باب زويلة
اصالة وسحر من الماضي
بقلم :الدكتورة ايمان التميمي
باب زويلة احدى ابواب مدينة القاهرة القديمة واكبرها ، بنيت زمن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ، وقبل بناء هذا الباب كان للقاهرة عدد من الابواب اختلف المؤرخون في تحديد عددها، اهمها باب الفتوح ،باب النصر ،باب البرقية ،باب السعادة ،باب المحروق ،باب الفرج ،باب الخوخة ،باب القنطرة ،وباب جديد ،وتتوزع هذه الابواب على جهات المدينة ،ويعد هذا الباب ثالث ابواب القاهرة ،الذي لايزال يقاوم عوامل الزمن بعد باب النصر ،وباب الفتوح واجمل هذه الابواب الثلاثة واروعها.
يشغل هذا الباب مساحة مربعة طول كل ضلع من اضلاعها خمسة وعشرون متراً، وارتفاعها اربع وثلاثون متراً عن الطريق الرئيسي، اما وزنها فيبلغ ما يقارب اربعة اطنان ، ويقع بالقرب منها ممر مسقوف كله بقبة ،اختفت معظم عناصرها الزخرفية ،ويذكر ان من قام بتشييدها ثلاثة اخوة بنائين قدموا من مدينة الرها الواقعة جنوب تركيا الحالية فقاموا ببناء ثلاثة ابواب من ابواب القاهرة هي باب زويلة ،باب النصر وباب الفتوح كل واحد منهم بنى باب واحدة منها .
عندما بنى جوهر الصقلي قائد جيش الخليفة المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة كان باب زويلة في الاصل بابين متلاصقين بجوار مسجد يسمى مسجد بسام بن نوح ،ولما دخل القائد جوهر دخل من احد هذين البابين ،وهو الملاصق للمسجد ،وكان يعرف بباب القوس ،فتفاءل الناس بهذا الدخول ،وصاروا يكثرون الدخول والخروج منه وهجروا الباب المجاور له ،حتى جرى على الالسن انه من ابواب النحس ،ومن خرج منه لا تقضى له حاجة ،ولعل ذلك يرجع الى ان هذه الباب الثانية تؤدي الى السوق التي تباع فيه الات الغناء والطرب من الطنابير والعيدان والمعازف، وكان هذا السوق ايضا مكان لجلوس اهل المعاصي .
كتب المؤرخ ابن عبد الظاهر في كتابه خطط القاهرة ان هذا الباب بناه العزيز بالله نزار بن الملك المعز لدين الله الفاطمي مؤسس مدينة القاهرة ، وأتمه امير الجيوش بدر الدين الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله سنة (485هـ /1092م) وجعلها امام البابين القديمتين ، وعمل فيها زلاقة كبيرة من حجارة صوان عظيمة ، ويبدو ذلك لأسباب دفاعية وامنية ، فقيل عنها: حتى اذا هجم عسكر على القاهرة لا تثبت قوائم الخيل على الصوان، وبقيت هذه الزلاقة الى ايام الملك الايوبي السلطان الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل ابو بكر ايوب ،الذي اتفق مروره من هناك ،فأختل فرسه وزلق به ،وقيل سقط عن فرسه ، فما كان منه ،الا ان امر بنقضها ، وبقي منها شيء يسير ظاهر، وقيل ايضا عن عظمة تلك الزلاقة :لما بنى الاستادار* المسجد المقابل للباب وجعله باسم الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق ظهر جزء من هذه الزلاقة عندما اراد حفر صهريج ماء للمسجد ،واخرج حجارة من حجارة الصوان الكبيرة بشق الانفس ،بحيث لم تنفع العدة التي استعملوها للحفر ، لعظمة تلك الاحجار القديمة من حيث حجمها بحيث ان اربعة رؤوس من البقر قامت بسحبها ،فاخذها الاستادار الامير جمال الدين يوسف ورماها في قبو قريب من القاهرة .
ويذكر المقريزي مؤرخ مصر : ان احدهم ممن طاف البلاد ورأى مدن المشرق وجمالها اخبره انه لم يشاهد في اي مدينة من المدائن مثل عظمة باب زويلة ،ولم يرى مثل عظم بدنتيها التي تقع على جانبيها ،وان المتأمل لها من الخارج يجد فيها اسم امير الجيوش ، والخليفة المستنصر بالله الفاطمي وتاريخ بناءه للباب .،ومن الجدير بالذكر انه : لما انشأ الملك المؤيد شيخ سنة (818هـ / 1420م) مسجده نهايات العصر المملوكي ، بنى منارتين على المأذنتين العائدتين للجامع على جانبي هذا الباب بعد ان عمر بدنتيها القديمتين ،وكانت هذه الباب البوابة الحجرية الوحيدة الباقية من السور الجنوبي لمدينة القاهرة الفاطمية .
يرجع سبب تسمية باب زويلة بهذا الاسم الى ان هذا الباب يؤدي بالقوافل الخارجة منه الى مدينة زويلة المغربية في عمق الصحراء الليبية ،وانه كان يوجد قبله باب محصن بنفس الاسم بمدينة المهدية في تونس ،كما كان يطلق عليها ايضا اسم باب المتولي ،لان متولي الضريبة الذي يقوم بتحصيل ضريبة دخول الوافدين من التجار والقوافل الى القاهرة كان يجلس عند مدخلها ،وقيل ايضاً ان المتولي شيخ تناولت كراماته الحكايات والاساطير، وانه كان يطير الى مكة ويعود دون ان يراه احد وكان الناس يقصدونه للتبرك وتلبية الحاجات فيقومون بدس العرائض والشكاوي في شق الباب الخشبي لاستعطاف الوالي لحل مشاكلهم عند مروره بالقرب من هذا الباب .
يقع هذا الباب عند رأس شارع المعز من الناحية القبلية ، بين الشارع الاعظم في القاهرة وبين القصرين الذي هو احد احياء القاهرة ،فاذا ابتدأ السالك بالدخول من باب زويلة يجد يمينه زقاق ضيق يعرف بسوق الخلعيين ، ويعرف ايضا بسوق الخشابين ،ومن يسار الداخل يجد سجن متولي القاهرة المعروف بخزانة شمايل وقيسارية سنقر الاشقر ،الى ان ينتهي بين الحوانيت والرباع التي فوقها باب زويلة الاولى القديمة .
اما شهرة هذا الباب فقد جاءت عندما علقت عليه رؤوس رسل المغول الذين ارسلهم هولاكو في عصر سلاطين المماليك لتهديد مصر قبل معركة عين جالوت التي جرت سنة (658هـ / 1260م) ،التي كانت اول معركة يهزم فيها المغول على يد المماليك بقيادة السلطان قطز، ثم اصبحت فيما بعد رمزا للعقاب حيث لم تكن المكان الذي اعدم فيه رسل المغول فقط ،وانما المكان الذي اعدم فيه السلطان طومان باي آخر سلاطين المماليك البرجية ،الذي باعدامه انتهت دولتهم وكان ذلك ايذاناً ببدء الدولة العثمانية وتولي السلطان سليم الاول الحكم في مصر.
ولأهمية هذا الباب كتب عنها المؤرخين وتغنى بها الشعراء، ففي سنة (735هـ / 1335م )، رتب والي القاهرة في عصر السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون على باب زويلة خليلية تضرب كل ليلة بعد العصر، واورد المؤرخ القلقشندي في كتابه صبح الاعشى ابياتاً للشاعر علي بن محمد النيلي يتغنى في عظمة هذا الباب منها :
يا صاح لو ابصرت باب زويلة لعلمت قدر محله بنيانا
باب تأزر بالمجرة وارتدى الشعرى ولاث براسه كيوانا
لو ان فرعونا بناه لم يرد صرحا ً ولا اوصى به هامانا
المصادر
- المقريزي ، الخطط المقريزية .
- القلقشندي ،صبح الاعشى في صناعة الانشا
- ابن عبد الظاهر ،الروض الزاهر
*الاستادار : وهو المسؤول عن بيوت السلطان وحاشيته من نفقات وكسوة






