آمنة الفضل – ناهد قرناص – وغادة عبد العزيز نماذجا

بقلم الناقد الأستاذ/ عز الدين ميرغني

مقدمة:

ظهرت في السنوات العشر الأخيرة العديد من الأصوات الروائية النسائية السودانية . وهي ظاهرة حميدة حيث وجدت الروائية السودانية فرصتها وحريتها في كتابة ذاتها وقضايا جنسها والمرأة التي تمثلها بالأصالة وليس بوكالة الرجل الكاتب عنها . ومن الأصوات الجديدة التي ظهرت في خلال هذه الحقبة الزمنية , الروائية آمنة الفضل  في روايتها ( بعض الذي دار بيننا ) , وناهد قرناص  في روايتها ( أنا الأخرى ) , وغادة عبد العزيز . في روايتها ( ليتك تعلم ) . ولعل ما يجمع بينهما غير الحقبة الزمنية الواحدة المشتركة , هو توظيف ضمير المتكلم الأنا Le je . كسارد لبطلة تحكي ذاتها وعلاقتها بمن حولها . وهذه الذات الساردة بضمير المتكلم , هي ذات ليست حاكية لغيرها وإنما ذات فاعلة ومنفعلة ومفعول بها في الرواية من ما يجعل حكيها هو سيرتها الذاتية وليست سيرة غيرها . وهذا الانفعال والفعل , يجعل للأنا خصوصيتها في هذه الروايات الثلاث . ولعل بعض الدراسات في مدرسة الأدب النسوي , تجعل من أدب المرأة أدباً مميزاً بفعل مكوناته التي تظهر وتتجلى كما قالت الدكتورة زهور كرامة في كتابها ( السرد النسائي العربي –  مقاربة في المفهوم والخطاب ) , تظهر وتتجلى في بعده السير ذاتي auto récit , ويأتي هذا التحديد من خلال توصيف مجموعة من التعابير والمفاهيم والمصطلحات المرصودة داخل النصوص الروائية النسائية , منها الذات / والأنا / والطفولة / وذاكرة العودة إلي الوراء .  وتأزم العلاقة مع الآخر , وكل هذه المصطلحات تدخل في تقنيات كتابة السيرة الذاتية والتي قد تتحول في الرواية إلي محكي ذاتي , ( الحكي الاتوبيوغرافي ) , كما يطلق عليه النقد الحديث . وهذه الأنا التي تظهر بقوة في هذه الروايات الثلاث , تعتبر نوع من كتابة الداخل والدواخل .

الأنا وعلاقتها بالعنوان في الرواية النسائية:

يعتبر النقد الحديث أو علم العنونة , بأن العنوان يمثل المدخل الأول للنص فهو الذي يقودك إليه مباشرة أو يتركك أنت كمتلقي تخمن كيف تبحث عنه وكيف تتخيل مضمونه الظاهر أو الخفي . ولعل الدارس للرواية النسائية العربية يجد كثرة العناوين التي تدخل فيها الأنا . مثل رواية ( أنا أحيا ) للروائية اللبنانية ليلى بعلبكي , ورواية ( من أنا ) للروائية اليمنية شذى الشعيبي , ورواية ( أنا الأخرى ) , للدكتورة ناهد قرناص . ولقد رصد النقد الحديث كثرة الأنا في الرواية النسائية , وذلك يعتبر كرد فعل على التشكيك الدائم الذي يحيط بالمرأة وبوجودها فهو نوع من تأكيد الهوية والجندرة . وفي دراستنا لهذه العناوين الثلاثة لرواياتهن , رواية ( بعض الذي دار بيننا ) , لآمنة الفضل , ورواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص , ورواية ( ليتك تعلم ) , لغادة عبد العزيز ,  وفي رواية ( بعض الذي دار بيننا ) للروائية آمنة الفضل نجد أن الأنا متضمنة في العنوان بقوة لتأكيد الذات الساردة والتي هي البطلة الأنثى في داخل النص الروائي .وتأثير  الإعلام والميديا , مع لغة السرد في أول رواية لها . بحيث تكاملت مواهبها اللغوية مع بعضها البعض . وقد ظهر ذلك في عنوان الرواية وعتبتها الأولى ‘‘ بعض الذي دار بيننا ’’ , فتظهر فيه السمة الرومانسية الشاعرية ,  ( الأنا الرومانسة ) , ومن هنا تبدأ أول تقاطعات الشعر مع السرد . فالعنوان جاذب ومحفز , ويفتح شهية المتلقي لمعرفة ما الذي دار وكيف ومتى ؟  فهو عنوان تأويلي . وطالما أن هنالك البعض من ما دار فما خفي أعظم . فالعنوان هنا , يمثل العتبة المنفتحة على كل الأجناس الأدبية فهو يصلح كعنوان لديوان شعر , ولمجموعة قصصية , مسلسل تلفزيوني أو إذاعي . ونفس هذا العنوان يمثل جرأة الخطاب الذي بدأت الكاتبة السودانية بالتعبير به عن عاطفتها والتعبير عن قضاياها والتي تمثل قضايا المرأة السودانية عامة  ( الأنا المتمردة ) . وتظهر فيه بذلك الأنا الرومانسية للكاتبة كنوع من تأكيد سيرتها الإبداعية . بقوة لتأكيد الذات أو الأنا الكاتبة .

الأنا المكشوفة في رواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص:

 أما رواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص ووصفي ممل . وأول ما يطرحه هذا النص الروائي من أسئلة هو هل هي كتابة مغامرة بالأنا , أم هي مغامرة كتابة بضمير الأنا ؟ فقد غامرت بأن يكون الراوي عندها هو ضمير المتكلم والذي عاش حياته وأخذ يسردها للناس . وهي بذلك تعرض الأنا إلي امتحان المصداقية والمنطق عندما تتحدث عن نفسها , فالبطلة ( آمال محمود ) , هي التي تسرد سيرتها الذاتية بضمير المتكلم . في تداعي حر من غير رقيب أو حسيب أو متدخل من ما جعلها تدخل في دائرة ( مغامرة الكتابة الروائية ) , لأن الراوي بضمير الأنا قد يدخل في سؤال منطق الأحداث تماسكها وترابطها ومصداقيتها في الواقع الذي تسرده وتحكيه . والجانب الصعب الآخر من هذا الاختيار لراوي النص , هو مغامرة اللغة وتأتي من الصوت الواحد لأنا الراوي والتي يجب أن لا يكرر جملها وتعبيراتها الوصفية والسردية .

العنوان  والأنا الخفية في رواية غادة عبد العزيز ( ليتك تعلم ):

أما في رواية غادة عبد العزيز ( ليتك تعلم ) , فالعنوان في روايتها وهي أول رواية لها .  , يمثل تحفيزاً وجذباً للمتلقي . فهو في قمة رومانسيته . والتي تكشف الخطاب الروائي للكاتبة . فالمخاطب رجل , والعنوان يحيل إلي مضمون الرواية دون غطاء . ويفصح عن انكسار اللغة المؤنثة . فالمخاطب , لا يعلم , والعلم هنا تقصد به الكاتبة , ما هو مكنون في القلب , والذي تعجز اللغة , في التعبير عنه . وعدم العلم هنا , مقصود به قوة العاطفة التي تحملها الأنثى والمحجوبة لسبب ما . والعنوان محاولة من الكاتبة , لكي يكون أكثر رقة وأنوثة , ويلاءم  عاطفة المرأة , فالرجل يعبر عن حبه دون تقية , والمرأة ما تزال في ذلك , تتوارى خجلاً مع الاحتفاظ بكبريائها . ولعل بياض الغلاف المختار بعناية , له دلالته الذي يرمز للقلب الأبيض المفتوح .

السيرة المخفية والكاتبة الضمنية implied author

يقول الكثير من النقاد بأن النص الروائي الأول لأغلب الكاتبات غالباً ما يتضمن نذراً من سيرتها الذاتية , أو سيرة غيرها متماهية ومنفعلة ومدافعة ومتعاطفة معها . ولعل هذه الروايات الثلاث تمثل العمل الأول لكل واحدة منهن . فالسرد عند كل واحدة منهن يفتتح بفعل عائد الي الذات الساردة عن قرار الحكي والفعل معاً ويتضح أكثر بورود أفعال مباشرة منتسبة إلي الذات الساردة . الذات المتكلمة والفاعلة . وهي وضعية لا تخص فحسب المشهد الافتتاحي للنص وإنما تشكل الإيقاع العام للبناء السردي . وهذه الأنا تقلص المتخيل لصالح الواقع ويتحول المحكي والشخصية الحاكية إلي شخصية واقعية وغالباً ما تكون هي شخصية الكاتبة الحقيقية ويصير المحكى إلي السير ذاتي . ولعل هذه التقنية يطلق عليها التدفق الاتوبيوغرافي , لأنه يعتمد باستمرار على العودة للطفولة والنشأة والمراحل الدراسية لإعادة حكيها ومقارنتها بما هي فيه الآن . والآن قد يكون حزيناً ومؤلماً .

جرأة الأنا وهي تسرد خصوصيتها في رواية بعض الذي دار بيننا :

بدأت الكاتبة السودانية تكسر حاجز الخوف في الرواية السودانية , الخوف من المجتمع الذي يمثله الرجل , وأن تكتب حتى أحاسيسها الجسدية والنفسية . وما يطلق عليه مصطلح ‘‘ الكتابة النسائية المؤنثة ’’ l’écriture féministe féminine  , وهي الكتابة التي تكون موضوعها المرأة , قضاياها ومشاكلها . وبذا يمكن للرواية هنا أن تتأثر بعلم النفس , والاجتماع , والسيرة الذاتية أيضاً . وبطلة رواية ‘‘ بعض الذي دار بيننا ’’ , ‘‘ بسمة ’’ , تمثل نوعية موجودة في مجتمعاتنا تعاني الوحدة والجفاف العاطفي والقهر الجسدي من الرجل الزوج . وكانت مغامرة كتابة , أن تجعل الكاتبة آمنة الفضل , بطلتها تتحدث بضمير المتكلم , first person singular  . بحيث تتداعي البطلة حرة وتسرد جوانحها وعاطفتها . تسرد كيف كانت ضحية لزواج مبكر عانت فيه من قسوة زوج يكبرها سناً ولم يملأ فراغها العاطفي ورغبتها الجسدية . وفي يقالسردية الذاتية أكبر من الرؤية الموضوعية , وهو ما يميز الكتابة النسائية عن غيرها .

الأنا في الزمكانية الحقيقية للكاتبة في  رواية أنا الأخرى:

من يربيه والضائع من يأويه .  تقول البطلة في صفحة ( 48) : { عمتي غمرتني بفيض من حنان بعد وفاة والدتي , ودخول أبي في حالة من الصمت والذهول } . خاصة عندما تكون البطلة فتاة يمكن أن يبتلعها الشارع العريض إذا لم تجد من يحميها ويأويها .  وقد جعلت من المكان ( مدينة عطبرة ) , المأوى النفسي الكبير للبطلة . تقول البطلة في صفحة ( 38 ) : { جلست في مقعدي .. بالقرب من النافذة .. متى كانت آخر مرة سافرت فيها إلي عطبرة ؟ .. طال بي العهد .. حتى اعتقدت أنني نسيت أماكنا بعينها .. لكن ما اتخذت مقعدي .. حتى انفجر بركان من الحنين الغريب لتلك المدينة .. شلال من الذكريات غمرني .. طفولتي .. لعبي .. صداقاتي .. خيباتي .. أحزاني وأفراحي .. كل شيء .. حتى بدا لي أنني لم أبارحها يوماً } . فعطبرة هي المأوى النفسي للبطلة بحيث ساهم في تشكيل شخصيتها وتركيبتها الاجتماعية والنفسية . ولعل حنين البطلة لهذه المدينة وتأثيرها عليه امتد في كل فضاء النص . وشكل نغمة لحنية مكررة في تداعيات البطلة وذكرياتها . ومن ما جعل المكان بطلا في الرواية . وقد نشأت في مدينة عطبرة وتربت فيها , وأصبح حلمها وفارسها أن يكون من هذه المدينة . فالرجل الذي خطبها من عطبرة , والذي أحبته حقيقة هو منها أيضاً , فقد اكتشفت المكان داخله فانجذبت حقيقة إليه .

كانت الأنا الأخرى , هي التي استوعبت السرد السيرذاتي , فأصبحت أنا مبشرة , وكاشفة , وشبه ملهمة , فقد دفنت توأمتها التي ماتت صغيرة ودفنت في عطبرة كانت تتقمص روحها وتعتبر نفسها ملهمة وترى ما لا يراه الآخرون . وهذه البطلة بتداعياتها وحبها للمكان , وكشوفاتها الروحية أصبحت شخصية فريدة ومميزة عند القارئ . ولقد كانت تربية أب مثقف وذو تجربة نضالية عمالية قوية , وكان زوجاً مخلصاً لزوجته والتي أصابته وفاتها بالاكتئاب. ولا شك بأن مدينة عطبرة هي مدينة النشأة للكاتبة ناهد قرناص .

المراجع

  1.  رواية أنا الأخرى –  ناهد قرناص
  2. 2-   رواية ليتك تعلم –  غادة عبد العزيز خالد
  3. 3-   رواية بعض الذي دار بيننا –  لآمنة الفضل
  4. 4-   المرأة واللغة – الدكتور عبد الله الغذامي
  5. 5-   السرد النسائي العربي –  مقاربة في المفهوم والخطاب – زهور كرامة
  6. 6-   سرد المرأة وفعل الكتابة – دراسة نقدية في السرد وآليات البناء – الدكتور الأخضر بن السائح .
  7. 7-   مجلة فصول المصرية 2017م – السرد النسوي
  8. خصوصية السرد النسائي السوداني – زينب بليل نموذجا – عز الدين ميرغني – كتاب تحت الطبع
  9. 9-   تيار الوعي في الرواية الحديثة – روبرت همفري – ترجمة محمود الربيعي .
  10. الرواية الجديدة – ألان روب جرييه

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا