كان في الحيرة من ارض العراق ملك يدعى النعمان بن المنذر, كان ذكياً و شجاعاً, لكن كانت له عادات غريبة: اذ كان له يوم للفرح, يكرم فيه الناس, و لا يرد فيه سائلاً, مهما كان طلبه, و يوم للحزن, يصبح فيه غاضباً و كئيباً, فيلبس الثياب السوداء, و يقتل كل من جاءه فيه يطلب مالاً او مساعده.

و ذات يوم خرج الملك النعمان مع اصحابه في رحلة صيد, و حدث ان راى ظبياً فانطلق خلفه يطارده , لكن الظبي فاق في سرعته فرس النعمان فأصر على اللحق به, حتى ابتعد وأوغل في أعمق الصحراء, دون أن يظفر به. أراد النعمان أن يعود , لكنه أخطأ الطريق, وضاع عن حراسة و حشايته. و هبت عاصفة هوجاء, و لم يلبث البرق أن أضاء الدنيا فقصف الرعد و أمطرت السماء, و راح الملك يغالب الريح باحثاً عن ملجأ!.

و هبط الليل, فأيقن الملك بالهلاك. و بعد ساعة لاحت للملك نار بعيدة, فأسرع نحوها.. فإذا بخيمة على بابها أعرابي, يوقد النار ليستدفيء بها مع أهله , فألقى عليه التحية, و هو يرتجف من شدة البرد, و ثيابه تقطر ماءً.

هرع الأعرابي لنجدة الزائر الغريب, فأجلسه قرب النار لينعم بالدفء, و قدم له لبساً نظيفاً, ثم قام الى شاة فذبحها, و شواها, و قدمها لضيفه الذي كان في غاية الجوع , فأقبل الملك يأكل بشهية, و هو ممتن لهذا الكرم الذي أحاطه به الاعرابي. 

في اليوم التالي شكر النعمان الاعرابي و سأله عن قومه , فأخبره أنه من قبيلة طيء, التي عرفت بالكرم و الجود, فأثنى النعمان عليه  و على قومه, و أخبره أنه الملك النعمان بن المنذر, و رجاه ان يزوره في قصره في الحيرة , ليرد له جميله, و يكافئه على حسن ضيافته.

و مضت سنوات … و النعمان يترقب زيارة الطائي لكن الاعرابي كان زاهداً في زيارة الملك, سعيدا بحياته في الصحراء , و لم يكم يفكر في جائزة عما صنع , الى ان  جاءت سنة قحط و جفاف , فهلكت أغنامه, و صار فقيراً معدماً, لا يكاد يجد ما يأكله, فقالت له امراته يوماً: لو أتيت الملك النعمان لأحسن إليك , ورد لك صنيعك معه بأحسن منه. 

فسافر للقاء الملك و كله ثقة بأن النعمان سوف يكرمه , و يحسن ضيافته, و يفك عسرته, لكن حظة العاثر  جعله يصل الى قصر النعمان  في يوم البؤس , الذي لا يجيب فيه الملك سائلاً , بل ينقم فيه على كل من يسأله مساعدة أو عطية و يأمر بقتله!.

غضب الملك كثيراً لان الطائي جاءه في يوم بؤسه و شؤمه, و قال: اعذرني يا أخا العرب, و الله هذا يوم شؤمي , ما سألني فيه سأل إلا قتلته, لكن لك دين علي فاطلب حاجتك قبل ان اقتلك.

فوجيء الاعرابي بما سمع , ولكنه سلم أمره لله و قال : أيها الملك افعل بي ماتراه , ولكن قبل ذلك أسألك أن تعطيني بعض ما يعوضني ن غنمي الذي هلك , و رزقي الذي انقطع , فأترك لأهلي ما يعتاشون به من بعدي, ثم آتيك لتنفذ في حكمك .

قال النعمان: لك ألف رأس من الغنم , و لك عام تقضيه بين أهلك, و لكن أريد كفيلاً عنك , يضمن عودتك , و كان في مجلس الملك رجل يقال له قراد, فتقدم و قال : أنا اضمنه. فوافق الملك ان يكوم قراد مكان طائي حتى يعود .

و مضى العام, و بقى من الاجل المضروب يوم واحد, فقال النعمان لقراد: ما أراك إلا هالكاً غداً, فشعر قراد بالحزن , و خشى أن يكون ألاعرابي قد هرب من الموت, و تركه مكتنه لكنه ظل مكانه متمسكاً بالامل, فمازال هناك يوم على الموعد المشؤوم, و قال مستسلماً: إن غداً لناظره قريب.

وجاءاليوم التالي , فأعلن المنادي, أن الأعرابي الذي كفله قراد لم يأت , و أن الملك سيقتل قراد بدلاً عنه فاجتمع الناس ليروا ما الذي سيحدث, و هو مشفقون على هذا الرجل النبيل , الذي كان من طيب خلقه , أن ضمن رجلاً لا يعرفه!

و انتظر الملك النعمان حتى الغروب حتى يكون العام قد انقضى تماماً, و حانت ساعة الموت , فأمرهم أن يأتوا بقراد ليقتله , لكن رجلاً ظهر فجأة من بعيد , و هو يهتف و يصيح, توقفوا توقفوا , ها قد جئت.

ارتمى الطائي عند اقدام الملك, و هويرجوه أن يعفو عن قراد, الذي ضمنه و افتداه كرماً و نبلاً . سأله الملك : ما الذي حملك على الرجوع بعد إفلاتك من القتل؟ فقال:الوفاء.

فقال النعمان: كان بإمكانك أن تنجو, و لقال الناس إنك لمعذور. فأجابه: ما كنت لأكون سبباً في قتل بريء. أعجب الملك بجواب الاعرابي , و عفا عنه, و أعلن أمام الناس أنه ألغى يوم حزنه, و أنه لن يرد منذ اليوم سائلاً.

و صارت كلمات قراد مثلاً تردده العرب, فكلما ضاقت على احدهم الدنيا , تفاءل بغد جديد , و قال <<إن غدا لناظره قريب.>>

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا