بقلم الدكتورة :ايمان التميمي / العراق

يعد جامع الخلفاء احد معالم بغداد التاريخية التراثية والاثرية ، وهو اكبر ثلاثة جوامع  فيها ، بناهُ الخليفة المكتفي بالله العباسي عام (289-295هـ/ 902-908م) ،لكي يكون المسجد الجامع لصلاة الجمعة في شرقي القصر الحسني، وكان يعرف بجامع القصر، ثم أطلق عليهِ اسم جامع الخليفة، وسمي بجامع الخلفاء في الفترة الأخيرة من الخلافة العباسية، وكان الجامع الرسمي للدولة تقرأ فيه عهود القضاة ،وفيه يُصلى على جنائز العلماء والاعيان ،وتعقد فيه حلقات العلم للفقهاء والمحدثين وتجري المناظرات العلمية فيه ،كما تزدهر في رحبته مظاهر الحياة الاجتماعية والتجارية لأهل بغداد .

يقع الجامع  في جانب الرصافة من بغداد، وتعتبر مأذنته من المآذن التاريخية والمتميزة بعمارتها الهندسية النادرة ، وهي الأثر المعماري الباقي من دار الخلافة العباسية ومساجدها، وقد بنيت هذه المنارة قبل أكثر من سبعة قرون، اي ان عمرها يمتد الى اكثر من 1200عامأ،  وهي مبنية من الآجر فقط، وتبدو النقوش المحيطة بالسطح الدائري بأشكالها المعينية البسيطة، كما لو كانت قد صففت لتبرز من خلال الظلال المتباينة في الخط الآجري، ويمكننا تقسيم الزخارف الموجودة في المأذنة الى اربعة اقسام  هي الزخارف الهندسية ،والنباتية ،والمقرنصات، والكتابات .

تشبه مأذنة هذا الجامع في تصميمها مأذنة بسطام في ايران ،ومأذنة ذي الكفل ، بيد انها تعتبر اعلى منارة في بغداد كلها حيث يمكن رؤية بغداد كلها من اعلاها ،والتي عرفت بمنارة سوق الغزل كون هذا الجامع يقع في هذا السوق ،الا انه يعرف في الوقت الحالي سوق الشورجة .

تتألف مأذنة الجامع من قاعدة مضلعة تمتد تحت سطح الارض يبلغ محيطها عشرون متراً ونصف ، وهي تتكون من اثني عشر ضلعا متساوية جميعها عرض كل منها مترا واثنان وسبعون سنتمترا، واما ارتفاع القاعدة عن الارض لا يمكن تحديده بدقة بسبب اختفاء جزء منها تحت سطح الارض ،وتظهر حول هذه القاعدة زخارف بديعة تقوم فوقها مقرنصات ،تحمل شرفة الآذان وهي مضلعة الشكل على غرار القاعدة ،ولهذه القاعدة سور او جدار يترك بينه وبين المأذنة فراغ او ممر لوقوف المؤذن فيه مقداره اقل من المتر ،وارتفاع هذا السور حوالي المتر وربع المتر ،وهو مزين من الخارج بزخارف هندسية وفوق شرفة الآذان يقع بدن المأذنة وهو اسطواني الشكل يبلغ ارتفاعه حتى قمة المأذنة حوالي ستة وعشرون متراً، ويزين بدن المأذنة بزخارف تبدأ اسفلها وتنتهي الى اعلى البدن بشريط كتابات بالخط الكوفي تدور هذه الكتابات حول المأذنة وتحتوي كذلك على سلمين يصلان الى حوض المنارة العليا ولا يلتقيان، ولهذين السلمين بابين اسفل المنارة ، وآخران في اعلاها ،وتوجد اسفل المئذنة اربع طبقات من المقرنصات التي تدعم اضلاعها  الاثني عشر ،كما تعلوها خمسة طبقات من المقرنصات التي تبرز جمال هذه المنارة ،وهناك طرق زخرفية مستخدمة في تزيين هذه المأذنة يقوم على تقطيع الآجر المكون منها بأشكال هندسية تؤلف مع بعضها نجوما سداسية الشكل بصورة لانهائية ،وهذا ما موجود في الشريط الزخرفي اسفل المئذنة واعلاها وفي قاعدتها ايضاً، كما ان هناك زخارف حصيرية تكسو البدن وهذه الزخارف موجودة ايضا  في رأس المأذنة وهي بسيطة الترتيب  بحيث  تتعاقب فيها القطع الصغيرة المربعة مع القطع  الاخرى البارزة بنفس الحجم والشكل وهي مصفوفة بين قطع الاجر المستطيلة والمرتبة وفق نظام ،بحيث تكون اشكالاً متدرجة الحافة تشبه مربعاً كل ضلع فيه يمتد الى الخارج بشكل مروحي .

اما المقرنصات ذات الكتل البارزة والغائرة والاقواس والحنايا والموجودة في المأذنة ، فأن الآجر المستخدم فيها تم تقطيعه ونحته بموجب الاشكال المطلوبة وحسب ما اقتضته ضرورة الشكل او الاجزاء التي يكون فيها.

ومن المفيد ان نذكر ان الطرق الزخرفية المهمة المستخدمة في هذه المأذنة هي طريقة حفر العناصر الزخرفية على سطح القطعة الاجرية لاسيما بالنسبة للأشكال النباتية الموجودة فيها بحيث تكون بارزة وارضيتها غائرة وهذا ما استخدم في باطن الاشكال والمضلعات الهندسية في قاعدة المأذنة او بواطن المقرنصات اوفي الاشرطة او الاطارات الفاصلة او المحيطة بالزخارف الاخرى .

بقيت المأذنة على حالها دون تجديد حتى بعد دخول المغول الى  بغداد واحتراق الجامع ،وفي سنة (670هـ/1271م) امر علاء الدين ملك عطا الجويني صاحب الديوان بتجديدها ،فتم بنائها ،لكنها سقطت بعد شهر من ذلك ،ثم جرت محاولات احرى بعد سنوات ،ولكن هذه المرة تم تدارك  الاخطاء السابقة ،فاتقن العمل واحكم البناء ،وتمت العمارة للمئذنة سنة (678هـ/1279م)،وجاء اعمارها غاية في الروعة والجمال ومن حسنها وجمالها زارها الرحالة ابن بطوطة وذكرها في رحلته عند زيارته الى بغداد سنة( 727هـ/1327م) ،وتغنى بها الشعراء ولعل من اجمل ما قرأت  من وصف كلمات للشاعر عبد القادر بن عبد الله البزاز العبادي المعروف بعبد القادر شنون المتوفى سنة 1910م والذي قال عن الجامع ومأذنته  :

عج بالرصافة وابك ربعها البالي           وقف بجامعها ان كنت ذا بال

وانظر بعينيك في اطراق           لساحته هلا تجد اثراً من شامخ عالي

فذي منارته في الجو شامخة          كم اخبرت عنه في قيل وفي قال.

تعددت اصلاحات وترميم هذا الجامع فيما بعد ،ففي عام 1964م ،احدثت زيادات فيها فقد ،تم بناء حرم للصلاة مثمن الشكل يعلوه قبة مزخرفة بالخط الكوفي ،يبلغ ارتفاع هذه القبة حوالي سبعة امتار بالإضافة الى الارتفاع الاساسي للبناء والذي يبلغ حوالي اربعة عشر متراً، ويؤدي الى هذا المصلى ثلاثة اروقة ،وتم طلاء السطح الخارجي للقبة باللون الاصفر ليتناسب مع لون المأذنة الاصلي ،بالإضافة الى تغطية قاعة الحرم بتدريجات اللون نفسه وترتيبها بأشكال هندسية مختلفة .

يحيط بالجامع من الخارج سياج من حديد جميل الصنع طلي باللون الاسود ونقش بالخط الديواني آيات من القران الكريم ،ويعد اية من آيات الفن والابداع في هذا المجال ،فقد طلب الشيخ جلال الدين الحنفي من شيخ الحدادين آنذاك في بغداد وهو عبد الامير الحداد ان يصنع هذا السياج ليليق بهذا الجامع وقد استطاع هذا الحداد ان يلين الحديد ويطوعه رغم انه لا يعرف القراءة والكتابة ،وان يزخرف عليه الآيات القرآنية ليجعله بالشكل الرائع  والمميز الذي مازال قائما الى يومنا هذا ،والذي لا يوجد له مثيل في اي جامع من جوامع العالم الاسلامي .

المصادر

  1. ابن الاثير، الكامل في التاريخ ،حوادث سنة ( 479هـ/1074م)
  2. الالوسي، محمد شكري، تاريخ مساجد بغداد واثارها، مطبعة دار السلام.
  3. د. خالد خليل حمودي ،جامع الخلفاء ومأذنته دراسة تاريخية، مجلة كلية الآداب العدد87،ص342-354.
  4. محمد مكية ،جامع الخلفاء في بغداد تحفة معمارية
  5. د. يونس السامرائي ،مساجد بغداد ،ص19-22.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا