إنتابتني مشاعر متباينة، مزيجٌ من الحيرة والغثيان ،الإقرار والإنكار وأنا أشاهد مقاطع فيديو لشباب وشيّاب ونساء وأطفال يتبارون في إمطار المطربين والمطربات بألوان من أوراق النقد سودانية وأجنبية في بيوت الأعراس وصالات الأفراح بما يعرف بال” نقطه” وما أدراك ما النقطة. يسمع أحدهم إسمه أو اسم قبيلته أو حتى مهنته فيطير لذلك لبّهُ قبل أوراق نقوده ،تصيبهم هوشه وتشيلهم “هاشمية” ابتدعوها ؛ تجافي مقاييس المنطق والفطرة السليمة.
حبُّ التميّز والتفاضل غريزة لدى كثير من الكائنات استلزمتها طبيعة المنافسة على المطعم والمشرب والجنس وزاد عليها الإنسان بفعل الذات الواعية و”الأنا” المدركة أشياء تعدّت ذلك بكثير. إلاّ أننا نجد من بني البشر من يتفنن في إهدار نعم الله عليه من غير حسابٍ لتقلبات الدهر ونكباته أو سخط الخالق وغضباته ، وكأنِّي به وهو يردد قول قارون الذي ذكره المولى جلّ جلاله في القرآن الكريم نكايةً وذمّاً) إنّما أوتيتهُ على علمٍ عندي (فكان عاقبته أن خُسف به وبداره الأرض وكانت جريرته تفاخرٌ وتكبرٌ ذهب به إلى أن ينسب الفضل لنفسه وينسى ربه المتفضل.
لكن دعونا نتحدث بواقعية ونسأل أنفسنا ، هل لهذه النقطه مايسندها من المتجذِّر في ثقافتنا وسلوكنا السوداني أم هي عادة دخيلة مئة بالمئة. لقد اشتهر السوداني بحبه الشديد لأن تذكر محامده ومآثره وأن يُتغنى بها بل إن بعض العادات الأخرى كالبُطان وحتى الهمبته ربما اتكأت على عصا الشكر والتمجيد هذه وقديما نمَّ
شاعرهم فقال:
الزول البخاف من القبيلة تلومو
يخلف ساقو فوق تيساً رقيق قدومو
إمّاً جاب رضوة البهم البنقر فومو
وإما اتكاتحن قدح الرماد حرومو
لكنهم يعللون لذلك على مذهب ميكافيللي بأن الدافع لسعي المال حلالاً وحراماً لا يخرج عن حبهم لإنفاقه إكراماً لضيف أو سداً لمسغبة أو نهضةً لمستجير ، وهم في ذلك لا ينشدون الفشخرة والشوفونية.فلنستمع إليها وهي تغنيه :
مابيدي ويقول أديت ما اتفشر وقال سويت
القنديل سراج البيت حمدلله بسلامتك جيت
ثم إنّ وطننا والحال لايخفى على كل ذي عينين يرزح معظم أهله تحت خط الفقر كراماً مستعففين ينامون على وسائد الصبر ويحلمون بأن يصبحوا على أمانٍ في السرب وقوتٍ لليوم وعافيةٍ في البدن فماذا أنت فاعلٌ يا صاحب ال” نقطه “التي لم تسبقها جملة تُفهم ولا قولٌ يُستدرك.
هذا ومازال في القلب شيئٌ من حتى..





