بسم الله الرحمن الرحيم
الفكي الصيني “تشنغ شو يانق” والديك
القاهرة في : ٨ / ١٢ / ٢٠٢٢ م
كتب / بدر الدين العتَّاق
من ضمن المعتقدات الشعبية أو الثقافات المحلية الشائعة لعموم بني البشر هي المعتقدات الروحية أو الروحانية التي لها صلة بالعلاج النفسي ولا تتقيد في جماعة دون الأخرى لكن كل جماعة لها معتقدها الخاص في طريقة الطقوس وما يصاحبها من مواد جانبية مكملة لقناعات الشخص المريض الذي يلجأ عند ضيقه النفسي أو البدني أو الذهني للشيخ الفكي المعالج إما بالرقية المسماة شرعية أو بعمل حِجْبَات / تمائم / تعلق على الرقبة أو اليد أو حتى منتصف البطن مخفية بحيث لا تُرى للناس؛ وهذ الحِجبات أو التمائم عبارة عن ورق مكتوب عليه بعض الطلسمات غير المفهوم وبخط أشبه بدرب النمل حين يمشي على الرمل وشئ من آيات قرآنية؛ وقبل أن تُقفل بشكل جيد ومعين يضع الشيخ أو الفكي المعالج بها قليل من البخور واللبان الضكر وما شابه ثم يجعلها مبطنة أو قل مغطَّاة بجلد الماعز أو البقر أو الغنم وما إلى ذلك؛ وربما تكون وصفة العلاج أن يضعها على الماء حتى يتغير لونه وطعمه ثم يشربها على الريق؛ ومنهم من يسئ الاستعمال في أعمال الشر والعياذ بالله؛ وغالباً ما يضع المريض حفنة من المال تقل أو تكثر للشيخ الفكي تحت السجادة ابتغاء البركة مقابل الدواء الروحاني أو تقربوا للشيخ الفكي بذبيحة ابتغاء البركة والشفاء العاجل ومنهم من يستعين بالجن؛ قال تعالى : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً } سورة الجن / قيل هذه الآية نزلت في رجل من العرب يقال له مالك بن مهلهل كان يستعين بالجن على قضاء حوائجه؛ والله أعلم / ولهم في ذلك مسائل وحكايات لا يتسع لها المقال بحال من الأحوال؛ قال تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان؛ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا؛ يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت؛ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه؛ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله؛ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم! ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق! ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } سورة البقرة؛ وهذه الآيات تحكي قصة الملكين اللذين نزلا ببابل في أرض العراق في قصة مشهورة ذكرها القرآن بالمصدر السابق وليس ههنا موضعها من التفصيل .
مثلاً ؛ في بلاد نيجيريا وبلاد هوسا والكمرون والسنغال وتشاد وغالبية الدول والقبائل الأفريقية من الحزام الأفريقي الغربي العابر وسط بلاد السودان من مديريات دارفور الكبرى المتاخمة لحدود بلاد تشاد وصولاً إلى أقاصي بلاد أفريقيا الشرقية من بلاد الصومال واثيوبيا وارتريا وجيبوتي وغيرهم؛ جماعات يعتقدون اعتقاداً جازماً ويثقون ثقة عمياء في أولئك الذين لهم تطبيب شعبي روحاني للمدى البعيد بل يعتقد أكثرهم بأنه دين يجب الإعتراف به وليس بالطبع ههنا موضع مناقشة هذا المعتقد أو الدين الشعوبي العالمي بقدر ما موضعه من المتعة والفائدة اللطيفة كما تحدثت بذلك ذخائر العرب من الكتب النفائس وسارت به الركبان وعندنا نحن في السودان عموماً مثل هذه الاقاصيص كثيراً ؛ وبالتحديد في الشيخ الفكي الصيني “تشنغ شو يانق ” والديك؛ موضوع هذه الكلمة.
لكن؛ بصورة ما نحن في السودان نعيرهم اهتماماً خاصاً باعتبارهم طبقة اجتماعية لها دورها الفعَّال في الطب الشعبي والعلاج الروحاني ؛ وأذكر أنني حضرت محاضرتين للأستاذين الكبيرين محمد المرتضى البكري أبو حراز؛ وهو رجل معروف جداً ومن أسرة كبيرة ؛ كان قد حاضرنا في أمسية من أمسيات أم درمان الجميلة بمكتبة البشير الريح العامَّة في سنوات التسعينات / إن كتبت التسعينيات أيضاً صحيحة / عن الطب الشعبي وطريقة العلاج به في محاضرة قيمة للغاية وله في ذلك متع وولع شديدين ؛ وكذلك أستاذ الأجيال المرحوم الطيب محمد الطيب؛ أيضاً حاضرنا في ذات المكان في ذات السنوات عندما كانت أم درمان تضج بالثقافة والدراما والمسرح والفنون الشعبية والشعر وليالي البقعة المسرحية بمركز شباب أم درمان وكذلك ندوات مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي ومسرح أم درمان بود البشير أم بدَّة إذ كانت ليالي الثقافة لا تهدأ عنها وهي ثمرة قطوفها دانية لمن يتذكرها أو يذكرها قبل أكثر من خمس وعشرين سنة مضت وإني لصاحبها ؛ فتأمل .
هذا! وقد كتبت في هذا الموضوع والموضع من الصحيفة هذه ما دار في تلك الندوات وليس حديث الدكتور عبد الله الطيب؛ – رحمه الله رحمة واسعة – عن السحر والشعوذة والطب الشعبي في كلية الطب جامعة الخرطوم أواخر سنوات التسعينات من القرن الماضي ببعيد عن الأذهان؛ حيث قال : وجدت زميلاً لي من الكاميرون استاذاً يحدثنا عن نوع من النبات ينبت في أفريقيا له أثره الفعَّال في معالجة المرضى ولم يعجبني ذلك المعتقد ( إن لم تخني الذاكرة فالحديث مبسوط في اليوتيوب يمكن مراجعته هناك) ولم أكترث له؛ وفيما بعد ذهبت إلى بريطانيا ؛ وفي الكلية الملكية بلندن Kingdon Of Colleg حاضرنا أستاذ – ندَّ عني اسمه – باكتشافه الخطير أنه يوجد في أفريقيا نبات أو عشبة من شجرة بعينها تعالج السرطان فتذكرت صاحبنا الكاميروني ذاك ونبتته التي كان يحملها – ويضحك الحضور هنا ويبتسم المجذوب ابتسامته المؤكدة لما يقول ضاحكاً – ويواصل في كلمته بكلية الطب جامعة الخرطوم؛ فلتراجع في محلها إن شاء الله .
أذكر عند زيارتي لمديرية سنار في قرية مايرنو قبل سنوات طويلات وجدت عند مدخل المدينة على جانبي الطريق باعة يفترشون الأرض على طول الشارع العام يبتاعون بعضاً من لحاء الشجر وورقه وجذوعه وجذوره وفروعه مع حِجبات بأشكال وأصناف وأحجام متعددة وكثيرة كل واحدة منفردة لها علاجها الذي تعمل به – دواء لكل داء – فناداني أحدهم أن آخذ فرعاً نحيفاً يقيني سم العقرب إذا لدغتني؛ فقلت له دعني والعقرب في حالنا ولا حاجة لي بها؛ فرأيت الإصرار على وجهه وكأني رفضت أمراً جللاً إذ لم يعجبه حديثي ثم انصرفت.
قال الشاعر :
وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع
هذا! من أمثلة العرب القديمة على معالجة الأمراض المزمنة طرائفاً ومُلحاً مِلاحاً أذكر طَرَفَاً منها ؛ قيل : جاء أحد الأعراب لمعالج شعبي – فكي – فشكا له مرضه فقال : يا طبيب؛ أكلت من لحم الجوازئ فطسئت طسأة فأصابني ألمٌ ما بين الوابلة إلى دابة العنق؛ فما زال يربو وينمو حتى خالط الشراسيف فصف لي دواء! فقال الطبيب : خذ خوفقاً وخنفقاً وخسفقاً فاغسله بالماء واشربه! فقال المريض : ما دريت ما قلت يا طبيب! قال الطبيب : وأنا ما دريت ما قلت يا مريض. ثم انصرف الجميع.
أما صاحبنا الفكي الصيني “تشنغ شو يانق ” والديك؛ فقد رأيته في الميديا يسوِّق لبضاعته المزجاة في وسط مدينة صينية لا أذكر اسمها وذات الأمر بالنسبة له كما بالنسبة للأفارقة يحاول جاهداً إثبات براءة الاختراع وتقربه إلى عالم الغيب زُلفى؛ فأحضر معه ديكاً وديكاً يمشي على قدميه وبكامل صحته الموفورة وشياكته ورشاقته وشبابه وعنفوانه فقام ينادي في المارَّة ( وونغ تشنق أوو يان شو فششنق توو وانغ كو هو ) / أحتاج إلى ترجمة فورية / ثم كسر رجلي الديك الوديك وهو حي يعوعي فبرك الديك بركة حتى أصابتني الحُمَّى مما رأيت ثم وضع عليه يده وتفل على ريشه الأنيق الوريق فقام الديك متأرجحاً واعتدل في مشيته إلا قليلاً / أراهم بياناً بالعمل / مما يعني أنه طبيب ماهر ومعالج شاطر ؛ وكان الله في عون الديك ما دام الديك في عون المارَّة؛ ولم يقترب منه أحد؛ حين أصيب الديك إصابات خطيرة وانفض الشارع بمن فيه . وتذكرت صاحبنا بمايرنو والتعافي من لدغة العقرب؛ وما صاحب المجذوب عني ببعيد








