السبت, أبريل 11, 2026

مدد

قصة قصيرة (د/محمدالبيدرعثمان)

مدد ياسيدنا المرسي ..مدد…

نظرة يا أهل الله

هكذا كان يردد وهو يدلف إلي صحن المسجد المسمى باسم مسجد سيدي المرسي أبو العباس مشاطئا للبحر الأبيض المتوسط عند بوابة الاسكندرية.

مربوع القامة، أسمر اللون يبدو من شكله وهيأته أنه من صعيد مصر. كان في عقده الرابع من العمر، ضخم الجثة، شثن الكفين ينبيك جلبابه المهترئ مثلما تفعل تقاسيمه الصارمة عن جلَدٍ وشظف عيش، أما عيناه السوداوان الغائرتان بما لا يتناسب ورأسه الضخم الأصلع فقد كانتا كبئرين بلا قرار.

ما إن وقع نظره على الشيخ الذي كان يجلس مغمض العينين، متربعاً يردد أذكاراً وأوراداً تتثاقل خلالها حبيبات مسبحته الطويلة حيناً وتتسارع أحياناً حتى ارفضّ جسده وارتعد، ثم صاح بأعلى صوته: يامشيرة، يارئيسة، ياسيدة  زينب …مدد.

دار دورتين حول نفسه قطع خلالهما المسافة الفاصلة بينه وبين الشيخ الذي لم يفعل شيئاً سوى أن رفع بصره نحو الصعيدي ثم عاد الى تسبيحه.

وقف الصعيديُّ أمام الشيخ وعيونه تذرف الدمع سخينا. كان يُهمهمُ بكلماتٍ غيرعربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة. كان لاهوته غائباً عن ناسوته، يظهر ذلك في الحركة المنزعجة لبؤبؤ عينيه، أمّا الشيخ فقد كان كمن يتلقى رسالة من عالم آخر مع كل كلمة ينطقها الصعيدي. حسناً تبدو الصورة مثل تقنية متقدمة يختلط فيها التخاطر والجذب مع المكاشفة والترجمة.

– مرحباً بولدنا المغازي والحمد لله على المشاهدة في عالم الملكوت. هكذا ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته الصحل الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب.­­

حينها فتح عبدالفتاح المغازي عينيه وخليط من المشاعر يلوّن أساريره بينما كانت يد الشيخ السمراء تربت على كتفه في حنان. سرعان ماهدأ نشيجه فاستغفرالله مراراً وحمده بكل مافتح الله به عليه من محامد.

عشرون عاما ياسيدي وأنا أنتظرك. كنت أراك في يقظتي ومنامي حتى تحولتُ الى كتلة من الترقب والإنتظار.عشرون عاماً كثيرةٌ ياشيخي الفيَاض، كثيرة.

منذ أن صدرالحكم في محكمة أهل الله بأن يلازم الأعتاب وعبدالفتاح المغازي يحيا مجنوناً بين العامّة، مجذوباً في نظر الخواص.

هجرأهله في قريته ساقلته حجر أبو ليلى من نواحي سوهاج، وهو الحسيب النسيب المقدّم بينهم وصار يعمل بالأجرة أو بالفاعل كما يسمونه في الإسكندرية؛ إذ أنه لم يكمل تعليمه النظامي فتفرغ باكراً للإشراف على أرض والده وفلاحتها. لم يترك باب رزق حلال إلا طرقه، ولم يكن يداوم على مهنة أكثر من بضع شهور إلا أنه لم تفته صلاة قط في مسجد المرسي أبو العباس .

 حين استقلّ القطار منفّذاً للمقدور كان ابنه الوحيد خضر في عامه الثالث، كان قد ختنه للتو ولمّا يبرأ جرحه بعد. يممّ قاصداً الغيب وفي أذنيه لاتزال كلمات الحضرة:

الحكم أن لا ترسو سفينتك إلا عند أبي العباس المُرسي، وحين اكتمال الوقت بالثواني يأتيك الفرج على يد الشيخ الفيّاض السودانيّ.

قطعت عليه هذا التداعي كلمات الشيخ:

 كل شيئ عنده بمقدار.

ندّت منه صرخة، جَهِد في كتمانها فتعالي صوته مردداً: هُوَ..هُو، حيٌّ قيوم لا يُشارك في الحكم ولا يُراجع في الأمر.

بعدها حدّق المغازي طويلاً في عينيّ الشيخ، وهو يسأله: باين ان المدة خلصت وبقينا إفراج.

اكتفى الشيخ بهز رأسه علامة للإيجاب.

سأل المغازي: ماهي الأمارة ياشيخي؟

فأجاب الشيخ الفياض: ياقوت العرش.

أردف المغازي: فماذا عن الأمانة ؟

عندها أخرج الشيخ الفيّاض خاتماً من الفضة كان يلبسه ومدّه إليه، لكنه أطبق يده في اللحظة الأخيرة وقال: 《إنّ اللهَ اشترى من المُؤمنينَ أنفُسَهُم وأموالَهُم بِأنّ لهُمُ الجَنّةَ》.

تلا المغازي قوله تعالى: 《فَرِحِينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه》.

حينها أرخي الشيخ قبضته على الخاتم ليتناوله عبدالفتاح المغازي ويزين به خنصره الأيمن.

فجأة شهق المغازي وتمتم: 《مَثَلُ الجنّةِ التي وُعِدَ المُتَّقُون》.

رفع  سبابته مشيراً للأعلى، ثمّ أتبعها ببصره قبل أن يُسلم الروح والشيخ الفيّاض يردد:《يأيّتُها النفسُ المُطمئنةُ ارجِعِي إلى ربكِ راضيةً مَرضِيّة، فادخُلِي في عِبادي وادخُلي جنّتِي》

 أحسّ الشيخ بحركة خلفه، فالتفت ناحية مصدر الصوت. كان هنالك أربعون رجلاً مُلثّماً، إمّا أنّ الأرض قد انشقت عنهم أو أنهم هبطوا من السماء. كأنما نسجت ثيابهم من نور.كانوا آخذين بأعِنّةِ فُرُسٍ لا يرى إلا نصفها الأعلى. مادتها غريبة ليست بدخان ولا نار وليست بريحٍ يُثار. لم يكونوا بإخوان من نسب، سوى أنهم كانوا على قلب رجل واحد. تقدم أحدهم  وضمّ اليه المغازي بشدة قبل أن يمضي بنعشه الآخرون.

حين أدار الأخير وجهه قبالة الشيخ كان قد استحال إلى صورة مشابهة للمغازي قبل عشرين عاما؛ آخذاً عصاته وخاتمه ومتمتماً: مدد ياسيدنا المرسي..مدد

نظرة يا أهل الله.

Discover a hidden easter egg

مجلة الحوش الثقافية

مقالات ذات صلة

تفقد أكثر

مقالات مميزة