زمن النزوح (5)

د/ناهد قرناص

(إذْ انسى لا أنسى )

تِلكَ المرأةُ التي كانت تجلسُ بجانبِ النافذةِ مُتَّخذةً من المقاعدِ المُحاذِيةِ لي موقعا في ذلك البصُّ العجيب، الذي أقَلَّنا من مدني مُتَّجهاً إلى كسلا في اليوم الحادي عشر للحرب. كان بصَّاً عتيقاً، مقاعده قديمة مهترئة، الستائر متسخة ومُمزَّقة، لكن ويا للعجب.. كانَ البصُّ مُكيَّفاً ، والتكيِّيف يعملُ بامتياز . سُبحانك اللّهم لطيفٌ بعباده؛ إذْ لَولا التكيّيفُ لَمَا استَطَعنا احتمالَ ذلكَ التَّكَدس البشري. إكتملتِ المقاعدُ والممراتُ جلوساً، لكنّ ذلك لم يُشبع طمعَ السائق ومساعده، حتَّى صاحَ فيهِم أحدُ الرجالِ من المقاعدِ الخلفية:

(حرام عليكم ،ما تبقوا إنتوا والحرب علينا)

توقعتُ أن يَرُدَّ السائق، لكنهُ انشغلَ بِوضع ِ(السفَّة) باتقانٍ داخلَ فمه، وبدأَ في قيادة البصٍّ المُتَرنِّحِ من كثرةِ الحمولة.
لماذا حكيتُ هذا ؟ ..أها ..كنتُ أودُّ الحكايةَ عن جارتي في تلك الرحلة. كانت تحملُ طفلاً رضيعاً تَدُسُّه تحتَ ثوبِها، بينما تقِفُ طفلةٌ صغيرةٌ بين قدميّها. أمَّا الإبنُ فهو يجلسُ على الأرضيّةِ بين قدَمَي والده، يبدو عليه الضِيقُ من كِرش أبيهِ التي تحجبُ عنه نسَمَاتِ المُكيِّفِ القليلة التي تتبقَّى بعد أن تتخاطفها الرؤوس. كانتِ المرأةُ تلتفِتُ كُلَّ حِينٍ وتنظرُ إلى زوجِها نظرةً حانِقةً ، ومن ثَمَّ تَتنهَّدُ بصوتٍ مسموع، وتُتابعُ النظَرَ من النافذة.

الرحلةُ كانت في مُجملِها يسُودُها الصمتُ على غَيرِ العادة ..قاتَلَ اللهُ الحربَ؛ لولا ذلكَ لتَشَتَّتَ أُذني بين قصصِ وحكاياتِ الرُّكابِ، لكنَّ صوتاً شَقَّ الصمت

(وصلنا خشم القربة ؟)

رَدَّ عليه أكثر من شخص ..خشم القربة لا تزالُ بعيدة ..الفاو ما وصلناها .

أعودُ الى الجارة الحانِقة، مع مرورِ الوقتِ زادَ غيظُها؛ ذلكَ أنّ زوجَهَا كان نائماً مُنذُ بدايةِ الرحلةِ، متدلِّيا رأسهُ على صَدرِه. صارَ بمُرورِ الوقتِ يُصدرُ شخيراً مُزعجاً؛ مِمَّا جعَلَهُ الصَّوتَ الوحيد المستمر خلال الرحلة، تتَخَلَّلُهُ تساؤلات (زول خشم القربة ) ..لِسّه ما وِصلنا ؟

قَرَّرتُ أن أتدخّلَ (قَدرَ قُدرتي )،فَالتَفَتُّ إلى (زول خشم القربة ) وقُلتُ له إنّ خشم القربة مقصدي أنا وابنَتي ..لذلك سنُخطرهُ ما إن يُغادرُ البصَّ محطَّةَ (الشُّواك) ..أومَأَ لي سعيداً، لكِنَّني فتَحتُ باباً صَعُبَ مِن بعدُ إغلاقُهُ؛ إذ صارَ يسألُني على رأسِ نِصفِ السَّاعةِ كنشرةِ أخبارِ الجزيرة (يا أُخت ما وصلنا خشم القربة؟ عليك الله ما تنسي تناديني).

إستمرَّ البَصُّ في تَهاديهِ، وصديقُنا في شخيرهِ، والزوجةُ في حَنَقِها الذي جعل نظراتَهَا تَطولُ لزوجِها سليلِ أهلِ الكهف. فجأةً قالتِ الطفلةُ (أُمِّي ..عايزة بسكويت ) ..قالتِ الأُمُّ بصوتٍ تعَمَّدتْ أنْ يكونَ مُرتفعاً بعضَ الشَّيئْ ..(البسكويت عندأبوك النايم دا ..)..لم يتحرك صديقُنا ، بل ارتفع شخيره أكثر.أعادت البنتُ طلَبَها..مَرَّةً وأُخرى، وإذ بالمرأةِ تَلكِزهُ لكزَةً حادَّةً انتَفضَ منها الرجُل (في شنو يا وليّة؟ ) .

(تولول ما تسكُت ..النوم العليك شنو ؟.. الناس دي كلها صاحية من الهَم ما قادرة تنوم ..تنوم يا يُمَّة نومة جدي بركة الله ..قوم أدي البِت دي بسكويت خليها تسكُت ..السَّكتة القلبية ان شاء الله ) واستمرت المرأةُ (بالمداعاة ) ..حتَّى قُلنا ليّتَهَا سَكَتت، لكنها توقفتْ فجأةً فيما يبدو لالتقاطِ أنفاسِها، فانتَهَزَ صديقُنا الفرصةَ ليسأل (دي خشم القربة ؟).

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا