بقلم/محمدالبيدر عثمان

لن أكون براغماتياً في تناولي لهذا النص المدهش والساحر وسأعمد عوضاً عن ذلك إلى محاولات التفكيك والإنطباع والتأويل.

منذ العتبة الأولى للنص المتمثلة في العنوان المنحوت بحذاقة أستفاد فيها الكاتب من أيقونتين دينيتين مهمتين هما مارجرجس والخضر جاعلاً منهما مناطاً لتكليف النص أعباءً وحمولات ثقيلة تنوء عن حملها الأسفار.

مخطئ في نظري من ظن أنه يستطيع تأطير هذه الرواية تحت أي مسمى فهي كُنّاشةٌ أدبية وميلودراما اجتماعية وملحمة تأريخية وشذرات سياسية، صهر فيها الكاتب عناصر شتى وأضاف مكونات عُدة فأخرج لنا هذه الخريدة الفريدة في هذا الثوب القشيب.

على أننا أمام نص حداثي من حيث التقنيات المستخدمة في السرد من إرتدادات زمانية وتعددات صوتية والأهم من هذا وذاك ،تلك اللوحات التجريدية والفنتازيا الراقية التي جمعت بين المعقول وضده وبين ماهو ماضٍ منقول ومستقبلٍ مُستشرفٍ مأمول.البعض يضع النص في خانة

السودانوية البحته والآخرون يرون فيه طلاقة العموم وحسب،أقول :إن النص قد زاوج بين الكونية الأزلية والسودانية المحضة والأخوة الإنسانية.

أسماء المناطق سوبا ،المندرة،مدوي التي هي مروي وغيرها يضعنا في الفضاء المحلي الي أن تتجلى أسماء أخري وديانات وملل وطوائف لتمنحنا تلك الصورة من الأعلى.

أقتبس من النص:” ناصر أوباب أول من تزوجني، أهداني ناقته التي ذبحتها في زواجي من الكردفاني ،قلت لأوباب لك نصف جسدي ونصفه  أفعل به ما أشاء وشئت أن أتزوج بهذا النصف أربعة من ذوي الصدور العارية والبطون الضامرة،كثيراً ما أنسى أسماءهم  فقط أتعرف عليهم عندما ينادونني فأنا مسمى لكل واحدٍ منهم مرة فريود ومرة فردوس وأخرى فافا وعند أوباب آيشا” ألا يرمز أولئك الأزواج الخمسة إلى مكونات السودان الإثنية والمرأة الى الوطن.

حملت فصول الرواية الأربع أسماء مجنّحة ذات دلالات عميقة مثال لذلك حفيف أجنحة الصخور ربما استلهمه الكاتب من نص سفر أشعياء الإصحاح الثامن عشر:

من وراء أنهار السودان من تلك الارض التي يسمع منها حفيف الاجنحة، من هنالك جاء الرسل خفافا سراعا في النيل على مراكب من البردى، أيها الرسل الخفاف خذوا هذه الرسالة وعودوا إلى أرضكم التي تجري خلالها الانهار، إلى

قومكم طوال القامة، ذوي البشرة الناعمة، الاقوياء الاشداء المهابين من جميع شعوب الارض”. وطريق النهر ربما أشار من طرف خفيّ إلى رحلة نبي الله موسى والرجل المعلَّم المعلِّم الذي تذهب بعض التفاسير أنه الخضر عليه السلام.

جاءت بداية الرواية محتفية بالوجوه المحروقة وأصحابها ولابد أن نستصحب معلومة هامة وهي أن كوش تعني أرض ذوي الوجوه المحروقة عند الإغريق إذن فالمكان هو السودان والزمان ماقبل ميلاد السيد المسيح لتنداح بعد ذلك أحداث الرواية ويتوالى ظهور أبطالها الكثر واحداً تلو الآخر.تصعد الرواية وتهبط سلّم الزمن وفي كل مرة تستصحب مشكلات إجتماعية أو إنسانية أو تكوينية وتطرح لها حلولا غير مباشرة من خلال أبطال الرواية مثل مشكلة الإغتصاب الجسدي التي عانى منها استيفانوس ومافعله صديقه مدّثر إزاء ذلك وربما نلمح ثمة علاقة بين ذلك الإغتصاب وبين هضم حقوق عانى منه بعض أفراد الشعب كثيراً.إذاً فقد طرحت الرواية عديداً من المشكلات مثل الهوية،الطبقية،الجندرية، ختان الإناث، الكهنوت وغيرها.

مارخدر الشخصية المحورية حمّلها الكاتب كثيرا من السيمياء والحمولات فهما رجلين (مارجرجس القديس ونبي الله الخضر) ،يتبادلان ألوان البشرة كما يتبادلان العمه والإبصار وبالتالي القيادة والإنقياد،وهما لا يفرقان في

مايبذلا من بركة أو كرامة بين ملة وأخرى وفي ذلك دلالة مستبطنة لمقولة” الدين لله والوطن للجميع”.ربما كان مارخدر هو نفسه ودالموية وبخيت وكأني بالراتب يريد قول أن لكل زمان مارخدر خاص به وفق مايقتضيه الحال.

البطولة في النص جماعية بامتياز والزوايا تنفتح وتنغلق والمشهدية تقترب وتبتعد كل ذلك في تناغم بديع ولغة ساحرة وكيمياء إكسيرية.ومثلما كان البعد الإفريقي حاضراً في البدايات، نرى البعد العربي متمدداً في الفصل الثالث كأن الكاتب أراد أن يقول بتفرد السودان الوجداني ذلك الذي قال به نفر من قبل في ماعرف بمدرسة” الغابة والصحراء” أمثال النور عثمان أبكر ومحمدالمكي إبراهيم.

جاءت الخاتمة مفتوحة كما يجب وحق لها ذلك فمثلا هذا العمل الأدبي الرفيع لايحتمل النهايات المغلقة.

أريد أيضاً الإشارة لجمال المفردات وبديع الإستعارات وعميق المجازات كما أشير الى اللفتة البارعة في أن تضبط بالشكل حرفاً حرفاً كما لاحظت قلة الأخطاء الإملائية والنحوية بشكل كبير.

إن كان لي من إستدراك فهو أن النص مركب وصعب وذو مستويات عدة في خطابه وربما كان هذا أيضاً من مزايا. عموماً النص يعتبر في نظري علامة فارقة في مسيرة الرواية السودانية وأرشحه لكبريات الجوائز العالمية فهو يستحق ذلك

الأستاذ الروائي/ عمر الصايم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا