النخبة السودانية وإدمان الفشل كتاب ظللت اهرب من قراءته..شعور بالخوف من المعرفة لم أعرف مثله من قبل ؛ كلما أقبلت على الكتاب لاتصفحه وليت عنه وتركته جانبا وفضلت أن أقلب وجهي في سماء السراد الذين يطوفون بنا بعيدا عن الواقع على أن اطلع على الحقائق التي شهد عليها ودونها المفكر والسياسي السوداني الكبير الدكتور منصور خالد .
وبطبيعة الحال في قراءتي لهذا الكتاب لم أتبنى وجهة نظر كاتبه على تقديري الشخصي له ولما سمعته منه وعنه منذ أن كنت طالبة بالجامعة وكان بعض أصدقائي المقربين هم من المؤيدين للدكتور منصور خالد والملتفين حول رويته .
عنوان الكتاب يفرض على المطلع عليه العديد من التساؤلات؟؟؟
هل حقا النخب السودانية فاشلة؟
وأي فشل هذا الذي يعنيه خالد لنخبة هي واحدة من أفضل النخب العربية والإفريقية ثقافة وعلما ومعرفة ومشهود لها بالسبق في الكثير من الميادين الحضارية المعاصرة علاوة على ماتتمتع به الشخصية السودانية من ميزات وخصائص قل ان تجدها في غيرها ؟
وماهي الأسباب التي تجعل نخبة بلد سكانه 40 مليون نسمة تقريبا فاشلة؟ فالنخبة لوحدها قد تساوي10 ملايين او يزيدهذا اذا ماحسبنا كل متعلم نخبة وكل رواي و شاعر ومثقف لم يجد حظه في الإعلام والبرلمان والمنابر نخبة؟
و العنوان يصور لك أو يوحي بأنه يتحدث عن الفشل وماكان ينبغي أن يكون و يبدو وكأنه عنوانا سوقيا وبمجرد أن يبدأ القارئ رحلته في تمحيص وتفحيص صفحات الكتاب يجد نفسه أمام حدث كتابي عملاق وأن محتوى الكتاب أكبر من هذا العنوان بكثير ففي هذا الكتاب انت تقرأ نقد سياسي عميق ينم عن ناقد متبحر في هذا الشأن وله خبرات طويلة في ممارسة العمل السياسي والثقافي والدبلوماسي والقانوني؛ فقد تحدث باستفاضة عن الدستور والحقوق الأساسية فيه وواقع السودان الإثني وأيضا يجد القارئ من الأدب ما يخفف وطأة القراءة في الدستور والخلافات الايدولوجية ؛ فتجد المتنبي وتقرأ عن أمية إبن أبي الصلت وصولا الى درويش ونزار والكثير من الحكم والامثال واقوال العرب المأثورة إضافة الى الاحاديث الشريفة والآيات القرآنية التي يدلل بها في كثير من المواضع. وتقرأ عن قادة الأحزاب من أقصى اليسار الشفيع أحمد الشيخ مثالا إلى اقصى اليمين دكتور عبد الله حسن الترابي نموزجا… الخ هذا غير ان هذا الكتاب في أساسه يؤرخ لمراحل الحكم في السودان منذ 1968الى حقبة الإنقاذ الوطني .
قسم الكتاب إلى جزيئن الجزء الأول يقع على 687 صفحىة والجزء الثاني يقع على 509 صدرت هذه الأجزاء في 1993 أي في بدايات حكم الإنقاذ
الجزء الأول من المؤلف قسم إلى بابين الباب الاول يتحدث عن الحقبة الإكتوبرية والباب الثاني يتحدث عن الحقبة المايوية.
الحقبة الاكتوبرية :
قسم الدكتور منصور خالد هذا الباب على ثمانية فصول ناقش في كل فصل عدد من الموضوعات القضايا السودانية الهامة فجاء الفصل الأول بعنوان مأذق السودان بين الشعارات وذوي المشاغب
الفصل الثاني بعنوان القطيعة بين الخطاب السياسي والواقع
والفصل الثالث بعنوان : ثورة إكتوبر وإعادة هيكلة المجتمع
الفصل الرابع أزمة الحكم …. الإهلاك والإنهاك السياسي ..
الفصل الخامس : الصراع الصليبي والقضايا التي لا تسلس العرجاء صراع النقابات
الفصل السادس : جذور الدستور السوداني يضم عدد من العناوين الجانبية منها
أحزاب السودان والخواء الفكري :
ودستور السودان واصوله الإستعمارية ..
الفصل السابع : بذات عنوان الفصل السادس ناقش فيه :
الواقع السوداني الإثني والإنصهار القومي والتجربة الهندية واستقلال السودان والوفاق المظهري
- والفصل الثامن والأخير من الباب الأول أيضا كان بنفس العنوان ناقش فيه عدد من الموضوعات منها:
- 1986عام الهرج والمرج
- واقع السياسة السودانية والمدائح النبوية العطرة
- قضايا على هامش الهامش
سنحاول أن نسلط الضوء على بعض هذه الفصول ونعلق على بعضها ونترك للقارئ فرصة الإطلاع على الموضوعات والقضايا التي لم نتمكن من طرحها سواء لضيق الوقت أو لترتيب الأولويات من القضايا الهامة التي تعتبر موضوعات الساعة في هذه الأيام .
منذ الوهلة الأولى يأخذك منصور خالد بلغته الساحرة وأفقه الواسع والمعرفة الجمة التي يتمتع بها ؛ فيحدثك عن أهم القضايا المحورية من وجهة نظره و هما قضيتان أساسيتان أولهما :
الوحدة الوطنية
وثانيهما التنمية
ان كانت هنالك قضية ثالثة لهاتين القضتين فهي الديمقراطية ولديه تحفظات كبيرة على مصطلح الديمقراطية
ناقش خالد الشعارات المطروحة في الساحة السياسية السودانية من إشتراكية ولبرالية ووحدوية …الخ التي يزعم أصحابها أنها أفضل آلية لنقل السودان ليكون في مصاف الدول المتقدمة ويرى منصور خالد ان المشكل الحقيقي الذي يواجه افريقيا والسودان ليس هو مشكل الإنتقال الحضاري إلى آفاق القرن الواحد والعشرين وانما هو مشكل البقاء
ويقول:
الشعارات لن تفيد أمام أمم التحدي الوجودي وأن الشعار لا يغني عن القرار
وأنه (لا توجد ارض الا ووطئتها خف وحافر ففي تجارب البشرية مانستهتدي به ايان كان الخيار )
((لقد ظل أهل السودان خلال نصف قرن من الزمان يحذون السير في لهاث متعثر نحو غاية لا تنال ؛ نصف قرن من الزمان ظل فيها سفيننا مزعزع الأركان يبحر في محيط ملاطم الأمواج نحو مرفأ لا يطال … هكذا بدأ الدكتور منصور خالد حديثه في توطئته لمقدمة كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل وإنتقد في هذه التوطئة تقاتل وتناحر القوى السياسية على المغانم السياسية وشن الحروب من أجل تحقيق الدوافع الذاتية باستخدام الشعارات التي يصفها بان اغلبها اصبح مبتذلا وأأن مبادئهم التي أصبحت بلاقيمه
قدم دراسة تحليلية للواقع السياسي الذي عايشه وكان شاهد عليه مع استدعاء الماضي مقارنة وتحليلا مستشرفا منه المستقبل بحلول موضوعية ومنطقة في معظمها ونتمنى ان تجد حظها في التنفيذ ؟
تساءل خالد عدد من الأسئلة التي اجاب عليها مسترسلا في صفحات الكتاب مثل مالذي يعنينيه بعضنا بعروبة السودان ؟ ومالذي يعينه بعضنا بزنوجة السودان ومالذي يعينيه من يتحدث عن الأقليات بتعبير الأقليات هذه ؟
ومالذي يعينه من يهتف ويقول لن يحكمنا البنك الدولي ؟ وما مضمون هذا الشعار ماهي نتائجه ثم ماهي انعكاسات هذا الشعار على حياتنا اليومية ؟
في حديثه عن المصطلحات تناول مفهوم الرجعية والراديكالية ؛ يقول أن المحافظة ليست رديفا للرجعية ؛وإن كان نقيض التقدمية هو الرجعية فإن نقيض المحافظة هو الراديكالية ..ويرى خالد أن ليست كل راديكالية عمل تقدمي .
كما أسلفنا في مقدمة هذا المقال أن المطلع على هذا الكتاب يجد فيه حديثا مفيدا عن العديد من العلوم ؛ فقد تطرق الكاتب لعلم التجويد وعلوم اللغة وعلم المصطلحات وإن لم يطرح هذ الأخير كعلم وإنما حلل وناقش إشكاليات العديد من المصطلحات المتدوالة في الساحة الثقافية والسياسية العربية وقدم نقدا موضوعيا مستندا على المعاجم العربية في أصول وجذور معاني هذه المصطلحات ومما لا مراء فيه ان ازمة المصطلحات أدت الى تفتق الكثير من المشكلات الأدبية والإجتماعية والثقافية علاوة على تعقيد المشهد السياسي وتعميق الهوة بين النخب وعامة الشعب مما حال دون إرساء دعائم التنمية إذ أن التنمية الحقيقة لا تتم إلا بأيدي الشعب فإذا لم يفهم الشعب ويؤمن بما يجب ان يقوم به يصبح كل ما تقدمه النخبة هو عبارة عن نفخ في قربة مقدودة ؛ فمن المصطلحات التي حاول خالد معالجتها ( الثورة ؛ الديمقراطية ؛ الليبرالية ؛ الإشتراكية ؛ التقدمية ؛ الرجعية ….الخ ) كما تحدث عن الغوغائية ؛الماركسية ؛الوحدوية والثورة المضادة وغيرها من المصطلحات المستخدمة في الساحة السياسية التي سنتعرف عليها في الجزء الثاني من هذا المقال مع التعليق على رؤية منصور خالد حول القضايا المحورية للشعب السوداني المتمثلة في قضيتي (الوحد ـــ التنمية ) حسب وجهة نظره
يتبع …






