دكتورة / إيمان التميمي

تقع هذه القلعة في نهاية جزيرة فاروس اقصى غرب الإسكندرية ، وقد شيدت في مكان منارة الإسكندرية القديمة التي تهدمت سنة (702 هـ /1302م) إثر الزلزال المدمر الذي حدث في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، والتي انشأها السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي الذي كان مغرما بالعمارة ومحبا للفنون وتنسب اليه العديد من العمائر في مختلف بقاع مصر وخارجها .

 ابتدأ السلطان قاتيباي  بناء القلعة سنة ( 882 هـ/ 1477م) وانتهى منها بعد سنتين ،والتي عرفت باسمه ولم يكن هدفه من بناءها بناء تحفة فنية بل كان همه ان تقوم بحماية الاسكندرية من التهديدات المباشرة التي كانت تقوم بها الدولة العثمانية على مصر ذلك الوقت .

بنيت القلعة على مساحة قدرها 17550 مترأ مربعأ ،اي على مساحة اربعة فدادين من الارض ، واخذت هذه القلعة شكل مربع تبلغ مساحته مائة وخمسون مترا في مائة وثلاثون مترا، ترجع اسباب بنائها الى  زيارة السلطان قاتيباي مدينة الاسكندرية سنة (882هـ /1477م)م  حيث توجه إلى موقع منارة الاسكندرية القديمة التي بنيت في عهد البطالمة ،والتي تعتبر احدى عجائب الدنيا السبعة ، وأمر أن يبني على أساسها القديم برجا عرف فيما بعد باسم قلعة أو طابية قايتباي، وتم الانتهاء من البناء بعد عامين من تاريخ الإنشاء، وتشير المصادر التاريخية إلى أن القلعة قد بنيت ببعض أحجار المنارة القديمة المندثرة، وليس في نفس مكانها فقط، كما أن المنارة نفسها قد بنيت ببعض أطلال المدن الفرعونية القديمة مثل ممفيس وطيبة. .

 القلعة عبارة عن بناء مستقل يحيط به البحر من ثلاث جهات، وقد بنيت على هذه المساحة أسوار القلعة الخارجية واستحكاماتها الحربية، وهذه الأسوار من الاحجار الضخمة  لزيادة تحصين القلعة، من الخارج ، وتقع الأسوار والبرج الرئيسي في الناحية الشمالية الغربية، وتنقسم الأسوار إلى سور داخلي وآخر خارجي، فالسور الداخلي يشمل ثكنات الجند ومخازن السلاح، أما السور الخارجي للقلعة فيضم في الجهات الأربعة أبراجا دفاعية ترتفع إلى مستوى السور باستثناء الجدار الشرقي الذي يشتمل على فتحات دفاعية للجنود. فالسور الأول هو السور الخارجي ويحيط بالقلعة من الجهات الأربع، والضلع الشرقي من هذا السور يطل على البحر ويبلغ عرضه مترين وارتفاعه ثمانية أمتار ولا يتخلله أي أبراج، أما الضلع الغربي فهو عبارة عن سور ضخم سمكه أكبر من باقي أسوار القلعة يتخلله ثلاثة أبراج مستديرة ويعد هذا السور أقدم الأجزاء الباقية، أما الضلع الجنوبي فإنه يطل على الميناء من الجهة الشرقية ويتخلله ثلاثة أبراج مستديرة ويتوسط الجهة الامامية للقلعة باب كبير ضخم هو المدخل الرئيسي للقلعة يطل على حديقة كبيرة ماتزال لحد الان غاية في الحسن والجمال  .

 أما الضلع الشمالي فيطل على البحر مباشرة وينقسم إلى قسمين الجزء السفلي منه عبارة عن ممر كبير مسقوف بني فوق الصخر مباشرة به عدة حجرات، أما الجزء العلوي فهو عبارة عن ممر به فتحات ضيقة تطل على البحر، أما الأسوار الداخلية فقد بنيت من الحجر وتحيط بالبرج الرئيسي من جميع جهاته ما عدا الجهة الشمالية والحافات العليا لهذا السور بنيت بطريقة المربع الناقص اي بين مربع واخر فراغ مربع لتعطي شكلا جماليا خلابا للناضر اليها من بعيد . يتخلل هذا السور من الداخل مجموعة من الحجرات المتجاورة التي يبلغ عددها اربع وثلاثون حجرة ، والتي أعدت لتكون ثكنات للجند وهي خالية من أي فتحات عدا فتحات الأبواب وفتحات مزاغل خصصت لتكون فتحات للتهوية من ناحية وكفتحات للدفاع من ناحية أخرى. ومن الملفت ان هذه الابراج تشبه في بنائها قلعة صلاح الدين في القاهرة التي بنيت عام (579هـ/ 1184م) .

تتكون القلعة من ثلاث طوابق مربعة الشكل، اشكال هذه  الطوابق الثلاث مختلفة ، فالأول ذو شكل مربع والثاني مثمن والثالث دائري تعلوها منارة ، ويغطي قمة المنارة قبة ويعلوها تمثال الإله بوسيدون إله البحار والمحيطات ذو الشوكة الثلاثية الشهيرة عند الاغريق وتزين الطوابق بتماثيل من الرخام، والمنارة عموما مبنية بأحجار ضخمة للغاية وطريقة الإضاءة بها كانت تتم عن طريق كتلة هرمية أو متعددة الأضلاع من البرونز مصقولة بشكل متقن ذو سطح ناعم للغاية تعمل عمل المرآة معلقة وأسفلها موقد نيران، وتعكس الضوء المنبعث من النيران على امتداد حوالي عشرون كيلو متر في الماء لتهتدي به السفن القادمة للإسكندرية.

وتوجد في أركان  القلعة الأربعة أبراج نصف دائرية تنتهي من ألاعلى بشرفات بارزة، وهذه الأبراج أعلى من البرج الرئيسي تضم فتحات لرمي السهام على مستويين، ويتخذ البرج الرئيسي في الفناء الداخلي شكل قلعة كبيرة مربعة الشكل ، وهو يقع بالناحية الشمالية الغربية من القلعة وهو عبارة عن بناء يكون من ثلاث طوابق تخطيطه مربع الشكل يخرج من كل ركن من أركانه الأربعة برج دائري يرتفع عن سطح البرج الرئيسي وقد بني البرج بالحجر الجيري الصلد ، ويشغل الطابق الأول المسجد الذي هو اهم مشتملات  هذا الطابق ويشغل اكثر من نصف مساحته ،وقد بني على نظام المدارس المملوكية ويتكون من صحن  مربع مكشوف من الوسط يحيط به أربعة ايوانات صغيرة معقودة كل منها بعقد مدبب، وقد كسيت ارضية الصحن بالرخام الملون الدقيق الصنع في تكوينات هندسية بديعة كما اشارت الى ذلك مؤلفات ذلك العصر بيد اننا لم نلاحظ وجود هذا الرخام الملون في طابق المسجد ويبدو انه ازيل وتعرض للتغيير اثناء الترميمات الحالية ،كما  انه كان لهذا المسجد مئذنة ولكنها انهارت مؤخرا، لعل من الجدير بالذكر ان اهمية هذا المسجد فضلا عن اهميته  المعمارية ، انه من اقدم مساجد الاسكندرية المعروفة .

 فضلا عن المسجد في هذا الطابق ، وجود الممرات الدفاعية التي  تسمح للجنود بالمرور بسهولة خلال عمليات الدفاع عن القلعة، وان اهم مايميز هذه القلعة من الداخل هو التصميم الهندسي العظيم لهذه الممرات والسراديب الخاصة بالجنود ،اما الطابق الثاني فهو يحتوي على ممرات وقاعات وحجرات داخلية، شبابيكها من الخشب المزخرف بطريقة فنية هندسية تطل هذه الشبابيك من الاعلى على الممرات الداخلية في الطوابق السفلية ، ويضم الطابق الثالث حجرة كبيرة (مقعد السلطان قايتباي) يجلس فيه لرؤية السفن على مسيرة يوم من  الاسكندرية يغطيه قبو متقاطع، كما يوجد في هذا الطابق فرن لإعداد خبز البر المصنوع من القمح ،وكذلك طاحونة لطحن الغلال للجنود المقيمين في القلعة، وحواصل للجنود ومطبخ ،كما يوجد في القلعة صهريج لخزن المياه العذبة خاصة لاستخدام المقيمين من الجند بالقلعة او لعلها تستعمل وقت الطوارئ اثناء اي هجوم مفاجئ .

ومن الملفت للنظر ان هذه القلعة اثبتت اهميتها اثناء حكم السلطان الاشرف قاتيباي ، وانها ليست من اهم الحصون لردع الاعداء فقط ،بل مخبأ جيدا ،و من أهم القلاع على ساحل البحر الابيض المتوسط ، فقد اهتم بها سلاطين وحكام مصر وقاموا بتجديدها واضافة الابنية اليها على مر العصور التاريخية.

ففي العصر المملوكي نجد السلطان قانصوه الغوري اهتم بهذه القلعة اهتماما كبيرا فقام بتجديد القلعة وزاد من قوة حاميتها وشحنها بالسلاح والعتاد، ولما فتح العثمانيون مصر استخدموا هذه القلعة مكانا لحاميتهم واهتموا بالمحافظة عليها وجعلوا بها طوائف من الجند المشاة والفرسان والمدفعية ومختلف الحاميات للدفاع عنها ومن ثم الدفاع عن بوابة مصر بالساحل الشمالي.  

بدأت القلعة تفقد أهميتها الاستراتيجية والدفاعية بعد ان ضعفت الدولة العثمانية نتيجة لضعف حاميتها فمن ثم استطاعت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت الاستيلاء عليها وعلى مدينة الإسكندرية سنة 1798 م الأمر الذي أدى إلى سهولة الاستيلاء بعدها على باقي مصر، ولما تولي محمد علي باشا حكم مصر وعمل على تحصين مصر وبخاصة سواحلها الشمالية فقام بتجديد أسوار القلعة وإضافة بعض الأعمال بها لتتناسب والتطور الدفاعي للقرن التاسع عشر الميلادي تمثلت في تقوية أسوارها وتجديد مبانيها وتزويدها بالمدافع الساحلية هذا بالإضافة إلى بناء العديد من الطوابق والحصون التي انتشرت بطول الساحل الشمالي لمصر.

ولما قامت ثورة أحمد عرابي سنة 1882 م والتي كان من نتائجها ضرب مدينة الإسكندرية في يوم 11 يوليو سنة 1882 م ومن ثم الاحتلال الإنجليزي لمصر تم تخريب قلعة قايتباي وإحداث تصدعات بها، وقد ظلت القلعة على هذه الحالة حتى قامت لجنة حفظ الأثار العربية سنة 1904 م بعمل العديد من الإصلاحات بها والقيام بمشروع لعمل التجديدات بها استنادا على الدراسات التي قام بها علماء الحملة الفرنسية والمنشورة في كتاب وصف مصر وأيضا التي قام بها الرحالة كاسيوس في كتابه سنة 1799 م.

المصادر :

  1. ابن اياس ،بدائع الزهور في وقائع الدهور .
  2. ستانلي لبن بول ،سيرة القاهرة .
  3. قلعة قاتيباي ،الهيئة المصرية للاثار

صورة  حقيقية من تصوير الكاتبة عن قرب من أعلى مكان في القلعة وهي عبارة عن غرفة صغيرة تتسع لشخص او شخصين يقفون للمراقبة من هذه الفتحة المطلة على البحر يرتقي اليها بواسطة سلم صغير من الحجر وتكون في زاوية القلعة المطلة على البحر .

صورة اللوحة التعريفية التي وضعتها وزارة السياحة والآثار المصرية  بمدخل القلعة مع رسم تخطيطي  للتعريف بالقلعة من تصوير الكاتبة

صورة من الاعلى تبين الممرات الداخلية في القلعة

صورة حقيقية للكاتبة اثناء زيارتها للقلعة تقف فيها امام الواجهة الأمامية للقلعة والابراج الأمامية الموجودة فيها والنوافذ العلوية والباب الرئيس العملاق كما تظهر الفسحة الأمامية للقلعة وعلى جانبيها الحديقة الجميلة خلف المدافع التي هي حاليا لتوثيق أماكنها وكانت قبلها تعمل وهي من أهم الحصون الدفاعية في البحر المتوسط في عصر المماليك الشركسية .

صورة حقيقة للكاتبة في القلعة .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا