السبت, أبريل 11, 2026
الرئيسيةأدبقراءة جمالية للقصة قصيرة (مَدَدْ) للقاص الدكتور محمد البيدر ..بقلم/الصادق أحمد عبيدة

قراءة جمالية للقصة قصيرة (مَدَدْ) للقاص الدكتور محمد البيدر ..بقلم/الصادق أحمد عبيدة

قراءة / الصادق أحمد عبيدة*.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وبمناسبة المولد النبوي الشريف، نشر الكاتب الدكتور محمد البيدر على صفحته بالفيسبوك، قصة بعنوان (مَدَد)، ارتقى فيها مَراقياً عالية جداً فوق مجال الروح والبدن،
ثم طاف بنا في ملكوت الصوفية بينابيعه الصافية المِمْراح، ونقائه البلوري، وتعقيداته التي لا تُناضُ حُجُبُها، ولا تنداح أستارها الا لِمَن عرفوا (كلمة السر) …أو ..(سر الكلمة)
-الكلمة؟ نعم الكلمة ..وقد احاط الكاتب بسرها وألَمَّ بخفاياها، وإلّا لما استطاعَ في عجالةٍ وجيزة، لم تتعدي بضعة اسطرٍ من نور ، أن يكشف الستار عن حياةِ بسيطة في ربوع الصعيد، ثم يصعد بنا “الى نواحٍ تُشَاطِئُ البحر المتوسط عند بوابةِ الإسكَندرية في اقصى شمال ارض الله”..
حياة بسيطة؟ ..نعم حياة بسيطة وصفها الكاتب بكلماتٍ فخيمة صورَت هيئةَ عبد الفتَّاح المغازي التي تدلُ على انه من الصعيد ..سمرة لونه ، وقامته المربوعة، جثته الضخمة…ثم يرتقي الكاتب بالكلمة التي، امتلك سرّها، مراقٍ نورانية ، تصعدُ بالوصفِ الي طبقاتٍ عليا حين يخلعُ على المغازي وصف ( شَثْن الكفين!!) أي غليظ الأنامل مع ميلٍ للقِصَر، وربما الخشونة، وهو مما يُحمد عند الرجال لأنه أشد لقبضِهم، ولا يُستحسن عند النساء، كما جاء في الشروحات..
وهنا نلاحظ ان محمد البيدر أعدَّ عدته بإحكامٍ ودراية ليضعنا في أجواءِ قصةٍ نُسِجت خيوطها حول أحباب الرسول المصطفي، أليس من أوصافه عليه الصلاة والسلام انه “ليس بالطويلِ ولا بالقصيرِ ، ضَخمُ الرأسِ و اللِّحيةِ، شَثْنُ اليَدينِ والقَدمينِ، مُشرَبٌ وجهُهُ حُمرةً”؟؟

ليس هذا فحسب، ولكن إذا كان الصعيدي، حسب ما ورد في القصة، قد إعتورته حالةٌ من الجذْبِ حين رأي الشيخ لأول مرة، وطفق “يُهمهمُ بكلماتٍ غير عربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة، “فإن الكاتب إنجذب أيضاً و قفز باللغة العربية المبينة، وسَمَى بالوصف منتقياً من مفرداتها غير المألوف المبتذل ليناسب المقام الرفيع وذلك في قوله : “ما ان وقع بصره على الشيخ ..حتى “إرفَضَّ” جسده وارتعد”..و كلمة “إرفَضَّ” تعني تصبب عرقاً، ويقال إرفضَّ الدمعُ او العرقُ إذا سال وانهمر ..ولعل الكاتب إقتبس المفردة، احسن إقتباس، من حديث البُراق عندما أُتِي به للرسول صلى الله عليه وسلم ليلةَ الإسراءِ والمعراج فاستصعب عليه، فقال له جبريل عليه السلام : “أبمحمدٍ تفعلُ هذا؟ فما رَكِبَكَ أحدٌ أَكرمُ على الله منه”! قال: “فارْفَضَّ عَرَقًا”، أي تصبب البُراقُ عرقاً.
كذلك تَجَلَّت فَصَاحَةُ الكَاتِبِ في قَولِهِ: “ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته (الصحل) الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب”. وكلمة (صَحل) تعني الصوت الذي فيه بحة، سواء لعلةٍ طارئة أو لعلةٍ طبيعية ، وأصلها في اللغة صوتُ الجُندُب المرنِّم. ويقال صَحِلَ صوت فلان : كان في صوته بَحّة . قال الأخطل:
وقد أكونُ عميدَ الشَّرْبِ، تُسمِعُنا
بحاءُ تسمعُ في ترجيعها “صحلا.”.

أما السر : فقد علمت من تلصصي على ما هو متاح من حياة الكاتب انه ممن أُتوا سر النجوى وخفايا الدعاء بظاهر الغيب..لعله (ابن شيوخ) وهو وصفٌ يطلق في السودان على الملمين بآداب الصوفية -فليقومني إن اخطأت الظن- وإلاّ لما طاف بنا في عالم الملكوت بعلاماته الخُضر الفيروصية في قصة قصيرة ، تكاد تكون “وجيزة” ، خاطفة كالبرق، نزلت عليه من عوالمٍ يعلمها هو والذين فُتحت لهم الخزائن. فقد دار يراع الكاتب حول نفسه دورتين قطع خلالهما مسافة عشرين عاما ، هي نصف عمر المغازي..عشرين عاما من الانتظار قضاها مجنونا بين العوام ، مجذوباً عند الخواص.
عشرون عاما هي نصف عمر المغاري البالغ اربعة عقود ..أليس في ذلك سر خفي أو دلالة واضحة ؟
يكمن السر ايضا في اختيار الكاتب لاسماء الشخصيات بعناية كالشيخ ” الفيّاض” و الصبي “خِضر” ابن المغازي ..لم يكن ذلك مصادفة ..كذلك يكمن السر في ظهور الاربعين رجل وفُرسهم التي ليست بنار ولا دخان.. فاض معهم المغازي الى عِليين، ليبقى احدهم حاملا ملامح المغازي عندما كان في “العشرين”.
أحقاً انتهت القصة ؟
لا أدري ..ولكن توقف السرد هنا بصعود الدخان الى عنان السماء ومعه روح المغازي.
لنبقى نحن أهل الأرض هنا ننتظر من الكاتب مزيد من التداعي، فالقصة، كما هي نور للقلب وللعقل، فهي ايضا فاتحة لشهية القاري الذي لا يستطيع صبرا.

*الصادق أحمد عبيدة .
اغسطس 2021.
باريس.

=========================

مدد (قصة قصيرة لمحمد البيدر عثمان )
~~~~~
مدد ياسيدنا المرسي ..مدد…
نظرة يا أهل الله
هكذا كان يردد وهو يدلفُ إلي صحن المسجد المسمى باسم مسجد سيدي المرسي أبو العباس مشاطئاً للبحر الأبيض المتوسط عند بوابة الاسكندرية.
مربوع القامة، أسمر اللون يبدو من شكله وهيأته أنه من صعيد مصر. كان في عقده الرابع من العمر، ضخم الجثة، شثن الكفين ينبيك جلبابه المهترئ مثلما تفعل تقاسيمه الصارمة عن جلَدٍ وشظف عيش، أما عيناه السوداوان الغائرتان بما لا يتناسب ورأسه الضخم الأصلع فقد كانتا كبئرين بلا قرار.
ما إن وقع نظره على الشيخ الذي كان يجلس مُغمض العينين، متربعاً يردد أذكاراً وأوراداً، تتثاقل خلالها حبيبات مسبحته الطويلة حيناً، وتتسارع أحياناً حتى ارفضّ جسده وارتعد، ثم صاح بأعلى صوته: يامشيرة، يارئيسة، ياسيدة زينب …مدد.
دار دورتين حول نفسه قطع خلالهما المسافة الفاصلة بينه وبين الشيخ الذي لم يفعل شيئاً سوى أن رفع بصره نحو الصعيدي ثم عاد الى تسبيحه.
وقف الصعيديُّ أمام الشيخ وعيونه تذرف الدمع سخينا. كان يُهمهمُ بكلماتٍ غيرعربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة.
كان لاهوته غائباً عن ناسوته، يظهر ذلك في الحركة المنزعجة لبؤبؤ عينيه، أمّا الشيخ فقد كان كمن يتلقى رسالة من عالم آخر مع كل كلمة ينطقها الصعيدي. حسناً تبدو الصورة مثل تقنية متقدمة يختلط فيها التخاطر والجذب مع المكاشفة والترجمة.

مرحباً بولدنا المغازي والحمد لله على المشاهدة في عالم الملكوت. هكذا ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته الصحل الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب.¬¬
حينها فتح عبدالفتاح المغازي عينيه وخليط من المشاعر يلوّن أساريره بينما كانت يد الشيخ السمراء تربت على كتفه في حنان. سرعان ماهدأ نشيجه فاستغفرالله مراراً وحمده بكل مافتح الله به عليه من محامد.
عشرون عاما ياسيدي وأنا أنتظرك. كنت أراك في يقظتي ومنامي حتى تحولتُ الى كتلة من الترقب والإنتظار.عشرون عاماً كثيرةٌ ياشيخي الفيَاض، كثيرة.
منذ أن صدرالحكم في محكمة أهل الله بأن يلازم الأعتاب وعبدالفتاح المغازي يحيا مجنوناً بين العامّة، مجذوباً في نظر الخواص.
هجرأهله في قريته ساقلته حجر أبو ليلى من نواحي سوهاج، وهو الحسيب النسيب المقدّم بينهم وصار يعمل بالأجرة أو بالفاعل كما يسمونه في الإسكندرية؛ إذ أنه لم يكمل تعليمه النظامي فتفرغ باكراً للإشراف على أرض والده وفلاحتها. لم يترك باب رزق حلال إلا طرقه، ولم يكن يداوم على مهنة أكثر من بضع شهور إلا أنه لم تفته صلاة قط في مسجد المرسي أبو العباس .
حين استقلّ القطار منفّذاً للمقدور كان ابنه الوحيد خضر في عامه الثالث، كان قد ختنه للتو ولمّا يبرأ جرحه بعد. يممّ قاصداً الغيب وفي أذنيه لاتزال كلمات الحضرة:
الحكم أن لا ترسو سفينتك إلا عند أبي العباس المُرسي، وحين اكتمال الوقت بالثواني يأتيك الفرج على يد الشيخ الفيّاض السودانيّ.
قطعت عليه هذا التداعي كلمات الشيخ:
كل شيئ عنده بمقدار.
ندّت منه صرخة، جَهِد في كتمانها فتعالي صوته مردداً: هُوَ..هُو، حيٌّ قيوم لا يُشارك في الحكم ولا يُراجع في الأمر.
بعدها حدّق المغازي طويلاً في عينيّ الشيخ، وهو يسأله: باين ان المدة خلصت وبقينا إفراج.
اكتفى الشيخ بهز رأسه علامة للإيجاب.
سأل المغازي: ماهي الأمارة ياشيخي؟
فأجاب الشيخ الفياض: ياقوت العرش.
أردف المغازي: فماذا عن الأمانة ؟
عندها أخرج الشيخ الفيّاض خاتماً من الفضة كان يلبسه ومدّه إليه، لكنه أطبق يده في اللحظة الأخيرة وقال: 《إنّ اللهَ اشترى من المُؤمنينَ أنفُسَهُم وأموالَهُم بِأنّ لهُمُ الجَنّةَ》.
تلا المغازي قوله تعالى: 《فَرِحِينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه》.
حينها أرخي الشيخ قبضته على الخاتم ليتناوله عبدالفتاح المغازي ويزين به خنصره الأيمن.
فجأة شهق المغازي وتمتم: 《مَثَلُ الجنّةِ التي وُعِدَ المُتَّقُون》.
رفع سبابته مشيراً للأعلى، ثمّ أتبعها ببصره قبل أن يُسلم الروح والشيخ الفيّاض يردد:《يأيّتُها النفسُ المُطمئنةُ ارجِعِي إلى ربكِ راضيةً مَرضِيّة، فادخُلِي في عِبادي وادخُلي جنّتِي》
أحسّ الشيخ بحركة خلفه، فالتفت ناحية مصدر الصوت. كان هنالك أربعون رجلاً مُلثّماً، إمّا أنّ الأرض قد انشقت عنهم أو أنهم هبطوا من السماء. كأنما نسجت ثيابهم من نور.
كانوا آخذين بأعِنّةِ فُرُسٍ لا يرى إلا نصفها الأعلى. مادتها غريبة ليست بدخان ولا نار وليست بريحٍ يُثار. لم يكونوا إخواناً من نسب، سوى أنهم كانوا على قلب رجل واحد. تقدم أحدهم وضمّ اليه المغازي بشدة قبل أن يمضي بنعشه الآخرون.
حين أدار الأخير وجهه قبالة الشيخ كان قد استحال إلى صورة مشابهة للمغازي قبل عشرين عاما؛ آخذاً عصاته وخاتمه ومتمتماً: مدد ياسيدنا المرسي..مدد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

د.محمد البيدر عثمان على عوالم من الإمتاع والمؤانسة
alhosainelbasheer@gmail.com على عوالم من الإمتاع والمؤانسة