السبت, أبريل 11, 2026
الرئيسيةأدبطريق الذكريات (الجزء الثاني )بقلم / تغريد البشير

طريق الذكريات (الجزء الثاني )بقلم / تغريد البشير

(2)

طريق الذكريات (الجزء الثاني )

تعصب عمي سعد حال بيننا وبين إكمال تعليمنا الجامعي ؛فقد كانت وجهة نظره أنه إذا تلقت المرأة تعليماً يمكّنها من طاعة زوجها وتربية أولادها  وصلاة خمسها فإنه يكفيها، لذا عندما أكملت دراستي الثانوية، اقترح عمي على أبي تزويجي. في بادئ الأمر لم يوافق أبي، لكنّ عمي استفزه بتساؤلاته  عن ما إذا كان يريدني أن أنفق عليه بعد تخرجي ، فرد عليه بحزم : نحن لا نتكسب من النساء.فقال له إذن لماذا تضيّع على البنت عمرها في اللا شئ ؛ الدراسة الجامعية هي فقط من أجل الوظيفة وبإكمال البنت للتعليم الثانوي تكون قد أتمّت تعليمها، وبنتنا الآن  على مشارف العشرين عاما ، فاذا أتمتها دخلت في عداد العانسات ؛ وقتها  لن يكون لدينا  خيار وسنضطر لتزويجها من أول طارق يطلب يدها  ومن غير شورى . هكذا زوجني عمي من أبيكما.

‐تساءل سعد :

وأين يسكن عمك ابورداء يا امي ؟

ــ ضحكت الأم من طريقة سعد ومحاولاته الدائمة  لتلطيف الأجواء، وأجابته قائلة: كان يسكن مع  اهل زوجته  بالخرطوم بحري .

ـــ اليس لديه أولاد؟

 -كم تمنى ان يكون له أولاد ، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه يا بنّي ، إلا أنه تبنى ولداً من عائله فقيرة من إحدى القرى المتاخمة للعاصمة قام بتربيته وتعليمه وعندما كبر الصبي تزوج وبنى لأهله دارا فخيمة من خمسة طوابق ، وأصبحت هذه الدار  قبلةً لكل أقاربهم ، وكانت بمثابة نادٍ  لأهل القرية يجتمعون فيه لحضور المسلسلات  والأفلام  ويقيمون فيه أعراسهم و عزاءاتهم ويكرمون فيه الوفود الحكومية التي تزور القرية، وعندما توفي والد الشاب أصبحت أمُّه وحيدة فأخذ زوجته و ذهب للعيش بجانبها والعناية بها. هنا شعر عمي بالأسى على رحيله بعيدا عنهم، وظل يكبح حزنه على فراقه إلى أن وافته المنية .

ــ هو يعشق التعليم لذا كان يريد لكُنّ أنتِ وخالاتي أن تصبحن طبيبات أليس كذلك ؟

ــ أجل إنّه رجلٌ قليل الحظ في هذه الحياة ؛ تعلّم القران الكريم  بخلوة الشيخ الحاج حمد، ودرس الفقه والسيرة النبوية على كبار علماء المالكية.   حفظ الموطأ وعددا من الحواشي بشرح الزرقاني وغيره، وكان أبي وجدي يريدانه قاضياً فبعثا به إلى الأزهر الشريف لإكمال تعليمه هناك ، ولكن كثيرا ما تهب الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فبعد وصوله مصر  التقى بمجموعة من شباب مصر الذين درسوا بالمعاهد والجامعات الإنجليزية والأجنبية  وكانت أفكارهم و رؤآهم تختلف عن كلّ من درس بالكتاتيب والأزهر فتأثر بهم تأثر كبيرا خاصة المفكر الاجتماعي قاسم أمين ، على الرغم من أنّ الشيخ محمد عبده -الذي كان يدرس عمي أبو رداء على يديه كان  عالما مجددا- الاّ أنّ عمي لم تعجبه الدراسة بالأزهر وقرر السفر إلى فرنسا  مع مجموعة من أصدقائه   متمنياً إكمال تعليمه هناك. ولكنه لم يتحمل شظف العيش والظروف القاسية التي واجهته بعد أن أنفق كل ما يملك من مال، ولم يجد معينا يعينه على مواصلة الطريق فعاد إلى مصر ومن ثمّ إلى السودان صفر اليدين لم ينل شهادةً أو إجازةً بأيٍّ من علوم الدين أو الدنيا، ومع ذلك ساهم في تعليم الكثير من أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة، ولم يتوان في إغاثة ملهوف كما انه شارك بنفسه وماله وفكره في النضال ضد المستعمر ؛  وهو من أوائل من ساند الخريجين  ودعمهم في مسيرتهم ؛ عاش كريما معطاءً إلى أن  تُوفي بُعيد الإستقلال بسبع سنوات .

صمتت الام وسرحت في ماضيها البعيد تستعيد ذكرى  زفافها  والحفل الذي أقيم بين هاتين الشجرتين كيف  كانت الجموع الغفيرة من أهلها  واقاربها يسيرون من هذا الطريق ليصلوا الى ضفاف النيل حيث  كانت من عاداتهم وتقاليدهم   إقامة حفل اليوم الثاني من الزواج على  ضفاف نهر النيل.

تذكرت الام بعض الذكريات فانقبض صدرها وضاق بها الأفق الواسع  على رحابته الى ان تغيرت ملامح وجهها فلاحظ ابناها تقطيب جبينها وزم شفتيها وتحديقها بالأرض وكأنها تقول لها انخسفي بي  و أريحيني  من هول هذه الذكريات الأليمة  فجاءت رحمة الله في نداء حمد لها امي امي ما بك؟ فرفعت راسها ونظرت اليه بإعياء وتعب قائلة :

ـــــــــــــــــــ  ماذا يا بني

_لماذا انهكت هكذا فجأة يا امي أهنالك شئ جال بخاطرك؟

_ لا شئ ، فقط كنت افكر بصغيري ربما أخطأت عندما تركته خلفي .

فقال لها حمد بحزم :

__ أ تخافين عليه وهو بصحبة عمتي؟

_لا يا بني كل ما في الامر اني قلقة بشأنه.

في اثناء حديثهما وإذ  بخيال رجل يتهادى وسط السراب فوقفت الام ووضعت كفها على جبينها مخبئة عينيها من اشعة  الشمس لتتبين ملامح الدرويش القادم نحوهما ..تأكدت من  انه  الطاهر سلك وبصحبته طفلٌ غريب ٌ عن الديار .

وصل الدرويش فحياهم بإشارته المعروفة وقال :

جئت  لتوي من بغداد ،  كنت على موعد  مع باز الله الاشهب الامام عبد القادر الجيلاني فنظرت  اليه ام حمد  مستهجنة ما يقول و التفتت الى حمد  لترى ردة فعله فصرف وجهه متبرما ناحية القلعة المجاورة  للشجرتين ، مفضلا ان يراقب لعب أطفال قلعة المحاميد من ان يستمع الى ترهات  الدرويش  السخيفة  .

أدارت  ام حمد  رأسها تجاه الدرويش قائلة :

ـــــــــ كيف ذلك يا سلك وعبد القادر الجيلاني  قد انتقل الى جوار ربه منذ القرن الحادي عشر الميلادي ونحن الان في القرن العشرين؟.

ـــــــــ  فأجابها غير مبال بما تعتقد.  او تحسبونه ميتا أيها المنكرون  إن سيدي الامام  عبد القادر الجيلاني  لم  يمت وانما رفع الى السماء وهو من العشر الذين رفعوا  مع المسيح عيسى بن مريم وسيعودن قبله ليمهدوا الطريق للمهدي المنتظر  الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا .

واصل حديثه عن لقائه بالإمام عبد القادر الجيلاني قائلا : صليت الفجر هذا  اليوم ببغداد وقررت أن أصلي الظهر بمسجدكم  وسأصلي العشاء في بغداد حتى أوصل  الطفل (كردفان ) إلى أهله؛ سألته أم سعد هل أسمه كردفان أم أنك من أطلقت عليه هذا الإسم ؟

الدرويش: نعم إسمه كردفان  و هو ليس عربيا .

أم سعد  ضاحكة : طفل عربي ويتحدث العربية بطلاقة و تقول انه ليس بعربي وأن أسمه كردفان ؟.

ضحك سلك قائلا : أنتم لا تعرفون شيئا هذا الطفل هو  من الأكراد ببغداد أحضرته معي لأعلمه إسم الله الأعظم  وفي المساء سأعيده إلى أهله كما وعدتهم . لم يكترث الدرويش  لضحكات واستفهامات أم سعد  الساخرة عن كيفية رجوعه لبغداد مساء اليوم ؛وراح  يروي لهم قصصه  غير مبالي ٍ بإنشغالهم   عنه قائلا : ما أدراكم بالحقائق الإلهية  ؛ إن سيدي الإمام عبد القادر الجيلاني  منتسب إلى الله عز علاه ، والله قادر على قلب الأعيان؛ يعطيهم من قدرته فيتجلون في أي صورة يريدون .أشار الدرويش إلى سعد بعصاه قائلا :  ياغلام ألم تسمع بقصة الشيخ قريب الله الطيار  ؟ أجابه بالنفي دون أن يتفوه بكلمة إكتفى سعد بهز رأسه ورفع حاجبية مع  قلب كفيه  وبرم شفتيه ؛ و كان هو الوحيد الذي يتابع حديث الطاهر سلك منذ البداية .تأمله الدرويش طويلا ثم قال له: هي قصة معروفة لدى الجميع لن أحكي لك تفاصيلها ما يهم  ؛ أنه  كان هنالك منكرون في مجلس الشيخ مثل هؤلاء وأشار لأم سعد  وأخيه ؛ فتحول الشيخ قريب الله إلى صقر يطير حول أركان الديوان الأربع  ، ويحط  مقلوبا على السقف كان يريد ان يقتلع أعين المنكرين لولا رحمة الشيخ عبد القادر التي حلت بالمكان وشملت جميع من في المجلس حتى المنكرين فغلبت رحمة الله  على إنتقامه.

  يابني إن العالم كلهم أولهم وآخرهم  منكرهم ومقرهم  إنسهم وجنهم  مؤمنهم وكافرهم  على الطريق الموصلة إلى الله ، فعو و اعرفوا الحقائق الإلهية ولكن لا تأمنوا مكر الله .. اللهم قد بلغت اللهم فأشهد …

تململت أم سعد لتوحي له بأنها  على وشك  المغادرة  ، أشارت إلى ولديها  بالقيام  وخاطبت الدرويش بلطف و همة نحن الآن في طريقنا إلى أهلي  وسنعود في  المساء بصحبة أخي (صغيرون)  ستجد (فروة) الصلاة وإبريق الماء  والمسبحة والمبخر ؛ كل شيء مهيأ وجاهز  الكل يحبك وينتظرك . ماعليك إلا أن تكثر لنا الدعا ء…أطال الطاهر سلك النظر  ناحية حمد وهو يقول : الشرك هو ان تقول لأحدهم أدعوا لي. المشرك هو الذي يقول ما رأيت شيئا الا ورأيت الله معه ،  التوحيد هو أنك  إذا رأيت شيئا ترى الله قبله . قال له حمد إني عائد معك إلى دارنا ، أمي لا أريد الذهاب معك سأعود مع سلك  وأعتني بحاجياته وضيفه الصغير.

 أذنت له أمه وأخذت بيد سعد و واصلت المسير إلى بيت أهلها وقفل حمد عائدا  إلى دارهم بصحبة الدرويش وضيفه الغريب وبعينيه بريق ٌ وبروحه توق وإنعتاق .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

د.محمد البيدر عثمان على عوالم من الإمتاع والمؤانسة
alhosainelbasheer@gmail.com على عوالم من الإمتاع والمؤانسة