في العصر العباسي
بقلم الدكتورة :ايمان التميمي
مرقد السيدة زبيدة او جامع زمرد خاتون، من المراقد الأثرية القديمة في العراق، ويقع في مقبرة الشيخ معروف في جانب الكرخ من بغداد القديمة وهو بناء مرتفع موغل في القدم، يصارع المباني الجديدة رافضا التنحي عن مكانه رغم هجرة أغلب السكان من حوله .
يحوي المكان قبراً ينسب خطأ إلى السيدة زبيدة أو زمردة خاتون زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد وحفيدة مؤسس الدولة العباسية أبو جعفر المنصور ووالدة الخليفة الأمين وأسمها الحقيقي أمة العزيز بنت جعفر بن أبي المنصور، بيد ان المصادر التاريخية تذكر إنها ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد بل هو مرقد السيدة زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي، وزوجة المستضيء بأمر الله، المتوفاة (عام 599 هـ/ 1202م)، وبالقرب منها قبر عائشة خاتون والدة أحمد باشا والي بغداد وزوجة حسن باشا الوالي في العهد العثماني.
وقد تم بناء مسجد بالقرب من القبر خصص للصلاة على الجنائز ،عرف باسم مسجد السيدة زبيدة أو مسجد زمرد خاتون ،تحيط به قبور لعلماء من العصر العباسي وما بعده، ورمم وطور بناء الضريح عدة مرات من بينها وفقا لما دون في إحدى زواياه عامي( 288 و599) للهجرة فيما كتب على باب الضريح عبارة: “الوزير غياث الدين رشيد الدين قد جدد عمارة الضريح المبارك في سنة(735هـ ـ1334م) وهو ما جعل الباحثين يستنتجون ان المكان تم ترميمه أكثر من عشرون مرة منذ الحقبة العباسية ولغاية العام 2000م.
كان المسجد واسع البنيان يحوي قبة مخروطية الشكل بديعة المنظر شاهقة الارتفاع تقوم على ثمانية اضلاع على الطراز السلجوقي في العمارة ظاهرها على هيئة ثمر الصنوبر وباطنها تحفة فنية من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الدولة العباسية، وتعتبر مئذنة المسجد التي بنيت في وقت سابق من قبل السلاجقة في القرن الثاني عشر، من أقدم المآذن في بغداد وكان من المعروف ان زمرد خاتون قد شيدت لنفسها مشهداً قبل وفاتها وألحقت به مدرسة وأوقفت عليهما اوقافاً كثيراً، ووصف بناء المسجد بانه كان متيناً جداً لأنه شيد بالطابوق والجص وكسيت جدرانه من الداخل بالجص أيضًا، لذلك قاوم عوامل التخريب وظل شاخصاً إلى يومنا هذا، اما المدرسة فقد اندثرت ولم يبق من آثارها شيء، ولهذا يعد هذا الموقع فريداً في شكله، جميلاً في مظهره، متميز بتقنيته وعناصره المعمارية والزخرفية النادرة.
تعد قبة هذا المسجد من اجمل القباب المخروطية في العراق، وهي تجسيد للفن العراقي، فهي تجمع بين العناصر المعمارية والزخرفية ،وتمثل نقلة نوعية في فنون العمارة بين الأجيال السابقة واللاحقة لهذا الفن الأصيل ، يتكون المبنى من قاعة مركزية مثمنة من الداخل والخارج يبلغ طول ضلعها سبعة امتار وخمس وستون سنتمترا من الخارج، وترتفع بمقدار ثمانية امتار وثلاثون سنتمترا ،وجدرانها سميكة جدا تزيد في اسفلها على ثلاثة امتار، ويبلغ الارتفاع الإجمالي للمبنى حوالي اربعة عشر مترا ونصف المتر.
اما المدخل فهو يتوسط أحد اضلاع القاعة الشمالية وينفتح عليه من الجهة اليسرى بوابة فيها سلم يقود إلى السطح من داخل الجدران، وقد الحق به بناء مستطيل به غطى المدخل وكون دهليزا يتصل بالباب الاصلي.
استخدم الآجر كمادة انشائية اساسية في القوام الانشائي، سواء للقاعة المثمنة السفلية، ام للقبة المخروطية في الأعلى، اذ كسيت جدران القاعة بالجص من الداخل ،و تركت الجدران الخارجية ذات الزخارف والتي غلبت عليها الاشكال الهندسية دون طلاء ، وثمة طاقتان غير نافذتين في سطح كل جهة من اوجه القاعة المثمنة تنتهي بأعلاها نجمة ذات ستة عشر رأسا بها مقرنصات إسلامية.
وقد زينت جدران البناء من الخارج بحنايا ذوات عقود مدببة مطولة لا تغور كثيراً داخل الجدران وترتفع إلى مستوى معــين من بدن الغرفة ويبلغ عددها اثنــتين في كل ضلع، وتخـلو بواطن هذه الحنايا من التشكيلات الزخرفية ولكن يعلوها صف من اشكال مستطيلة منخفضة قليلاً عن مستوى وجه الجدار وعددها اثنان في كل ضلع، وفيها تشكيلات زخرفية دقيقة محفورة على الاجر، اما جدران الغرفة من الداخل فخالية من أية تشكيلات معمارية أو زخرفية عدا حنية المحراب التي تقابل المدخل تماماً ،وتقوم على الغرفة المذكورة قبة مقرنصة مخروطية يبلغ ارتفاعها ثلاثة عشر مترا وثلاثون سنتمتر.
استخدم المعمار المقرنصات للحصول على هذا الشكل المخروطي المقبب من الخارج والمكوّن من حنايا ذوات عقود مدببة مائلة أو بارزة إلى الامام من الداخل. ويبلغ عدد صفوف المقرنصات من الداخل اثني عشر صفاً صممت الثلاثة الأولى من الأسفل بتقنية خاصة، أما الصفوف التسعة التالية فيتألف كل صف منها من ست عشرة مقرنصة أو حنية تميل إلى الداخل كلما ارتفعت إلى الأعلى وتنتهي بشكل نجمة ثمانية ترتفع فوقها قبة ثمانية أيضًا يتوجها رأس مخروطي مدبب، ويُشغل كل ضلع من داخل المئذنة بثلاث حنايا أو مقرنصات، الوسطى منها عريضة نسبياً ولا يبرز عقدها إلى الأمام ويحيط بها من اليمين واليسار مقرنصة أو حنية مسطحة ذات عقد مدبب مطول يبرز إلى الامام، وتتكرر هذه التشكيلة ثماني مرات وتصبح كل من المقرنصتين الضيقتين متجاورتين، وتكون رؤوسهما قاعدة المقرنصة في الصف الثاني والتي برز رأسها إلى الأمام أكثر من بروز رؤوس الحنايا في الصف الأول. وتتبادل هذه الحنية مع حنيتين أو مقرنصتين مجوفتين يكون تجويفهما امتداداً للحنية الرئيسية في الصف الأول، اما الصف الثالث فمقرنصاته مرتبة بشكل معين ناتج عن تقاطع عقدين تنشأ عنهما وحدة من ثلاث مقرنصات وتتكرر بشكل دائري.
يبلغ عدد صفوف المقرنصات من الخارج تسعة فقط، وثمة أربع نوافذ في الصف الأول من المقرنصات يشغل كل منها تجويفاً من تجويفات الحنايا، فضلاعن ذلك هناك فتحات دائرية أخرى تشغل قمة كل حنية من الصفوف التالية، الغرض منها ادخال النور إلى داخل التربة.
تتكون الزخارف التي تشغل بطون المستطيلات من حشوات هندسية ذات زخارف نباتية حفرت تفريغاً على الطابوق، وتتنوع الاشكال الهندسية فتضم معينات وأشكال نجوم مثمنة ومثلثات ومربعات ومستطيلات وأشكالاً أخرى رتبت في اوضاع جميلة ضمن تشكيلة تتلاحم فيها هذه الاشكال مع اشكال أخرى نتجت عن التفنن في صف الطابوق غير المزخرف بأوضاع مختلفة، وتتألف الزخارف النباتية هنا من اغصان تلتف وتلتوي لتتكيف مع الاشكال الهندسية التي تؤطرها وتنتهي بمراوح وأنصاف مراوح نخيلية.
وتعد هذه الزخارف النباتية المحفورة تفريغاً والمتلاحمة مع الاشكال الهندسية المعمولة من التفنن في صف الطابوق هي مثال جيد لما وصل اليه هذا الفن في العمارة البغدادية التي تعود إلى نهاية القرن السادس الهجري، وهو الفن الذي بلغ اوج عظمته في النصف الأول من القرن السابع الهجري النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي كما هو واضح في التشكيلات التي تزين أجزاء واسعة من جدران المدرسة المستنصرية.
لا يفوتنا ان نذكر ان المكان بصورة عامة ذو طبيعة صوفية حيث توجد عبارات لكبار متصوفة بغداد آنذاك تحيط بالمكان ، بينما تغطي مداخل وجدران الضريح عبارات اختص بها المتصوفة دون غيرهم من المذاهب الإسلامية ،وكانت النسوة في بغداد يعتبرن المقام أو الضريح مكاناً مباركاً يفدن إليه من كل مكان للتبرك والدعاء وكثير منهن يفدن لطلب الذكور إذا كن حوامل فيما نسجت حوله القصص التراثية والفلكلورية وحوله اقيمت حلقات الذكر.
اصبح ضريح الست زبيدة بعد عام ٢٠٠٣ مكانا مهجورا، لكن المكان يفتخر بأنه عاصر كل غزوات الغرب والشرق على بغداد دون تنحيته من مكانه منذ غزو التتار الى وقتنا الحاضر .
المراجع
- عباس العزاوي، موسوعة تاريخ العراق بين إحتلالين، ج5، ص231-232.
- مصطفى جواد وأحمد سوسة، دليل خارطة بغداد المفصل في خطط بغداد قديماًوحديثاً،ص171،17.
- الرحيم ،د. عبد الحسين مهدي ،الخدمات العامة في بغداد ،ص164.
- ديوان الوقف السني في العراق، دليل الجوامع والمساجد التراثية والأثرية، ص 86 .






