يكثر الحديث في الوسط الأدبيّ عن التّرجمة كطريق نحو العالميّة. هذا المنحى في التّفكير يجعل العديد من الرّوائيين العرب بخاصّة يبحثون عن خدمة المترجمين من أجل نقل أعمالهم من العربيّة إلى لغات أخرى. وهي رغبة مشروعة تماما ولا نملك حيالها سوى الصّمت في واقع ترجميّ شديد الفوضوية والتّعقيد، خاصّة عندما ندرك أنّ دور النّشر مستقيلة تقريبا من فعل التّرجمة إلّا نادرا.
ثلاث نقاط تلحّ عليّ بكتابة ما أكتب وتفاعلا مع حديث الرّواية والتّرجمة والعالميّة، حيث كان ذلك محور واحدة من ندوات الأسبوع العالميّ للرّواية المنعقدة بعض فعاليّاته بباريس يومي 13 و14 اكتوبر 2022.

أمّا النّقطة الأولى فتتعلّق بالرّواية كتجربة إبداعيّة وحالة من حالات التّفكير والخلق. إذ تحوّلت في هذه المرحلة من مراحل تطوّرها إلى قبلة يقصدها الرّاسخون والحديثون والسّرّاد كما الشّعراء والنُقّاد. لعلّ مردّ ذلك يكمن في المرونة والإتّساع اللّذين تتمتّع بهما الرّواية كفنّ زئبقي الهويّة منفتحها. هذه المرونة كانت عاملا مساعدا لها في استقطاب الأقلام والرّؤى كما البناءات والثّيمات. وليس هذا الأمر بمثلبة للرّواية بل هو اعتراف بما لهذا الضّرب من الكتابة من قدرة على الانْخِلاق والتّجدّد واقتحام العوالم البسيط منها والمعقّد. وهذا كلّه متفرّقا ومجتمعا يجعل من الرّواية أثرا كونيّا ينفلت من أسر اللّغة كواحد من أسس الهويّة الضيّقة.
هكذا تنفصل الرّواية عن واقعها الضّيّق لغة ومكانا وزمانا وتتّصل بواقعها الأوسع فتغادر لغتها الأمّ إلى لغات تتبنّاها عبر آليّة التّرجمة التي جلبت من لغات العالم روايات إلى العربيّة ونقلت من العربيّة روايات إلى لغات العالم. فكانت التّرجمة فعلا بعديّا و جسرا يحمل
لحظة ابداعيّة وينتقل بها عبر الأكوان مكسّرا بذلك قيود الهويّة اللّغوية الواحدة منتجا هويّة اللّغة المتعدّدة للنّصّ الواحد.
هذا الفضل الذي للتّرجمة على الرّواية جعل الكثيرين من الكتّاب العرب يتهافتون عليها، معلّلين ذلك تارة بقلّة مقروئيّة الرّواية في لغتها العربيّة وفي فضائها العربيّ وطورا بالبحث عن الاعتراف العالمي بأقلامهم. غير أنّ ما يثير الأسئلة بنظري في هذه النّقطة بالذّات هو ذلك الهوس بالعالميّة من خلال السّعي إلى الترجمة فتصبح غاية عوض ان تكون حالة من حالات الابداع. إنّ عمليّة التّرجمة لا تقلّ أهميّة عن عمليّة الخلق الرّوائي. بل تضاهيها وقد تفوقها أحيانا لأنّها تتعلّق باختيار وفرز عسيرين لرواية تستحقّ التّرجمة من بين إلاف العناوين التي تغصّ بها فضاءات الكتابة. ثمّ إنّ عمليّة الاختيار والفرز هذه لا تقع بنظري على عاتق كاتب الرّواية الأمّ بل على عاتق المترجم والمترجم فقط بالتعاون مع دور النشر المهتمّة بذلك إبداعا وليس تجارة أو على الأقلّ ابداعا وتجارة وليس تجارة وحسب. إذ لا معنى لسعي الكاتب إلى ترجمة نصّ لم يحقّق مقروئيّة في لغته العربيّة. فالمترجم وحده قادر على اختيار النّصّ الذي يستحقّ التّرجمة ودور النّشر الملتزمة بمشروع التّرجمة وحدها قادرة على معرفة سوق الكتاب وبالتّالي عملية تسفيره من لغة إلى أخرى. وأمّا سعي الكاتب وأحيانا شراؤه لخدمة مترجم ما، فهو وإن كان مشروعا بنظري إلا أنّه لا يضيف للرّواية شيئا. وكم من رواية سعى صاحبها إلى نقلها إلى لغات أخرى ولكنّها ظلّت طيّ النسيان مسافرة لا تبرح مكانها.
هكذا يفضي بنا الحديث إلى مسألة العالميّة. إذ رغم أنّ التّرجمة رافد مهمّ جدّا من روافد العالميّة إلّا إنّها لا يمكن أن تكون الرّافد الأوحد. بل لعلّها تأتي كنتيجة لعالميّة الأثر وليس العكس. النّص في
لغته الأمّ هو وحده القادر على تحقيق العالميّة من خلال عوالمه البنائيّة والثّيميّة التي قد تنطلق من هموم محليّة صغيرة تتعولم إذ تخترق حدودها المكانية والزمانية لتحلّ حلولا بالفعل والقوّة في أمكنة وأزمنة غريبة عنها، فتكون التّرجمة فعل استجابة لعالميّة الأثر وليس سببا وحيدا أوحد لها. هكذا يمكن القول أنّ اللّغة وسيط بين النّص والقارئ وليست سجنا من سجون النّصوص. هذا الوسيط يمثّل عصب عمليّة الترجمة. والتّرجمة تصبح استجابة لعالميّة النّصّ لا سببا له. ومع ذلك كلّه يبقى السّؤال حول طبيعة اللغة العربية وقابليّتها للترجمة مع المحافظة على حرارتها وبلاغتها. إذ هناك نصوص عربية عظيمة تفقد بعض عظمتها حال نقلها إلى لغات أخرى وهناك نصوص اجنبية متواضعة رفعها التّعريب






