
الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي
جامعة الكوفة/كلية التربية للبنات
إنَّ الحديث عن اللغة العربية حديث شيق وممتع ولا أعرف من أين أبتدأ ولا كيف أنتهي ؟؟؟… وقبل ان أبدأ أود ان استذكر قولاً الثعالبي في فاتحة كتابه (فقه اللغو وسر العربية) اذ قال: “من أحبَّ الله تعالى أحبَّ رسوله المصطفى ومن أحبَّ النبي العربي أحبَّ العرب ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها”, ويحلو لي ان أورد شهادة متمة للمستشرق (إدوارد فان ديك) كتبها عن اللغة العربية قائلاً: “إن اللغة العربية من أكثر لغات الأرض امتيازاً, وهذا الامتياز من وجهين: الأول من حيث ثروة معجمها, والثاني من حيث استيعاب آدابها” وللمستشرق بروكلمان قول فيها: “بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدىً لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا”.
فللغة العربية جذور ممتدة أغصان متينة ترفع هامتها للسماء بكل ثقه فهي أقوى اللغات لفظاً وقدرة, فهي أداة مثلى لإغناء النفس البشرية لما تقدمه من زاد روحي يتمثل بآية قرآنية كريمة أو بيت شعر أو مثل أو حكمة نادرة أو خاطرة أدبية, فهي معيار للثقافة ووسيلة فعالة لارتقاء ثقافة المجتمع وتفكيره, فقد قال أحد الفلاسفة: “ان من يتكلم بشكل جيد يفكر بشكل جيد” ان ذلك يؤكد أهمية اللغة في حياتنا الثقافية والانسانية وتأصيل نظرتنا الجمالية, وخير ما استحضر قول احد الشعراء عنها قائلاً:
لُغتي وأفخر إذْ بُليتُ بحُبها فهي الجمالُ وفَصلُها التِبيانُ
عربيةٌ لاشكَ أن بيانَها متبسمٌ في ثغرهِ القرآنُ
فاللغة العربية من أكثر اللغات السامية تحدثاً وأكثر اللغات انتشاراً في العالم, يتحدثها أكثر من 467 مليون نسمة, وهي تحتل المركز الرابع أو الخامس من حيث اللغات الأكثر انتشاراً في العالم, واذا كانت الدنيا قد استقامت ذات يوم على سبع عجائب ترصع جيدها وقد ابهرت البشرية عبر العصور فأن لغة العرب لغة الحب والجمال وسحر البيان والقرآن هي الثامنة لما حباها الله من مزايا وصفات تؤهلها ات ترتقي إلى مصاف الاعاجيب فهي اعجوبة في نظامها الصوتي والنحوي والدلالي…
لقد كان الشعر ما قبل الاسلام مرآة لحياة العرب في الجزيرة العربية وقد عبرت اللغة عن تلك الحياة بوفرة من الألفاظ والمرادفات والاشتقاقات واصبح للغة العربية رصيد لغوي هائل, وما ان ظهر الاسلام ونزل القرآن الكريم حتى انتقلت اللغة العربية إلى مرحلة أكثر تطوراً لما نقصها من نسائم عطره, وقد كان للقرآن الكريم أثر كبير في تطور دلالات اللغة العربية ومنح تلك الالفاظ مضمونها الجديد مما يؤكد هذا الأمر ان اللغة العربية كائن حي يتطور مع تطور الحياة, فالشريعة مثلاً في المعجم العربي تعني موضع على ضفة نهر يتيح للناس التزود من الماء, ولما جاء القرآن الكريم أخذ هذه اللفظة ومنحها معنى جديد بل وظيفة جديدة لتدل على الأحكام الفقهية التي جاء بها القرآن أو الاسلام وهذا ينطبق على مفردة الشكر وغيرها.
وبعد هذا التطور العاصف في تاريخ اللغة العربية بما ضخ إليها من ألفاظ قرآنية جديدة ة وما تطورت عنه الألفاظ المعجمية إلى دلالات جديدة, وحين اتسعت خارطة هذه اللغة ودخلت إليها أقوام غير عربية وانتشر اللحن والعجمة مما استدعى ظهور حركة لحماية هذه اللغة من تلك الرياح التي هبت عليها من اقوام غير عربية.
ولهذا كان ظهور النحو العربي ضرورة ملحة وما تبع ظهور هذا العلم هو ظهور الحركات العربية بالضد من النطق بالكلمة وكتابتها ومعرفية الدال والمدلول في سياق الجملة العربية, واتسعت بعد ظهور علم النحو على يد الإمام علي (ع) وتلميذه ابي الاسود الدؤلي في القرن الأول الهجري, وقد تقدمت الدراسات اللغوية واخذ علماء اللغة يهتمون بجمع اللغة وروايتها وتأليف المصنفات والمعاجم.
وتعد اللغة العربية اللغة الأولى في العالم تمتلك هذا الكم من المعجم, وكان العراق مهد المعجم الأول في تاريخ اللغة العربية وهو (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي… وفي ضوء التطور الذي شهدته المعجمات العربية لاسيما بغداد واتساع حركة الترجمة من العربية إلى غيرها من اللغات ظهرت المدارس النحوية مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة وكان لهاتين المدرستين أثر كبير في وضع القواعد العامة والاسس المتينة الرصينة لهذه اللغة, ولسنا بحاجة ان نذكر قائمة اسماء علماء اللغة أو عناوين المعجمات اللغوية.
ولعلنا سنكتفي بالقول ان اللغة العربية قد امتازت عن غيرها من اللغات بتلك النظرة الانسانية للمرأة التي ميزتها بعلامة التأنيث ونون النسوة في الضمائر والافعال وكذلك تميزت بالكتابة من اليمين إلى اليسار كونها لغة سامية واتخذت الألف واللام علامة للتعريف وفيها لثرائها اللغوي من المترادفات ما ليس في لغات العالم, فضلاً عن المثلث اللغوي والمشترك اللفظي والتضاد فضلاً عن حرف الضاد احد حروف ابجديتها. وأود ان استشهد بما تحقق مؤخراً في دولة قطر الشقيقة حيث انجز (معجم اللغة العربية التاريخي) ومع هذا الانجاز المشرف في تاريخ اللغة العربية هنالك انتكاسة فادحة لهذه اللغة الكريمة رغم دورها الانساني في نشر المعارف وما قدمته من ثراء واغناء للحضارة العربية الاسلامية سواء في المشرق أو المغرب .
إن اللغة العربية بشعرها ونثرها وقصتها سواء في العراق أو البلدان العربية الاخرى كانت تقف إلى جانب القضايا الانسانية والاجتماعية اذ وقفت مع فلسطين والجزائر وسوريا والعراق في ثورات التحرر وانتفاضات الشعوب.
كما وقفت اللغة العربية بوجه حركات معادية لها التي نادى بها عدد من المثقفين العرب المتمثلة باعتماد العامية بدل الفصحى امثال يوسف الخال, ولم تكن هذه الدعوات المشبوهة التي تحط من مكانة اللغة العربية وتشك في قدرتها على مواكبة العصر بقادرة على ايقاف تطور هذه اللغة وازدهارها رغم ما تتعرض له الآن من محاولات الاستهانة بها أو تغليب اللغة العامية في الاعلام الفضائي العربي دون الاكتراث إلى ما ينال هذه اللغة وفصاحتها وبلاغتها, فقد ظلت هذه اللغة موضع احترام العالم حتى نالت الاعتراف الرسمي بالأمم المتحدة واعتبار يوم 18/12 عيداً عالمياً لها تكريماً واعترافاً بفضلها واعتزازاً بدورها الانساني فهي لغة نصف مليار متكلم على هذا الكوكب وهي كما قال الشاعر العربي محمود درويش:
( لغتي العربية مثل لؤلؤه كلما عسعس الليل اضاءت) و اردد ما قاله الشاعر نفسه حين قال:
سجل أنا عربي
أنا سامٌ بلا لقب
صبورٌ في بلاد كل ما فيها
يعيش بفورةِ الغضبِ
جذوري قبل ميلاد الزمان رستْ
سجِّل برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناس
ولا اسطو على أحدٍ
ولكنّي ..إذا ما جعت آكل لحمَ مغتصبي
حذار.. حذار.. من جوعي ومن غضبي.







دكتورة وسام علم من اعلام العراق هي في غنى عن التعريف متالقة دائما ومبدعة ربي يحفظك احترامي وتقديري لجنابكم الكريم
د.ازهار
بارك الله فيك دكتورة وسام كفيتي ووفيتي