
دكتورة / إيمان التميمي
احد اصغر المساجد في الاندلس واقدم المعالم الاثرية هناك ، مقارنة مع باقي المباني التي شيدت فيها ،والذي لم يسعد بإقامة الصلاة فيه لمدة طويلة، فقد تم بناء هذا المسجد في ظل حكم بني امية في الاندلس سنة(309هـ/999م) ، وهو الاثر الوحيد الباقي من المساجد التي خلفها المسلمون هناك ،وما يفتقر اليه هذا المسجد من المساحة يعوضه بالجمال والروعة في البناء ، فهو يمتلك جميع مقومات العمارة الاسلامية في الاندلس ،وقد تم تحويله الى كنيسة سميت كنيسة نور المسيح، والتي تعد من نماذج الفن المعماري في عصر المدجنين* في الاندلس.
يقع هذا المسجد في حي سان نيكولاس في مدينة طليطلة في اسبانيا ،والتي تشمخ عند مرتفع تحيط به اودية عميقة ،ولهذه المدينة اهمية تاريخية من حيث تنوع المشاهد فيها ،فيرى الناظر اليها الازقة الضيقة والشوارع المرصوفة بالحصى التي تضم بين جنباتها الموروث الثقافي والحضاري للبلاد ، وما نتج عن اندماج من تأثير الديانات الثلاث التي عاشوا فيها جنبا الى جنب، بسلام فضلا عن نشاط حركة الترجمة فيها ،وقد لعبت هذه المدينة دورا ثقافيا في الحركة العلمية والتبادل الثقافي بين الشعوب .
والمسجد مربع الشكل على نظام الكنائس البيزنطية ، طول ضلعه ثمانية امتار، ويبرز المحراب من الجهة الجنوبية له وقد شيدت جدرانه من حجر الجرانيت والآجر الذي اختصت به مدينة طليطلة في اسلوب البناء ، كما زينت سقوفه بالنقوش والاشكال الهندسية البارزة ، وقد تم تقسيمه الى ثلاث اروقة بواسطة صفوف من الاقواس تجتمع تحت تسعة قبب مستندة الى صفوف من الاقواس عددها اثنا عشر صفا، وهذه الاقواس على شكل حذوة الفرس والتي تعد من خصائص العمارة الاندلسية وطابع الفن ذو الاصل القوطي ، وترتكز هذه الاقواس على اربعة اعمدة وسطية فيها قبة وسطية مرتفعة عن باقي القبب ،ونظام التقبيب هذا يقوم على تقاطع الاضلع المتجاورة بصور مختلفة ،فمنها ما يبدو على شكل رباعي، ومنها ما يبدو على شكل مثمن ،ومنها ما يشابه قبة جامع قرطبة في التخريم ، ويعلو هذه الاقواس نوافذ جانبية تسمح بدخول الهواء والضوء الى داخل المسجد ،مما يضفي عليها جمالا وتألقا ،ومما لاشك فيه ان هذه النوافذ كانت مغطاة بالزجاج ايام المسلمين .
اما الواجهة الرئيسية للمسجد من الخارج فهي الواجهة الجنوبية الغربية التي تطل على الطريق المؤدي الى باب المردوم ، والتي تقع بجوارها حديقة صغيرة مهملة ومساكن متواضعة ، وهي تتكون من ثلاث مستويات ،الاول منها يحتوي على الابواب الثلاثة للمسجد بداخل كل منها باب اصغر على هيئة عقد مستدير ،وفي المستوى الثاني نجد الاقواس العمياء المتعانقة التي هي على شكل حذوة الفرس ،اما المستوى الثالث فيتكون من مشربية مبنية من الآجر الذي خط عليه تاريخ وسنة انشاء المسجد بالخط الكوفي وكتب عليه :”اقام هذا المسجد احمد بن حديدي من ماله الخاص ابتغاء ثواب الله وتم البناء على يد موسى بن علي البناء في سنة تسعة وثلث مئة ” .
اما الواجهة الداخلية للمسجد فهي تطل على صحن المسجد المؤلف من ثلاث عقود متجاوزة تعلوها ستة اقواس يتناوب فيها اللونين الابيض والاحمر نتيجة لتعاقب قوالب الحجر والآجر المبنية منه .

ومن الجدير بالذكر ان اسم هذا المسجد ماخوذ من بوابة باب المردوم التي هي احد المداخل الرئيسية لمدينة طليطلة والتي تم بناءها في القرن العاشر ،وهي اقدم بوابة في المدينة ويقع المسجد بقربها واخذ اسمه منها ،على ان لا يفوتنا ان نذكر ان باني هذا المسجد هو احد افراد اسرة حديدي المشهورة هناك والتي هاجرت في العصر الفاطمي الى مصر .
المصادر
⦁ الدكتور السيد عبد العزيز سالم ، تاريخ المسلمين وآثارهم في الاندلس من الفتح العربي الى السقوط ،دار النهضة العربية،ط2 ،1986م ،ص402-404.
⦁ عنان، محمد عبد الله ،الاثار الاندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال .
⦁ مؤنس ،حسين ،رحلة الاندلس وحديث الفردوس المفقود .
*يطلق اسم المدجنين على المعماريين والفنيين من المسلمين الذين بقوا في الاندلس وعملوا مع الملوك النصارى وتعتبر مرحلة المدجنين من المراحل الهامة في تاريخ الاندلس






