معاوية محمد الحسن قيلي

_(2)_

وكأنما  لاشيء كان يغري بالعيش في عصر الحداثة الباكر حينما نشر  جويس مجموعته  المسماة ( اهل دبلن) حيث كانت الحرب العالمية الاولي قد اندلعت  فحصدت  الارواح وكانت الاوبئة مثل الكوليرا ماتزال تفتك بالبشر وقوي الاستعمار  تكشر عن انيابها و تجتاح بلدان  افريقيا واسيا

،واشاعت القصص  حين نشرت في تلك الظروف  لدي جمهرة النقاد الكلاسيكين  ارتباكا  عظيما  ساعة تاملوا اساليب بناءها فلاحظوا  ان جويس المجنون يقوض التقاليد الادبية العتيقة   فيلجأ للرمز  ويحطم البنية السردية الكلاسيكية بلامبالاة  ،فنجده مثلا   في نص( الشقيقات)  وهو اول نصوص المجموعة يختار هذا العنوان للنص مستمدا  اياه من شخصيات الاخوات الثلاث للقديس(جيمس  فلين) مع كونهن لا يلعبن  دورا محوريا في القصة وكان  الفن السردي  انذاك قد بدا يتجه نحو الاحتفاء بالحبكة وبناء الحدث اكثر من رسم وصناعة الشخصية وتلك هي احدي ماثر جويس العظيم.

بدت دبلن في نصوص المجموعة  منهكة ،تعاني شللا الزمها اليه حسب رؤية جويس الاحتلال البريطاني الذي لم تتخلص منه الا في العام١٩٢٥ وقد وقف جويس يصرخ من خلال نصه المشار اليه بصوت مبحوح  فقال النقاد انه  استخدم شخصية القديس فلين كرمز لمدينته التي كانت تعاني وطاة الكنيسة الكاثوليكية.

والبطل الرئيس في قصة جويس (الشقيقات) صبي لم يمنحه الكاتب اسما وهو يبدو منذ بداية النص علي علاقة وطيدة بالقديس فلين الذي يتلقي علي يديه الدرس في الكنيسة وفي ذات يوم يري الصبي  في منامه رؤيا غريبة عن القديس وفي صبيحة اليوم التالي  يجلس الي طاولة الطعام  فيسمع صديقا للعائلة يتحدث الي عمه ناقلا اليه خبر وفاة القديس فيسرع الصبي نحو منزل فيلين ويقرا اعلانا علي الباب يقول ان القديس قد رحل عن العالم متاثرا بالسكتة القلبية ثم نراه يغرق في الذهول ولا يظهر انه يتفجع علي رحيله فليس هناك ماينبيء عن حزنه حين اختلف بعد ذلك  مع عمته الي منزل القديس  مرة اخري حيث ترقد الجنازة و لكن طافت  بخاطره الرؤيا المنامية التي راها عن معلمه واندهش حين سمع احدي شقيقات فلين تقول ان الرجل قد اصابته لعنة الرب لانه كان قد انتهك حرمة قربان مقدس او نحو ذلك فاصابه الشلل ثم السكتة الدماغية فمات.!

لم يكن جويس عاطفيا محضا  مثل مواطنه الشاعر الكبير( ييتس )وهو احد رواد الحداثة   في علاقته بدبلن بل كان   يقدم  رؤية  ناقدة اكثر واقعية

كان  جويس رغم حبه لدبلن  لايريد ان يذم المدينة ولا ان يمدحها ولكنه اراد ان يقدم حولها صورة اكثر واقعية  وكان يقول ان مهمة الفنان  ان يعرص الواقع وانه اراد حقا ان  ياخذ مدينته من يدها الي   حيث توضع مراة كبيرة فيجعلها تنظر الي نفسها في المراة عارية وهي بلا مساحيق وبلا رتوش زائفة.

ومثلما كان( وليام بتلر ييتس )حالما وعاطقيا وهو يمد بصره نحو ايرلندا  كذلك كان  علي المك  حين  يستدعي امدرمان في نصوصه وهذه هي نقطة الاختلاف الجوهرية بينه وبين جويس حول علاقة كل منهما بمدينته فجويس كان واقعيا بينما علي المك كان رومانسيا ،ينظر الي امدرمانه و كانها قديسة مبراة من النقائص ،ولعلنا احيانا نلمس شيئا من تبرمه بضيق العيش وبرهق الحياة في امدرمان ولكن الكاتب الكبير كان لايقسو علي مدينته بل كان يغفر ويصفح فعين الرضا عن كل عيب كليلة .

ويقول لزائر مدينته التي هي من تراب انني اقدم لك مفتاح مدينتي وهو من طين كانه يقول هذه هي بلادي التي احب وهي هكذا فان شئت فتقبلها  علي علاتها وان شئت فغادرها!

ونري عليا في نص  مدينة من تراب يوقعنا في غواية المكان ويقدم رؤيا شاعرية وتلعب اللغة والكلمات دورا سحريا تجعل القاريء يصاب بالدوار ويعتريه الخدر اللذيذ ، فعلي المك كشان مدينته  بارع في الغواية وهو لايكتب الا نص اغراء كبير  حين يسهب   وهو في غمرة سكرته بامدرمان في وصف  بيوت الطين وسوق الجلود وحي العصاصير والحيطان المطلية يروث البهائم وتلك الازقة الضيقة ، انه يقدم رؤيا صوفية يستعذب فيها الدراويش مشقة جهاد  النفس فيلفظون لذيذ العيش ويستمتعون فقط بالسمو الروحي وهذه الرؤيا الساحرة تجعل القارئ يقمع اي شعور من شانه ان يقود لكراهية امدرمان .هكذا يكون الفن  العظيم حين يحرك العواطف ويثير الخيال فيسلم القاريءامره للكاتب وتلك طاقة سحرية لم يؤتها الا الافذاذ من امثال علي المك.

ولعلنا ا لانبالغ ا اذا قلنا ان علي المك قد صنع من امدرمان اسطورة لانه فقط قد اراد لها ان تكون اسطورة  وانه ركل تحت قدميه كل مدينة اخري  سواها .!.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا