شاهدا على الإرث العربي الاسلامي العظيم في الأندلس

 بقلم :الدكتورة ايمان التميمي /العراق

كانت مدينة اشبيلية ايام الدولة الاسلامية ،اعظم المدن الاندلسية واجملها ،وقد سطع نجمها ايام ملوكها بني عباد ،وغدت ايام الموحدين مركزا للحكم مرة اخرى ،وهي من اكبر المدن الاسبانية ،يشقها نهر الوادي الكبير من جانبها الغربي ،وبها شوارع فسيحة ،وميادين تاريخية تميزها ،اجملها الميدان الجديد ،كما تزدان بالكثير من المتنزهات الجميلة وحدائق البرتقال اليانعة ،وليس في اشبيلية من الاثار الاسلامية الا القليل الذي يكاد يختفي تحت اثوابه الطراز النصراني المحدث ،بيد انها تحتفظ بدُرتين اسلاميتين فريدتين هما المسجد الجامع ومنارته ، وقصر الجعفرية الذي هو احد معالمها.

يقع قصر الجعفرية هذا الصرح الضخم شمال شرق اسبانيا ،وفي وسط مدينة سرقسطة الاندلسية، ،في منطقة بلغت غاية من الجمال ، وهو مبني على مساحة صغيرة بالقرب من  الضفة اليمنى لنهر ابرو ،وهو قصر محصن يرجع بناءه الى القرن الحادي عشر الميلادي، وترجع تسميته بقصر الجعفرية نسبة اعظم ملوك سرقسطة من بني هود وهو احمد بن سليمان بن هود الجذامي، الملقب بالمقتدر، وكنيته ابو جعفر، الذي حكم المملكة لمدة خمس وثلاثون عاما من (438-474)للهجرة.

اشتهر هذا القصر في تاريخ الفن الاسلامي باسم دار السرور، وتم استخدامه لسكن الملوك وامراء العرب من طائفة سرقسطة المستقلة ،التي حكمت للفترة من (1018-1110)م ،حيث ساد سرقسطة الامن والاستقرار ،وشهدت ازدهارا اقتصاديا وعلميا وثقافيا.

 يحيط بالقصر سور مستطيل تدعمه تسعة عشر برجا عدا برج التكريم الذي هو مربع الشكل في وسطه صحن مستطيل وعلى جانبيه غرف وقاعات ،موزعة حول صحن القصر ،وفيه مسجد صغير فيه محراب على شكل حذوة الفرس ، وهو اول محراب يتخذ الشكل القرطبي آنذاك ،اما المدخل ففيه قوس مرصع بنقوش قليلة البروزات تفصل هذه الاقواس ،كما جعلت لهذه الاقواس رؤوس مخروطية زادت في طولها واعطائها دلالة خاصة ،اضافة الى ما تميزت به من وجود التيجان المزينة بأشكال نباتية مزخرفة ومتشابكة ومتداخلة ،فضلا عن ذلك  تميزت تلك الاقواس بعدة فصوص بها عوارض ونتوءات عبرت عن ميزة معمارية تجميلية خاصة بالقصر، فالناظر اليه من الداخل يرى في بعض الاماكن الداخلية ملامح تعرب عن الطراز الشرقي الاسلامي  .

 تم استخدام الطوب والخشب المزخرف كمواد اساسية للبناء، وكذلك طبقة من الطلاء الجصي الواقي ،والذي تبرز فيه انماط ونماذج هندسية واسلامية ،مستوحاة من القصور الاموية في سوريا والاردن ،وفي داخل اروقة هذا القصر نجد العديد من الاقواس الدائرية المتداخلة ،التي يتم مضاعفتها لتشكل عناصر الزخرفة المختلفة التي توجد على السقوف والجدران والنوافذ بعدة الوان ، وتوجد في وسط القصر باحة عبارة عن حديقة مفتوحة مستطيلة الشكل تحيطها مجموعة من البرك تتوسطها نوافير ، خاصة ان العرب المسلمين اعطوا اهمية كبيرة للمياه وتصميم النافورات في المباني التي اسسوها .

اروع ما في هذا القصر هو بهوه الرائع ،الذي تزينت جدرانه بالنقوش الذهبية البديعة ،وكان يسمى بالبهو الذهبي او مجلس الذهب ،وتوجد ايضا في داخل القصر قاعة صغيرة بها عقدان عربيان ، وشريط به نقوش كوفيه ، احرق هذا المكان من الداخل ، ان ما يهمنا من هذا القصر هو الجناح الايسر له ،وهو القصر الملكي الذي اسس على بقايا القصر الاندلسي ،وادخلت فيه بعض التعديلات .

اما المكان الرئيسي في هذا القصر فهو صالون الرخام ،فنجد فيه مجموعة من الاعمدة من المرمر في اغلب مساحتها حتى الجهة العليا منها دونت عليها  آيات قرآنية عن نشأة الكون ،وتم تزيينها بعناصر نباتية من الفواكه والازهار  كالاناناس والرمان ،وازهار الاكانتس الناعمة ،او ماتسمى مخلب الدب وعناصر اخرى .

بعد سقوط سرقسطة عام 1118م ، تشوهت معالم هذا الصرح من الخارج ولم تبقى الا الزخارف والعقود الداخلية ، تم تحويل القصر الى سكن لملوك اراغون ،وتم توسعته ،فاضيفت اليه بعض المباني وملحقاتها ، ولكن القصر احتفظ بطابعه العربي ،وتعرض للاهمال لعدة سنوات ،وتم تحويله الى ثكنة عسكرية ومخزن للسلاح ،وبعد تعاقب الملوك الكاثوليك على حكم سرقسطة احدثوا في القصر تغيرات، فاصبح مزيجاً من طرازات مختلفة بين الاندلسي والاسلامي ، والاسباني المسيحي .

—————————————————————————————–

المصدر :د. محمد عبد الله عنان ،الاثار الاندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال .

د. سلمى الخضراء الجيوشي ،الحضارة العربية الاسلامية في الاندلس .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا