المدرسة الصالحية اطلال باقية تصارع الزمن:
بقلم: الدكتورة ايمان التميمي:
تعتبر المدرسة الصالحية من اشهر مباني القاهرة الاثرية، وقد سميت نسبة الى مؤسسها الملك الصالح نجم الدين ايوب بن الملك الكامل محمد بن العادل ابي بكر بن ايوب الملقب ابي الفتوح ،سابع سلاطين الدولة الأيوبية في مصر ، المولود بالقاهرة سنة (603هـ /1204م) ،ويعتبر مؤسس المماليك البحرية بمصر ،الذي دخل في صراعات مع ملوك الصليبين ، والملوك الايوبيين في الشام ،وفي آخر سنة من حكمه تعرضت مصر لحملة صليبية عرفت بالحملة السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا ،لكنه توفي خلال هذه الحملة واثناء تقدمهم لاحتلال مدينة دمياط سنة(647هـ / 1249م)، بعد ان خلفته زوجته شجر الدر على حكم مصر ،وكان النصر للمماليك فيها بعد ان اخفت خبر موته عن الجند ،بغية ان لا تهبط عزيمتهم اثناء المعركة ،ولا يستسلموا في الدفاع عنها .
تقع هذه المدرسة بموقع مميز من شارع المعز لدين الله الفاطمي ، بحي النحاسين بمنطقة بين القصرين ، وهذه المدرسة من اجمل ما قام به الملك الصالح من بناء، فقد كان يحب العمارة ويشرف على عمليات البناء ويصمم العمائر بنفسه، وقد شيد بمصر مالم يشيد بها احد من ملوك بني ايوب ،وقد تم تشييد هذه المدرسة سنة(639هـ /1240م)،واكتمل بنائها سنة (641هـ / 1243 م) ،وكان يُدرس فيها الفقه للمذاهب الاربعة بدلاً من المذهب الشيعي الذي كان يُدرسه الفاطميون في مدارسهم من قبل ، وتعد الاولى من نوعها لتدريس مذاهب اهل السنة في مصر، واول مدرسة جمعت تدريس تلك المذاهب معا في مكان واحد واصبح هذا الجمع حكرا على المدرسة الصالحية .
اقيمت هذه المدرسة على المساحة التي كان يشغلها القصر الفاطمي الكبير ،وقد تكونت هذه المدرسة من قسمين ،يقع احدهما في حارة الصالحية ،كما ادخل في بناءها باب القصر المعروف بباب الزهومة* ،لكن بقيت للمدرسة واجهة واحدة هي المطلة على شارع المعز ،وانقسمت تلك الواجهة الى قسمين ايمن وايسر ،الايسر طوله حوالي ثمانية وثلاثون مترا ،في حين يتكون من تسعة حنايا رأسية ،ويشغل الجزء السفلي منها تسعة شبابيك مستطيلة يعلوها عقود ،اما القسم الايمن يبلغ طوله حوالي ثلاث وعشرون مترا ونصف وبه ثمانية حنايا وشبابيك مماثلة للقسم الايسر .
احتوت المدرسة على اربعة أواوين لتدريس مذاهب اهل السُنة الاربعة ، والايوان هو قاعة مسقوفة بثلاث جهات بينما الجهة الرابعة تكون مفتوحة للهواء ،واختص كل ايوان بجلوس احد مدرسي هذه المذاهب ، وسميَ الايوان باسمه وكان كل ايوانين متقابلين، ومثلما كانت فكرة جمع المذاهب في مكان واحد جديدة ،كانت فكرة الاواوين المتقابلة ايضا جديدة ،وهذه الاواوين بينهما فناء ،وبجوار الايوان الغربي منها ضريح ملحق بالمدرسة هو مدفن للملك الراحل الذي انشأ المدرسة ، والناظر الى تخطيط المدرسة يلاحظ مدرستين متماثلتين لهما مدخل واحد وواجهة مشتركة ، وهذا المدخل يؤدي الى ممر فتح على جانبيه بابان متقابلان ،واشتمل هذان الجانبان على ايوانين بينهما فناء مكشوف ، يؤدي الشرقي منها الى ايواني المذهبين الحنبلي والحنفي ، ومن الطبيعي ان يكون الايوانين المقابلين للمالكية والشافعية ،
وتميزت المدرسة بوجود القبة الضخمة الشهيرة فيها ،واحتفاظ واجهتها الرئيسية بزخارفها الفنية ومئذنتها المميزة التي تعلو المدخل، وهذا المدخل يعلوه عقدان يربطان شقي المدرسة ،ويجمل هذان العقدان المئذنة التي ترتبط بالقسم الشمالي عن طريق هذين العقدين ،كما يوجد جزء من السقف يلي المدخل مباشرة مغطى بحقاق .
يرجع انشاء القبة الى عام ( 647هـ / 1249م)،والتي شيدتها الملكة شجر الدر زوجة الملك الصالح بعد وفاته ،وللقبة واجهة رئيسية بها مدخل واحد على شارع المعز ،وبها لوحة عليها كتابات تُشير الى تاريخ وفاة الملك الصالح ،وتوجد مقصورة خشبية داخل القبة وتمثل هي وزخارفها الكتابية المحيطة بها ،نموذج فريد من نوعه للتحف التي كانت موجودة في العصر الايوبي .
اما المئذنة فيبلغ ارتفاعها اثنان وثلاثون مترا ،وتبتدأ من اعلى المدخل مربعة الشكل الى ان تصبح مثمنة تحلي اوجهها صفوف تغطيها عقود مخوصة فتح بها فتحات بعقود على شكل اوراق نباتية غاية في الحسن والجمال ،ويعلوها ايضا تروس بارزة ،تمثل طراز اغلب المآذن التي نشأت اوائل القرن السابع الهجري ،قبل ان تتطور الى طرازها المألوف الذي عم وانتشر بمصر بعد ذلك ،ويتم التوصل الى المئذنة عن طريق سلم صاعد من الممر الفرعي العمودي على حجارة المدرسة ،وهو سلم خشبي يدور حول المكعب من الداخل وينتهي عند بداية الجزء الذي على شكل مبخرة ذات الاضلاع الثمانية التي تعلو المكعب ،وفي كل ضلع من اضلاع المبخرة يوجد باب داخل حنية مجوفة يعلوها عقد منكسر، وهذه الابواب تؤدي الى دهليز يحوي ممر يقف فيه المؤذن للآذان .
في اواخر العصر المملوكي ومع مرور الايام ،لما بدأت مظاهر الانحلال والتفسخ تضرب الدولة المملوكية وتحولت البلاد الى ساحات حرب مفتوحة بين فرق المماليك المختلفة ،هجرت المدارس واصابها الخراب ومن بينها هذه المدرسة ،ومع تقليص الدولة العثمانية لنشاط المدارس فقدت المدرسة الغرض الذي بنيت من اجله ،وهو تدريس مذاهب اهل السُنة الاربعة للقضاء على المذهب الشيعي الفاطمي ،الى ان اخذ الاهالي يستقطعون القطعة منها تلو الاخرى حتى اخترق حرمها من الداخل ،واصبحت بوابتها الرئيسية المطلة على شارع المعز يمر من خلاله المارة بعد ان كانت تحف بالعلماء والسلاطين، بالاضافة الى تعدي اصحاب الحرف والمهن على حرمة الاثر ،كما شوهت المدرسة بأكشاك وورش صانعي التحف الاثرية مما يشكل خطرا على سلامة ما تبقى منها .
المصادر
- المقريزي ،الخطط المقريزية
- النعيمي ،الدارس في تاريخ المدارس
- عنان، آثار مصر الاسلامية
*الزهومة في اللغة :هي رائحة اللحم السمين






