تعد المئذنة الملوية مع المسجد الجامع في مدينة سامراء ، من اهم الآثار التاريخية ومن ابرز المعالم في عهد دولة بني العباس ، والتي ماتزال آثارها شاخصة لحد الان تقاوم عوامل الزمن .

تقع هذه المدينة على بعد مائة وعشرون كلم شمال مدينة بغداد عاصمة العراق على ضفاف نهر دجلة، والتي بناها الخليفة المعتصم بالله ، الذي يُقال إنه انتقل اليها هرباً من الصراع مع السكان المحليين في بغداد، وبقي هناك لمدة ست وخمسون عاما وخلال إقامته في المنطقة، بنى العديد من القصور والأبنية بما في ذلك المسجد الكبير الذي كان في يوم من الأيام أكبر مسجد في العالم، وبسبب جمال أبنيتها وقصورها، أصبحت المدينة تسحر الناظرين، فصار اسمها “سُرَّ من رأى”، بيد ان مدينة سامراء لم تدم أكثر من مائة وخمسون عاما ، و حكم بها ثمانية خلفاء من العباسيين وهم ( المعتصم بالله – المنتصر بالله – الواثق بالله – المتوكل على الله – المستعين بالله – و المعتز بالله -و المهتدي بالله و المعتمد بالله) الذي هجرها حوالي سنة ( 296ه/889 م ) ، فقد نمت بسرعة وانتهت بسرعة هائلة أيضا.

 تعد مئذنة سامراء من المآذن الفريدة من نوعها بين مآذن العالم الاسلامي ومختلفة في طرازها المعماري كونها بنيت على شكل حلزوني من مادة الجص والطابوق الفخاري ،وقد استخدم في بناءها اسلوب جديد من أجل الإسراع في عمليات البناء ، فقد عملت الزخارف التي تكسو حيطان المباني من الجص  وهذه الزخارف الجصية يتم عملها بواسطة قوالب خشبية يتم الضغط بها على البياض قبل أن يجف للحصول على الزخارف المطلوبة ، و يقسم مؤرخو الفنون زخارف سامراء إلى ثلاثة طرز: هي الاول  زخارف ذات أشكال قريبة من الطبيعة ، والثاني زخارف محورة ، والثالث
زخارف محورة ذات طابع تجريدي .

يبلغ ارتفاع الملوية حوالي اثنان وخمسون مترا، وتقع على بعد سبع وعشرون مترا من الحائط الشمالي للمسجد الذي تقع فيه، وترتكز على قاعدة مربعة الشكل طول ضلعها ثلاث وثلاثون مترا ،وارتفاع هذه القاعدة يزيد عن اربعة امتار بقليل ، يزين هذه القاعدة حنايا وعقود مدببة عددها تسعة ، ويعلو هذه القاعدة مبنى اسطواني مكون من خمس طوابق تتناقص سعتها كلما ارتفعنا للأعلى ،ويحيط بهذا البناء سلم حلزوني عرضه مترين  يلتف حول البناء الاسطواني الذي هو جسم المئذنة ،بيد ان بناءه بعكس اتجاه عقارب الساعة ،تبلغ عدد درجات هذا السلم ثلاثمائة وتسع وتسعون سلمة او درجة وفي نهاية البناء اي في القمة توجد غرفة صغيرة يسميها اهل سامراء (الجاون ) ، وهي مخصصة للمؤذن منها يرفع الآذان للصلاة .

جاء اسم المئذنة الملوية من شكلها الاسطواني الحلزوني ، يعتقد الكثير من العراقيين وغيرهم ان مئذنة الجامع الكبير الشهيرة بـ (ملوية سامراء) التي شيدت في عهد الخليفة العباسي المتوكل عام( 238 هـ /852 م) هي الملوية الوحيدة الموجودة في سامراء، ولكن في الحقيقة هناك ملوية (مئذنة) أخرى مجهولة تعود الى مسجد أبي دُلف الجامع شيدت في عهد المتوكل أيضاً، وذلك عام( 245 هـ/ 860م) ،وتُعد ثاني ملوية في العراق والعالم الاسلامي، وتبعد عن ملوية سامراء بحوالي سبعة عشر كيلومتراً الى الشمال منها، وتعتبر هذه الملوية صورة مصغرة للملوية الكبيرة، فهما تتشابهان الى حدٍ كبير بالتصميم الهندسي وبالشكل العمراني، بيد ان الفارق الوحيد بينهما هو ان ملوية الجامع الكبير أكبر وأضخم حجماً من ملوية مسجد أبي دُلف الجامع، إذ يبلغ ارتفاع الثانية تسعة عشر متراً، اي ان الفرق بينهما ثلاث وثلاثون مترا .

 أما تسمية الجامع بأبي دلف فإنها أطلقت عليه لما تمتع به صاحب هذا الاسم من المكانة والشهرة فهو من كبار رجال الدولة العباسية وقادتها، واسمه القاسم بن عيسى بن ادريس بن معقل بن عمير الذي عاش في زمن الخليفتين المأمون والمعتصم .

استلهمت فكرة بناء الملوية من الابراج البابلية المدرجة الأثرية في وادي الرافدين التي عرفت بـ ( الزقورات )، وشكلها الحلزوني يجعل مظهرها أكثر رشاقةً من الابراج البابلية ولذلك عُرفت بالملوية.
ان هذا الطراز المعماري المبتكر الى حدٍ ما لم يصبح مثالاً يحتذى به في تشييد مآذن المساجد لاحقاً، وذلك لخطورة إرتقاء سلالمها الحلزونية ( الملتفة حولها من الخارج ) من قبل المؤذنين لرفع الآذان في أوقات الصلاة من غرفة صغيرة في قمتها، إذ كانوا يستخدمون الحيوانات لصعودها، خصوصاً البغال منها، ويذكر بأنه في احدى المرات سقط المؤذن وهو يصعد الى الملوية.

اما المسجد الجامع الخاص بالملوية فقد بناه الخليفة المتوكل على الله بن الخليفة المعتصم بالله بين عامي (234هـ/848م- 237ه/851م) ، وهو اكبر المساجد الاسلامية وقتذاك والذي يتسع مصلاه لاكثر من ثمانون الف من المصلين ، ويقع هذا المسجد في الجهة الغربية من المدينة والذي قام بتصميمه المعماري دليل بن يعقوب، على مساحة مستطيلة من الارض تبلغ سبعة وعشرون الفا وتسعمائة وعشرين مترا مربعا، وطول مائتان واربعون مترا وعرض مئة وثمانية وخمسون مترا ماعدا الزيادة المحيطة به ، والمسجد مبني من الطوب ، والسقف من خشب مستوي يرتكز على أكتاف من الطوب في أركانها أعمدة ملتصقة ، والزخارف جصية  وله مسقط أفقي تقليدي ، يتكون المسجد من اربعة اجزاء محاطة بصحن مفتوح كان مبلطا بالآجر الاحمر تتوسط هذا الصحن المفتوح نافورة مغطاة بالرخام  والفسيفساء ، يعتقد ان هذه النافورة منحوتة من حجر كبير تسمى قصة فرعون او كأس فرعون ،يقال حملتها الافيال الى هذه المنطقة بامر من الخليفة الواثق بالله، والتي يبدو انها بنيت فيما بعد، وقد تألف المسجد من سبعة عشر رواقاً، تغطي جدرانها فسيفساء من الزجاج الأزرق الغامق استمدت فكرتها من جامع ابن طولون في القاهرة . 

 تكونت قاعة الصلاة في هذا المسجد من اربع وعشرون صفا من الاكتاف والتي تتشكل من خمس وعشرون بلاطة وتسعة اساكيب موازية لجدار القبلة  في الوقت الذي تكون فيه البلاطات عمودية على جدار القبلة ، والمؤخرة تتكون من ثلاثة اساكيب وخمس وعشرون بلاطة ايضا ، واوسع بلاطات بيت الصلاة هي بلاطة المحراب والبلاطة المقابلة له بنفس القياس وتقعان على نفس المحور وبقياس اربعة امتار وعشرون سنتمترا ، والمحراب مؤطر على شكل قوس ، وقد اسس هذا المسجد بشكل عام مرتكزا على الصخر وملئت الفراغات فيما بين هذه الصخور بالحصى والرمل الناعم وتم تشييده بمادة الطابوق والجص وفرشت ارضيته بطابوق مربع تم ترتيبه بشكل صفوف مرتبة بدقة واتقان.

اما جدران الجامع فقد تميزت بضخامتها وارتفاعها البالغ احد عشر مترا وبسمك يبلغ مترين واكثر، باستثناء الابراج التي تقع في اركان الجامع والتي هي مستديرة الشكل في حين باقي الابراج التي تحيط بالجامع والتي يبلغ عددها اربع واربعون برجا ويبلغ قطرها خمسة امتار وهي نصف اسطوانية الشكل وتجلس على قواعد مستطيلة .

تبلغ عدد ابواب الجامع ستة عشر بابا ، وترتفع هذه الابواب بحوالي ستة امتار عن مستوى سطح الارض للجامع ، وتتوج هذه الابواب نوافذ صغيرة مقوسة تزينها عقود مدببة .من اروع ما يمثل الابداع المعماري العراقي والنماذج الفريدة للعمارة الاسلامية في العصر العباسي .

المصادر:

  1. البلاذري، فتوح البلدان .
  2. ياقوت ،معجم البلدان ،ج3
  3. ابن الاثير ،الكامل في التاريخ ،ج6.
  4. د. صالح احمد العلي ،سامراء دراسة في النشأة والبنية السكانية ،شركة المطبوعات للنشر والتوزيع ،ط1، 2001م.
  5. يونس ابراهيم السامرائي  ،تاريخ مدينة سامراء ،مطبعة دار البصري ،2019م.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا