مقدمة:

الم القطاطي أو كما قال كاتب مقدمة الرواية الأستاذ صديق إبراهيم محمد أحمد هي (.قيم القطاطي )..  رواية اجتماعية حيكت بمهارة عالية جدا ؛  تأخذ القاري في عوالمها حتى يشعر بالاتحاد مع شخصياتها فيفرح  بفرحها ويحزن بحزنها ويتألم معها..  صورت لنا جانبا من مشهد الحياة الاجتماعية للمجتمع السوداني  في ثلاث حقب سايسية نهاية حكم نميري؛  والديمقراطية الثالثة ؛ وحكم الإنقاذ الى انفصال الجنوب …بأسلوب شيق وممتع  أبحر بنا الراوي العليم في معالم وعوالم الحياة الريفية  في السودان  فوصف حركة الحياة في القرى  وصف دقيق ؛ وصف خبير ملم بتفاصيل أهل البادية واهتماماتهم ؛ تربية الماشية ورعايتها وتعلقهم بالجمال والأبقار والخيول …الخ

رغم ان هذه الرواية واقعية أو يمكن أن تكون قد حدثت على ارض الواقع الا ان خيال الكاتب المجنح كان يرفرف  بين ثنايا الأسطر والصفحات وقدراته الوصفية والبلاغية تزيد  من متعة القارئ وتجعله يستشعر المعاني وان كانت غير متداولة في بيئته أو زمانه ؛  ويندمج مع حركة السرد لا أراديا؛  فيجد نفسه وكأنه  صديق  للراوي العليم أو هو أحد الشخصيات الورقية أو ان الشخصيات الورقية منه ويعرفهم على ارض الواقع  مما يجعله يشعر بالرضى  والسعادة  لاقتنائه  هذه الرواية .

 متن الرواية :

بدأت احداث القصة بكارثة حريق قطية الضوء ورقية وأعتقد انه من هنا استلهم الكاتب عنوان الرواية ؛ وببراعة وتمكن في الأداء السردي بدأ حلحلة العقدة و وتفكيك الطلاسم  مع الحفاظ على تشويق القارئ لمعرفة المزيد عن اسرار رقية والضوء  ومأساتهما.

تتتابع   أقدار الحبكة  وتتصاعد بسرعة فائقة كي تحسن من حياة ماهل وتبدأ بتغييرها تدريجيا حتى تصله الى أعلى قمم التغيير.

فالحياة فتبدأ عصبية عسيرة لدى ماهل بطل الرواية ؛  طفل أشبه باللاجئ أو المشرد لا يعرف له خال ولا عم ولا عشيرة ؛ ولولا حنان وعطف عم الرضي عليه  وإيوائه له  لما وجد قوت يومه  ولكن الأيام الماهلة كانت مخبئة له في زمان قريب وسرعان مابدأ العد التنازلي للشقاء وأصبح ماهل  وجه خير ونعمة على كل أهل البلدة لتفوقه في امتحان الشهادة  المتوسطة  ورفعه لاسم قرية الفاضل على  رصيفاتها من القرى المجاورة .

الشخصيات :

ماهل هو البطل و الشخصية الرئيسية.وهنالك شخصيات أساسية أخرى مثل شيخ الفاضل شيخ حلة الفاضل و عم الرضى وظهور عائلتهما في حبكات صغيرة جانبية. ودائما هنالك شخصيات ثانوية او تصنفيها ثانوي أي ليست هي المحور الأساسي في القصة ولكن لا تقوم الحبكة الأساسية إلا بها مثل شخصية عبد المجيد والد حسناء زوجة ماهل الثانية التي ابرز الكاتب من خلالها  دور المرأة في تلك الحقبة ( والتي ليست ببعيدة من وقتنا هذا افتراضيا طبعا) ومشاركتها في المحافل الثقافية.وتكريمها وواضح انه كان امر اعتيادي لدرجة ان لم يعترض احد على ذلك  حتى أبو حسناء  الذي يعتبر من بيئة قروية شديدة الحساسية فيما يخص قضايا المرأة ورغم ذلك كان عبد المجيد مواكبا ومنفتحا  ومنسجما  مع المستجدات العصرية .. حيث  طلب من ابنته ان تدرس الطب البيطري حتى تكن ساعده اليمين على غير ما يحدث في واقعنا على أيامنا حيث يفضل الرجل ان يأتي بن عمه او ابن خالة او حتى ابن منطقته على ان  تكون ابنته هي المسؤولة  مسؤولية مباشرة عن املاكها واموالها .

عادة التشبيهات  والشاعرية المفرطة  في السرد أمر مزعج للبعض لكن  قدرات الراوي  على مناغمة الصور البلاغية مع الوصف جعل القارئ يشعر وكأنه يستمع الى دوزنة موسيقية لنشيد وطني شكل كيانه ووجدانه.؛ لا أنه فقط يقرأ نص أدبي  فمثلا عندما يقول( صباح القرية  أروع من ليلها البارد المظلم  ؛ مع بشريات أشعة الشمس الذهبية ؛ وخلفها القبعة المضيئة  إصفرارا  والهواء البارد اللافح  .. تخرج  بهائم  القرية  في صخب  وضجيج  متداخل .. الأغنام تودع صغارها بعد أن أكرمت أصحابها بمئات الأرطال  من اللبن .. الأبقار تمشي الخيلاء  والهوينى  وكل زريبة تخرج منها مجموعة مهيبة؛ منها ذات الثورين ومنها ذات الثلاث   ..عجبا لتك الأبقار ليست لها سيقان تقف عليها من فرط شحمها  …

ويصف زرائب البقر كما يصف طقوس الرعاة  ويصف حركة اعداد الطعام  فيقول (  ترى الدخان يخرج من الرواكيب  الصغيرة  كخيوط  بيضاء بين عدارها  إيذانا ببدء العواسة  على الصيجان السوداء  العتيقة  فتنقسم النساء  عليها وعلى هز الروب  بالبخس  الضخمة  التي تتدلى بحبال  من مروق الرواكيب لإستخراج السمن  وأصغرهن سنا يذهبن إالى الخلاء لجلب الحطب …الخ)

كان الطيب صالح عبقري الرواية العربية  وخلف وراءه عباقرة  لا يشق لهم غبار في الحكي والسرد العربي ..وكلما أتعرف على روائي سوداني جديد يثبت لي وأتيقن  أكثر ان الطيب صالح خلف أحفاد  في الأدب  السردي  لن تفنيهم التقلبات السياسية  ولن تخطئهم امكنة وأزمنة السرد وأنهم قادمون بقوة ليون للعالم قصتهم وقصة بلادهم وتريخيهم  و منهم على سبيل المثال : الأديب الأريب المبدع محمد الأمين مصطفى .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا