(خب) يا ولدي خب  نادته  دون ان تلتفت الى الوراء  ؛ عندما نصل إلى تلك  الشجرتين  الوارفتين  سوف نرتاح قليلا في ظلهما ؛ومن ثم نواصل بعدها لن يتبقى لنا الكثير ربما 1000 قدم فتساءل سعد  ولماذا نتوقف عند الشجرتين يا أمي اننا نكون قد وصلنا الي  الحي…. حتى لا ندخل عليهم ونحن نكابد العطش والتعب  يجب ان نأخذ قسطاً من الراحة ونهدئ انفاسنا كي  نستطيع السلام عليهم كما ينبغي  …..ولكن حمد كان غير متحمس لهذه الزيارة  وكأنه لم يسمع الحوار الذي دار بين امه واخيه .. كان ممسكا بخيزرانة يلاعب بها  الرمال اثناء مشيه  ويفكر   بتعلق امه بأهلها لهذا الحد ويقارن بينها وبين عمته ؛ قائلا  في نفسه  عمتي المتزوجة  من خالي  تغيب عنا  الشهر  والشهرين   حتى تهم بزيارتنا اما وأمي فتزورهم  في الشهر ثلاثة مرات ؛ اليس لديها ما تقوم به ؟في بيتها  لم يتبقى لها ان ا تنقلنا للعيش معهم …قالت الام بصوت عالي  لكي تلفت انتباه ابنها  حمد  وتقطع  عليه حبل أفكاره  فهي تعلم بما يدور في ذهنه…. اذا لم تسرع سيقولون  عنك انك غير سريع في المشي أترضى ان تلازمك هذه المنقصة  مدى الحياة ؟..  الم تسمع ما تقول جدتك؟ لم ينبس حمد ببنت شفة  ؛ وبل ظل يحاول كظم غيظه  ويردد في  نفسه اما كان على امي ان تسمع لعمي وتنتظر الغروب ليوصلنا بعربته  هل هناك ما الذي  يستحق ان  نقطع من اجله كل هذه المسافة سيرا على الاقدام؟ … فسأل سعد أمه وهو يصوب نظره تجاه حمد وكأنه يقول له  عليك ان  تكترث لما تقوله أمك  وماذا كانت تقول جدتي يا امي ؟

الام : كانت تقول ان الرجل  الذي لا يستهان به يجب ان يكون( في الواطة مشاي وفي الورقة قراي+)  ؛  وواصلت حديثها  ها قد  وصلنا الشجرتين إن شئتما فسمياهما شجرتا الذكريات….

جلست الأم و تحلق حولها ولداها ؛أخذ سعد حقيبة أمه وناول كل منهم زمزميته …  تنفست الأم الصعداء وهي تطيل النظر في  السماء ؛وتقلبه في الفضاء سابحة  في ذكريات ما حدث في   ذات اليوم من عام  1965 بهذا المكان ؛ التفتت  الى ولديها وقالت لهما أترون ذلك النهر  وصفاء مائه .. فقال لها سعد : يا امي  أتحسبيننا صغارا  هذا ليست نهرا وانما سراب يحسبه الظمآن ماء؛  ضحكت  الام  مقهقهه وللحظة نسيت كل متاعب الحياة  وخيبات آمالها  .. إبنها ذو التسع  أعوام يحدثها عن معنى آية  قرآنية  يعجز عن  معرفتها  اخوها ابن عوف  ذو العشرين ربيعا  ؛ الذي لا يسأم السكر  والعربدة  والمبيت بالحانات  ولياليها الحمراء بين أحضان بائعات الهوى؛  حمدت  الله وشكرته على ان رزقها سعداً  وتمنت  لو ان حمد كان  مثله ….

في هذه الاثناء كان سعد يفكر بسؤال يسأله أمه ليكسر به حاجز الصمت الذي  حل بينهم  ٍ؛ فخطر له ان يسأل عن أخيه الصغير  ؛ أمي لماذا  لم تسمح لك  عمتي بإحضار أخي سامي معنا ؟

الام : لأن عمتك تحبكم كثيرا ولا تريدنا  ان نبيت بعيدا عنها لذا هي  تفضل ان تضمن ذلك بوجود سامي الى جانبها لانه مازال رضيع ولا يمكنني  البقاء بعيدا عنه  لمدة طويلة

سعد : امي لماذا سميتموه سامي ؟

تجذب  الام  سعد ا وتحيطه بذراعيها ضامة له بحنان  وهي تقول : إني  احب ثرثرتك و أسئلتك الفضولية ؟ ونظرت الى حمد نظرة اوحت له انها اكثر اعجابا به من  سعد  قائلة  وأحب صمت وهدوء حمد إنه يشعرني بأنه لقمان زمانه ؛  امتصت شيئا من تجهمه ولكنه ظل صامتا ؛  فالتفتت الى سعد وقالت انا لم أسميه ..عمك العوضي  هو من أسماه على  صديقه لاعب الكره المشهور سامي عز الدين  نتمنى ان يأتي يوماً ويكون لاعبا عالميا…

سعد اللهم ا امين يا امي … وانا اسمي مثل خالي سعد فربتت على  رأسه ممازحة… وعمي سعد

فقال لها انا اريد ان أكون  ضابطا مثلهما عندما اكبر ؛ واذهب للتدريب في بريطانيا

الام: لن تحتاج للتدريب في بريطانيا يا بني  يمكنك الحصول على كل التدريبات  في القاهرة و هنا في ام درمان .؛ ادارت الام وجهها ناحية  حمد وقالت له وانت يا حمد ماذا عنك ؟ عندما تكبر الا تريد ان تكون مثل الشيخ الحاج حمد تبني مسيدا كبيرا تأوي فيه الفقراء و المساكين  ويكون قبله للقاصي والداني ؛  وتطعم  الجائعين وتكسي  العراة  والحفاة  وتشعل نار القران فيقصدك العلماء والطلاب من جميع اصقاع الأرض؟

أجابها حمد ببرود  افقدها  شغفها و أمات حماسها الذي كانت تتحدث به ..

لا لا اريد ان أكون مثل الشيخ الحاج حمد  فليكن سعد ذلك انا اريد ان أكون مثل الشيخ مصطفى الأمين امتلك قصورا واسواقا في مصر والسودان  وابني مدارس ومستشفيات في جميع انحاء السودان  وزوجتي لا تزور احد بل الكل  يزورها بدارها  حتى أهلها … نظرت الام اليه مربتة على رأسه أسأل الله ان يحقق كل امانيكما يا حبيبي

سرحت الام مع ذكريات الشجرتين مرة أخرى وقالت :كانت لدي أحلام   تشبه أحلامك  ياحمد

في الماضي القريب أي قبل  20 عام من الان (تقريبا )كنا  نقطع هذه الصحراء كل صباح  لنصل إلى المدرسة  ؛هذه التي  مازلتم تدرسون بها ولكن لا أحد كان يجرؤ بان يمشيها وحده  فقد كانت هذه الصحراء عبارة عن غابة كثيفة من الأشجار ؛كانت مكتظة  بالحلفا والتبس ,و النباتات الصحراوية المختلفة .

القش ؛  والدوم واللالوب  هذا غير اشجار السمر و السنط  وكانت مليئة بالوحوش ؛ والذئاب والكلاب؛   فكان أهلونا يخافون علينا منها لذا كنا نجتمع انا وأقاربي  وبنو عمومتي  بعضنا راكبا والبعض الاخر راجلا  لنصل الى المدرسة ؛ كنا قد شكلنا طريقا معبدا بكثرة  الذهاب والإياب  ؛ وعمي ابو رداء الذي درس بالازهر  الشريف كان يتمنى ان يرانا انا و شقيقاتي  طبيبات ؛ومعلمات بالجامعات؛ فكان دائما يحدثنا عن دور المرأة في المجتمع وإرتقائها بذاتها وقدراتها ولولا  تعصب عمي سعد لكنت الان  معيدة بجامعة القاهرة.

بقلم/ تغريد البشير

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا