بقلم الدكتورة: ايمان التميمي / العراق

عرف  هذا الجامع باسم الجامع السيفي التنكزي، بناه سيف الدين تنكز الناصري نائب السلطنة في دمشق عام( 717هـ /1318م)، ولابد لنا من التعرف على باني هذ الصرح المعماري والديني العظيم ، فكلمة تنكز كلمة تركية تعني البحر ، وصل هذا الامير المملوكي  الى دمشق في عصر السلطان الناصر محمد  بن قلاوون وكان احد مماليكه وحمل لقب المنصوري نسبة اليه  ، بعد ان تمكن من النيابة وعظم شأنه ،ولم يزل يترقى في المناصب حتى اصبح المقر العالي الاميري ،فقد استمر على نيابة دمشق ثلاثون عاما ، ولقب بالاتابكي و القائدي والقاب كثيرة تدل على السلطة وعلو المقام ، فضلا عن الاعمال العسكرية عرف باعماله العمرانية والمعمارية العديدة والخيرية فعمر تربة لزوجته ودار القرآن والحديث وجدد مدارس ومساجد وابنية عديدة ،وعمر على بابه سقاية وجدد القنوات في دمشق ووسع الطرق ، وبنى هذا المسجد في دمشق والتربة كي يدفن بها. 

يقع الجامع في منطقة الشرف الأعلى، باتجاه سوق الحميدية ظاهر باب النصر تجاه حكر السماق على نهر بانياس بدمشق، والى الغرب منه  تقع التكية المولوية ومبنى سكة الحجاز ، ويجاوره من الشرق القصر العدلي ، ويروى ان بناءه استغرق ما يقارب السنة وثمانية اشهر فقط، وتقدر مساحة الجامع القديمة بنحو ثلاثة آلاف متر مربع تقريبًا، وكان نهر بانياس يعبر وسط الصحن  كي يتوضأ منه المصلين ، كما كان به ناعورتان وبركة مربعة، تردد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، الى ان استقر الحال في أمرها على ما قاله تقي الدين بن تيمية ، فشرعوا في بنائه، فلما اكتمل بناء الجامع، أقيمت  فيه اول صلاة جمعة كانت الخطبة فيها يومها للشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفقجازي، وحضر الصلاة نائب السلطنة نفسه والقضاة والأعيان والقراء والمنشدون وكان يوما مشهودا.

عرف عن الجامع  انه بني على انقاض كنيسة نيقولا القديمة التي اخذت قبل عام 500 للهجرة وحولت مسجدا، وبقي المسجد على حاله إلى ان بنى نائب السلطنة سيف الدين تنكز الجامع الرئيسي فوقه،  وتم اعادة تجديد بناء الجامع عام( 795 هـ / 1396م ) من قبل سيف الدين منكلي بغا بعد ان اصبح المسجد رث الهيئة وتقادم وهجره الناس ،واصبح لا يدخله احد ،بيد ان بعض المصادر التاريخية تذكر ان من اعاد تعميره في هذا التاريخ هو صلاح الدين بن محمد بن تنكز وليس منكلي بغا ، ما يهمنا انه تمت توسعته ورفع له سقف جديد، وبني له صرحة شمالية مبلطة، وعدة اروقة على هيئة الجوامع، وتم إنشاء رواق كبير له جناحان شرقي وغربي، وزين بأعمدة وقناطر فعاد افضل مما كان عليه .

في عام (1247هـ/ 1831م ) حوله إبراهيم باشا بن محمد علي باشا إلى ثكنة عسكرية اثناء حملته على بلاد الشام، واستمر على ذلك العثمانيون من بعد ان استعادوا الشام، ولما جاء الفرنسيون تحول الجامع  إلى مدرسة حربية حتى عام(1356هـ/1937م).

 تعرض المسجد للاحتراق والمحن فقد احرقه الفرنسيون عام 1945م ، حيث قصف بالمدافع وهدم وتم تجديده فيما بعد حيث قام المهندس الفرنسي «إيكوشار» بوضع تصاميم جديدة له، وفي عام 1951 م  قامت إدارة الأوقاف  بهدم واجهة المسجد بعدها اكملت هدم المسجد كله، وأقامت مكانه محال تجارية،  ثم اقيم فوقها مسجد بني من الاسمنت والحجر الأبيض، إلا ان الأوقاف أبقت المئذنة المملوكية القديمة التي تقع في الجهة الشمالية ،وهي مئذنة عالية تعد من أروع المآذن إتقاناً وبساطة، كما ابقت المحراب ومدفن تنكز، واقتطعت مساحة من صحن المسجد الشمالي، بني بها مدرسة شرعية للبنات.

 للجامع جبهة حجرية طويلة فيها اربعة ابواب اثنان منها يؤديان الى الجهة القبلية واثنان يؤديان إلى الصحن الذي يحوي بركة ماء تجري فيه مياه نهر بانياس ، كما ان للمسجد منارة أثرية مملوكية الطراز تتوضح في الجهة الشرقية الشمالية وتطل على ساحة الشهداء ، وقد قامت دائرة الأوقاف الاسلامية بتجديدها بمعرفة مصلحة الآثار سنة 1361هجرية و التي تعتبر من اروع المآذن الاسلامية كما ذكرنا ، فقد توجت هذه  المأذنة بعمود مضلع مغطى بالواح الرصاص ، كما تألفت من قاعدة صومعية مرتفعة على الطراز الدمشقي القديم يشبه مأذنة العروس في الجامع الاموي يعلو جذعها مثمن مملوكي تتخلله محاريب على جوانبها اعمدة صغيرة حلزونية او محززة ،كما ترى على جذع المأذنة كتابات ونقوش وفيها نوافذ وفوق المأذنة شرفة تزينها عدة مقرنصات كما زينت هذه المقرنصات نفسها بوابتي الجامع وهما مع المئذنة من البقايا الاصلية للجامع المملوكي.

ومن المفيد القول ان تربة الأمير ” تنكز” تقع في مدخل الجامع الشرقية ، وهي مغطاة بقبة تعلو على رقبة لها طبقتين، السفلى مثمنة والطبقة العليا لها ستة عشر ضلعاً، تشكل آيةً من آيات الفن المعماري الإسلامي العريق، وهذه التربة اقرب ما تكون الى نماذج الاضرحة الايوبية التي تغطى بقبب.

اما محراب المسجد فهو مصنوع من الحجر وكذلك المنبر، وفوق مكان وقوف  الخطيب توجد قبة صغيرة، وفي الجهتين الشرقية والغربية غرف أرضية وعلوية، وفي الجامع عشرون نافذة ، والناعورتان الخشبيتان الموجودتان تملآن وتفرغان إلى حوضين من الأشجار فيها من انواع الزهور والنباتات الزكية الرائحة داخل صحن الجامع، وبذلك يكون الجامع قد جمع بين حسن البناء وطيب الرائحة .

ولابد من الاشارة الى ان بلاط الجامع عمل من الحجر واحيط صحن الجامع الفسيح بصومعة استندت اقواسها الى اعمدة رخامية تم جلبها من الكنيسة القديمة والتي جمعت بين روعة البناء والفن ،فضلا عن موقع الصحن الذي كان نقطة تجهيز قوافل الحج بالمياه .

ومما يدلل على حسن البناء وروعة فن العمارة في هذا المسجد كتب عنه الادباء و تغنى به الشعراء وكتبوا عنه، فقد وصفه البدري لما زاره في القرن التاسع الهجري وصفا يقرب من الخيال، ليبين مدى جماله وروعة بناءه ،الذي بقي محافظا عليه حتى القرن الثالث عشر .

ولعل من اجمل ما قرات عنه ما كتبه احد الشعراء الذي يبدو انه يحاكي الجامع فقال :

    وافيت جامع تنكز فوجدته                     متفردا بين الرياض وحيداً

فسالته لم صرت وحدك ههنا فاجابني            لما جمعت الحسن صرت فريدا .

المصادر

  1. ابن كثير البداية والنهاية ،ج14.
  2. البدري، نزهة الانام في محاسن الشام ،

العلبي ،اكرم ،خطط دمشق دراسة تاريخية شاملة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا