الدكتورة :ايمان التميمي

يقع هذا المسجد في الاندلس فوق بقعة صخرية نهاية جنوب غرب غرناطة على مقربة من القنطرة العربية القديمة المقامة على نهر الوادي الكبير ،تحيط بهذا المسجد الدروب الضيقة من جوانبه الاربعة ،وتبدو على جدرانه الخارجية آثار القدم ،ولكن فناءه شاسع من الداخل ويوصف بالروعة والابداع ،جمع في عمارته الطراز الاسلامي ،والقوطي والعمارة المغربية الباروكية وعصر النهضة .

يشغل الجامع مسطحا كبيرا يبلغ طوله مائة وثمانون مترا ،وعرضه مائة وخمسة وثلاثون مترا ،وبذلك تكون مساحته اربعة وعشرون الف وثلاثمائة مترا مربعا، وهذا الجامع اندلسي المظهر والطراز بمعالمه ونوافيره واشجاره ،وعدد الاديار الموجودة فيه على الطراز القوطي ،ويتم الدخول الى هذه الاديار من الباب الرئيسي المجاور للمنارة والمسمى باب الغفران التي يبلغ ارتفاعها سبعة امتار ،فضلا عن هذا الباب الرئيسي فأن للجامع تسعة عشر بابا فخمة تؤدي كلها الى فناء جميل يعرف بفناء النارنج او البرتقال الواقع شماله ، وهو فناء واسع مستطيل الشكل يكاد يبلغ ثلث رقعة مساحة الجامع ،وهو مزين بعدة نوافير، غرست في وسطه وعلى جوانبه اشجار البرتقال والنارنج لذلك سمي بهذا الاسم ، تدخل مساحة هذا الفناء المكشوف ضمن المساحة الكلية للجامع ، وهذا الترتيب للأشجار والنا فورات تقليد اسباني قديم متبع في سائر المساجد الجامعة والتي حولت فيما بعد الى كنائس.

يذكر المقري في نفح الطيب عن عدد ابواب المسجد : ان للمسجد عشرون بابا في الجانب الغربي منه تسعة ابواب منها باب كبيرة للنساء تقودهن الى مقاصير هن ،وفي الجانب الشرقي منه تسعة منها ثمانية لدخول الرجال ،وفي الجهة الشمالية ثلاثة ابواب اثنان كبيرتان منها لدخول الرجال وواحدة لدخول النساء وهذه الابواب ملبسة بالنحاس الاصفر باغرب صنعة .

ابتدأ بناء هذا المسجد سنة( 170 هـ/ 784م) من يد صقر قريش عبد الرحمن الداخل الذي انفق على عمارته مائة الف دينار وعرف بمسجد قرطبة و المسجد الكبير وجامع قرطبة وسمي بهذا الاسم بسبب ان المسلمين بعد ان فتحوا قرطبة اقاموا صلواتهم بجوار الكنيسة وبمرور الوقت ابتنوا هذا الجامع الذي تتابع الامراء والخلفاء العناية به وتوسعته ،وكان موضعه كنيسة للغوط ،اراد ان يكون موضعها مسجدا من اعظم مساجد الاندلس وافخمها ،فجلب اليها اعمدة الرخام من أربونه واشبيلية وقسطنطينية قيل ان عددها يبلغ ثمانمائة عمود ، ومقسم الى احد عشر رواقا تضم عشرة صفوف من الاقواس يضم كل منها اثنا عشر قوسا ترتكز على تلك الاعمدة الرخامية التي تمتد على الجدار الخلفي للجامع وهذه الصفوف تتالف من طبقتين من الاقواس علوية وسفلية ،الاقواس السفلية منها على شكل  حذوة الفرس والعلوية تنتقص قليلا على شكل نصف دائرة تحمل سقفا منبسطا يرتفع عن الارض بحوالي تسعة امتار ونصف ، وبينها اقنية عميقة مبطنة بالرصاص ،وقد تزينت واجهات المحراب بالكتابات التي يصعب فهمها .

بعد وفاة الداخل اهتم بامر اكمال الجامع من بعده  ولده هشام ،وانشأ به منارته الاولى ،وزاد فيه ولده عبد الرحمن بن الحكم بهوين جديدين من ناحية القبلة :اي من الجهة الجنوبية للقبلة ، ثم قام بتجديده الامير محمد بن عبد الرحمن ،وانشأ به مقصورة ضخمة كانت الاولى من نوعها في مساجد الاندلس وفي عهد ولده عبد الله انشأ الساباط * الذي يوصل بين القصر والجامع ،وهو ممر مسقوف مبني فوق عقد كبير يفضي الى القصر وعلى مقربة من المحراب .

جدد عبد الرحمن الناصر واجهة الجامع فقام بهدم منارته القديمة ،وأنشأ مكانها مأذنة جديدة ارفع واضخم من التي هدمها سنة( 340هـ/ 961م) وكانت منارة الناصر مربعة الواجهات على هيئة برج ضخم له شرفتان للآذان ،لها اربعة عشر شباكا، كما احتوت سلمين احدهما للصعود واخر للنزول ،وفي اعلى هذه المنارة ثلاث تفاحات اثنتان من الذهب والثالثة من الفضة ،بحيث اذا ارسلت الشمس اشعتها عليها ، تخطف الابصار ببريقها ولمعانها .

لما جاء ولده الحكم المستنصر زاد في الجامع زيادات كثيرة ،فابتنى المحراب الثالث ،الذي استغرق بناءه اربعة اعوام ، وعمل على هذا المحراب قبة فخمة زخرفت بفسيفساء بديعة ،كان قد استقدم لعملها خبيرا في اعمال الفسيفساء للعمل بها ،كما أنشأ مقصورة جديدة بها قبة على الطراز البيزنطي ،وابتنى الى جانب الجامع دارا للصدقة واخرى للوعاظ وعمال المساجد .

وفي عهد المنصور بن ابي بكر بن عامر (الحاجب المنصور ) حولت المنارة التي بناها عبد الرحمن الناصر الى برج فيه اجراس ،وزاد في مساحته  من الناحية الشرقية زيادة كبيرة ،واقام بمحاذاته من شماله الى جنوبه على رقعة شاسعة تكاد تعادل المساحة الاصلية للمسجد جامعا جديدا راعى فيه التماثل والتطابق مع الصرح القديم سنة( 377هــ/  987م) ،وبذلك تضاعف حجم الجامع ،وبلغت عدد سواريه ما بين صغيرة وكبيرة الف واربعمائة وسبعة عشر ،وبلغ عدد الثريات المعلقة فيه مائتان وثمانون ثرية . 

 وهكذا تعاقب الامراء والخلفاء في توسيع هذا الجامع وتجميله حتى غدا برقعته الشاسعة وسواريه وابوابه البرونزية ومحاريبه الضخمة وزخارفه البديعة من اعظم مساجد العالم الاسلامي .

كان جامع قرطبة فضلا عن وظيفته الدينية كمسجد الامارة ،مسجد الخلافة الرسمي ، واتخذ مركزا لبعض المهام الكبرى التي كانت تؤخذ فيه بيعة الامير او الخليفة الجديد ،كما كانت تعلن من فوق منبره عظائم الحوادث ،وتقرأ الاوامر والاحكام الخلافية الهامة منه ،ويعقد به مجلس قاضي القضاة ، فضلا عن كونه مركزا لجامعة قرطبة الشهيرة التي جعلت من كان جامع قرطبة فضلا عن وظيفته الدينية كمسجد الامارة ،مسجد الخلافة الرسمي ، واتخذ مركزا لبعض المهام الكبرى التي كانت تؤخذ فيه بيعة الامير او الخليفة الجديد ،كما كانت تعلن من فوق منبره عظائم الحوادث ،وتقرأ الاوامر والاحكام الخلافية الهامة منه ،ويعقد به مجلس قاضي القضاة ، فضلا عن كونه مركزا لجامعة قرطبة الشهيرة التي جعلت من قرطبة اعظم مركز للدراسات العلمية المميزة في المغرب .

 قال عنه المؤرخون: ليس في دار الاسلام اعظم من هذا المسجد، ولا اعجب منه بناء ولا اتقن منه صنعة ، ووصف رخامه بأنه منقوش بالذهب واللازورد في اعلاه واسفله .

المصادر

  1. المقري، احمد بن علي (ت1041هـ) ،نفح الطيب في غصن الاندلس الرطيب ،تح :احسان عباس ،دار صادر ،بيروت ،2004م،ج2،ص545.
  2. الحجي ،عبد الرحمن ،التاريخ الاندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة ،دار القلم ،دمشق ،ص323.
  3. عنان ،محمد عبدالله ،الاثار الاندلسية الباقية ،ص20.

*  الساباط :هو ممر مسقوف او رواق كان يصل القصر بالمسجد المجاور  .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا