
د/ إيمان التميمي
كانت فرحتي كبيرة عندما تم الاتفاق على الذهاب الى الاهوار ذلك المكان السياحي الذي طالما ذكرته عندما ادرس طلبتي موضوع الاهوار ، كنت جدا متشوقة لأرى ذلك المكان يكل تفاصيله ، خاصة انه داخل بلدي الحبيب العراق ،ولأنني زرت العديد من الاماكن السياحية خارج البلاد كالبحر الابيض المتوسط وبحر قزوين ونهر النيل ،فكنت دائما اقول مع نفسي من المعيب ان ازور هذه الاماكن خارج البلاد ولم ازور وارى ما في داخل بلادي ،ولذلك كنت سعيدة سعادة لا توصف بهذه الرحلة ،التي استمرت يوما واحدا فقط وكان يصحبني فيها كادر المدرسة التي اعمل بها لأنها كانت من تنظيمهم ،لكنني اصطحبت معي افراد اسرتي الحبيبة ،لانهم حضورهم كان من ضمن سعادتي
،وعلى الرغم من انني اعتدت قبل كل سفرة ان اقوم بجولة خلال اليوتيوب او الكوكل للاطلاع على معالم المكان واخذ فكرة عنه ،الا انني هذه المرة لم اقم بهذه الجولة وآثرت ان تكون مفاجئة لي على الطبيعة .
ابتدأت الرحلة فجرا ،وعلى طبيعتي اخذت بعض الاشياء الضرورية كمستلزمات ضرورية لكل رحلة من طعام وشراب وماء وغيرها ، وانطلقنا باتجاه الطريق المؤدي الى الهور بعد ان اكتمل العدد في السيارة التي تم استأجارها من قبلنا جميعا .
فكان طريقا طويلا لكنه كان جميلا لأنني بصحبة الاهل والاصدقاء استمر الطريق لمدة ثلاث ساعات لم نشعر بها بحر الصيف ،وكان اتجاهنا نحو طريق الديوانية احدى محافظات العراق الجنوبية فهذا الهور هو مسطح مائي يقع بين محافظتي الكوت شرقا والديوانية غربا وعلى بعد 180 كم جنوب العاصمة بغداد في قضاء عفك ويطلق عليه احيانا هور عفك ، مر وقت الوصول سريعا فقد مررنا بطريق صحراوي طويل وطرق ملتوية لا يعرفها الا اهل المنطقة على الرغم من استعمال الجي بي اس الا اننا اصطحبنا معنا دليل سياحي من المنطقة لما وصلنا الى بداية ذلك الطريق الصحراوي الملتوي الوعر ،وكان خير دليل وفي قمة الذوق والاخلاق ولعلمه بالمنطقة وتفاصيلها فقد اصطحب معه بعض المستلزمات للرحلة .
ولما وصلنا الى بداية الاهوار ذهلت من سعة المكان وعظمة جماله التي لا توصف ، قليل ان اقول انها بقعة من جنان بلاد الرافدين العظيمة ،بلاد سومر واشور ، وبابل ومكان ينبض بالحياة ، فقد كانت مساحته كبيرة تبلغ مائة وعشرون الف دونم وعرضه خمسون دونما ،وتقع حول محيط الهور مناطق اثرية كثيرة جدا اشهرها مدينة نيبور الاثرية والهور نفسه كان ايضا من المواقع الاثرية في السابق لكن غمرته المياه ،لكنه يعتبر من مصادر صيد الاسماك في جنوب العراق ،فضلا عن صفاء مياهه الزرقاء وجود نبات القصب والبردي الذي انتشر بكثرة وكثافة قرب حافة الهور ،وغيرها من النباتات المائية الاخرى .
ان من المفيد ان اذكر ان هذا الهور يرتزق منه ما يقارب 2000 عائلة تعتاش على صيد السمك ،حيث تكثر فيه الثروة السمكية وتتنوع والتي قد تصل الى سبعة عشر نوعا اشهرها البني والشانك والزوري ،ويشتهر بوجود الكثير من انواع الطيور المستوطنة التي تعيش على الاسماك واشهر هذه الطيور هو طير الحباري النادر الوجود الذي لم تشهده اي منطقة من مناطق الاهوار الاخرى في العراق وجوده ، وكذلك وفادة الكثير من انواع الطيور المهاجرة من قارات العالم الثلاث والتي تزيد عن سبعة عشر نوعا ،بيد اننا لاحظنا وجود الكثير من الطيور الجميلة تحلق فوق مياه الهور الصافية ،ووجود الكثير من انواع الحيوانات مثل الجاموس والاغنام والحيوانات البرية والذئاب والقطط والافاعي ،ورغم ازعاج الكائنات الصغيرة من الحشرات التي توجد بكثرة كالبق ،الا اننا لم نتعرض لأذاه الذي يصيب السكان في المنطقة لا نه يزداد في الليل ،وقد تمتعت المنطقة بشهرة كبيرة وحضور الوفود والسياح اليها في اوقات معينة من السنة من مختلف بلاد العالم من اسيا وافريقيا و اوروبا ، وقد اعتاد السكان على تلك المعيشة والحياة البسيطة البعيدة عن ضوضاء المدينة وصخبها .

يتم تغذية هذا الهور بالمياه من مياه المصب العام الواقع بين نهري دجلة والفرات الخالدين ،كونه ليس من الاهوار الطبيعية انشأ كجزء من منظومة تشغيل المصب العام ،ولغرض استخدامه كخزان ماء وقتي لتخفيف الضغط عن المصب العام ،وقد انشأت سدة ترابية عالية على جانب الهور لتقي القرى المقابلة ارتفاع منسوب مياه الهور يسبق هذا المرتفع الترابي طريق مبلط لسير السيارات الوافدة على طول الهور ،الجميل والمميز في هذه الرحلة فضلا عن وجود الاهل والاصدقاء كل استمتع بالمكان بطريقته الخاصة من خلال الجلوس في بيوت الصيادين البسيطة التي صنعت من البردي وسقفت بالقماش فقط لتكون استراحة لهم وقت الصيد ،او تناول الغذاء البسيط الذي يحمله الصيادون معهم من بيوتهم ،والتي انتشرت بين نباتا القصب والبردي واخر اتجه للنزول الى مياه الهور المنعشة الباردة للاستمتاع بها ، والجميل جدا والمميز في هذه الرحلة هو صعودنا الى المراكب التي كانت تسمى المشاحيف او المشحوف، او ما يسميها البعض الشختور، والتي كانت تصنع من اخشاب الاشجار الكبيرة وتطلى من الاسفل بالقار وتعمل بالمجاذيف اليدوية ،اي تعتمد على القدرة البدنية للأشخاص ،والتي تستعمل للصيد ونقل الاشخاص من مكان الى اخر داخل الهور ، ومع التطور التكنولوجي في العصر الحديث ، اصبحت تصنع من الحديد وادخلت عليها الماطورات التي تسير بالبنزين لزيادة سرعتها داخل الماء ،وكان لنا نصيب بركوب هذه الماطورات والتجول داخل مياه الاهوار ولمسافة طويلة ،فقد شاهدنا خلال هذه الرحلة البسيطة التي استمرت اقل من الساعة انواع من الطيور الطائرة الجميلة وطيور الماء ،فضلا عن وجود شباك الصيادين التي انتشرت هنا وهناك علها تخرج بصيد وفير ،وربما لا يحالفهم الحظ بذلك الصيد، وفي نهاية المطاف اتجهنا الى المضيف لتناول طعام الغداء فكان المضيف كبيرا في مساحته ،جميلا بكل تفاصيله من الداخل فقد صنع من القصب والبردي بصورة متقنه واحيطت جدرانه الخارجية بالتغليف الذي يمنع دخول الحشرات اليه ليلا ،كما انه جمع بين التراث العراقي القديم من وجود دلال القهوة واباريق الشاي وملحقاتها التي اشتهر بها اصحاب هذه المضايف ،ولاحظنا وجود العديد من التحف القديمة المعلقة على دار المضيف القصبي كالسيوف، وبنادق الصيد ،فضلا عن مزجها بالحديث كالتلفزيون والستلايت وجهاز بث الانترنت ، لا اصف لكم المتعة التي احس بها الجميع بعد انتهاء فترة الغداء وانتهاء الرحلة عدنا الى بغدادنا الحبيبة سالكين نفس الطريق مستمتعين بما خلق الله لنا من نعمة شاكرين فضله علينا .







