!
وما من أديبٍ يروي شعر غيره على الناس، إلا وهو يعرضُ عليهم روحه ودخيلة نفسه، وقد كان الشيخ الحبر شاعرًا، وكان راوية في زمن اندثرت فيه الرواية. وأشهد الله أنّه كان يحلو في لسانه شعر الفتوّة والغزل، غزل الأشراف لا غزل المُجّان. ففيه يحلو اللفظ، وتجزلُ العبارة، ويجمع الشاعر بين كرم النفسِ، وطيب الخصال، وبين الألفة إلى النساء في غير ابتذال. وفيما روينا من شعر كان يكثر من الترنّم به دليلًا على أنّ شاعرنا وشيخنا وفقيهنا كان في دينه وشعره كعبّاد أهل المدينة وفقهائها، الذين طار صيتهم بين الناس، فبقي غزلهم الذي يرى فيه الناس حسن أخلاق الشيوخ: عبدالرحمن القس، وعروة بن أذينة، وعبيد الله بن مسعود، ثمّ هو صاحبهم: شعرًا، وفقهًا، وعشقًا، وغزلًا، وأخلاقًا!!
لعن الله العرب، فقد عكّرت المزاج، وكدّرت صفوه وسلساله، ولولاها لكان حقّ الحبر أن يُرثى بالشعر، فما أتاني نعي واحد من أساتذتي من أعلام اللغة العربيّة، بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، إلا انثال الشعر هدارًا موّارا: (عبدالله الطيب، عزالدين الأمين، محمد الواثق، مهدي المأمون)!!
ألا رحم الله الفقيه العابد العاشق د. الحبر يوسف نورالدائم، فقد كان حلو النفس، كريم المعشر، وقّاد القريحة، كان لسانُه نهرًا من الموسيقى إذا تكلّم، ومزمارًا من مزامير داوود إذا تلا أو ترنّم، موطأ الأكناف، لا يلقى الناس إلا هاشًّا باشًّا، ولعمري إنّ هذا لهو سمت الشيوخ ووقارهم!!
رحم الله علماءنا، وبارك لنا في عمر من بقي، ولا نقول إلا ما يرضي الله، وإنّا لفراقكم لمحزونون!!
ابنكم، وتلميذكم
أسامة تاج السر
(منقول من صفحة الأستاذ أسامة تاج السر على الفيسبوك) (https://www.facebook.com/osama.tagessir?mibextid=ZbWKwL )






