قصر العظم في دمشق

صورة مشرقة للفن المعماري الاسلامي

بقلم الدكتورة: ايمان التميمي /العراق

 يعد قصر العظم في دمشق مثالا متطورا للفن المعماري الإسلامي، فهو يمثل صورة عن نموذج البناء العثماني في دمشق في نمط بنائه وتخطيطه فقد ادخلت الزخارف والرخام والحجر والخشب والزجاج في بنائه ،واستخدم فيه مختلف فنون الزخرفة الإسلامية والدمشقية والعثمانية واستقدم مواد بنائه من أماكن عديدة  وعمل في بناءه أكثر من ثمانمائة حرفي ومعماري تفرغوا لمدة سنتين او اكثر للعمل به أبدعوا في تصاميم البناء وخطوا على جدرانه الآيات القرآنية وروائع الشعر العربي مالا يوصف.

شيد هذا القصر في القرن الثامن عشر الميلادي وهو يقع  بمحاذاة الجامع الاموي من الشمال اخر سوق البزورية الواقع من الجهة الشمالية من دمشق القديمة في زقاق مرصوف، وقد تم بناءه في القرن الثامن عشر 1749م بأمر من اخر والي تركي في سوريا هو أسعد باشا العظم، وسمي على اسمه قصر العظم .

ترجع اسباب اختيار الوالي أسعد العظم لهذا الموقع من المدينة القديمة لقربه من الأسواق ومن طرق القوافل التجارية ولموقعه الاستراتيجي في قلب دمشق والذي اراد به اظهار قوته السياسية للمجتمع الشامي، فضلا عن كونه مسكنا خاص به.

 ووفقا لاعتقاد بعض المؤرخين ان هذا القصر تم تشييده على  موقع قصر سابق في عهد المماليك، يعود للسلطان المملوكي سيف الدين تنكز، وقد تعرض وقتها للهدم على يد المغول أثناء اجتياحهم لدمشق بقيادة تيمور لنك عام 1401، وأيضا كما يقول المؤرخون هناك جزءًا كبيرا من الزاوية الجنوبية للقصر ترجع لمعبد جوبتير العائد للعصر الروماني، في حين

يذكر احد المؤرخين :ان الوالي اسعد باشا بنى قصره بعد ان استولى على قصر الخضراء الذي بناه معاوية عندما كان حاكما على الشام ،وأخذ ما حولها من الخانات والدور والدكاكين وهدمهما، وشرع في عمارة داره المشهورة التي هي قبلي جامع الأموي، وجد واجتهد في عمارتها ليلًا ونهارًا، وقطع لها من جملة الخشب اثني عشر ألف خشبة، وذلك ما عدا ما أرسلوه له أكابر البلد والأعيان من الأخشاب وغيرها، ورسم على حمامات البلد أن

لايُباع القصرمل* لأحد، بل يُرسَل لعمارة الدار التي يبنيها واشتغل بها غالب حرفيي البلاد ونجَّاريها وكذلك الدهَّانين، بل قلَّ أن يوجد معلم متقن أو نجار أو دهان كذلك إلا والجميع مشتغلون بها، وجلب لها البلاط من غالب بيوت المدينة أينما وجدوا بلاطًا أو رخامًا أو غير ذلك من عواميد وفساق  يرسل فيقلعهم ويرسل القليل من ثمنها، وكان في قرب بركة البرامكة قصر يُقال له الزهرانية، قيل هو من عمارة الملك الظاهر، وهو على ظهر بانياس مطل على المرجة، وكان منتزهًا عظيمًا تهدَّم غالبه، وفي قربه مدفن وعليه قبة من حجر ورأس القبة مقلوع وفيه وهدةt … أخبروا الوزير أسعد باشا العظم عن هذه القبة وعن المدفن الذي بجنبها، وأن الأراذل الأشقياء يجتمعون عندها هناك ليلا ونهارا على فِسْق وفساد وغير ذلك، فأمر بهدمها حالًا ونقل حجارتها إلى داره ، ويذكر ايضا ان الوزير اسعد باشا سمع ان في وادي كيوان طاحونة قديمة تهدمت ولم يتبقى منها غير رسومات في اسفلها  ورميت حجارتها في نهر بانياس ، فامر بقطع النهر ونقل الحجارة الى والاعمدة كلها الى  داره ،وتم له ذلك ، ويذكر ايضا ان احد الاعيان من الصالحية اقام للوزير اسعد باشا وليمة كبيرة كلته الكثير من الاموال وكانت  الوليمة في قاعة كبيرة له ،بها  الكثير من اشجار السرو العظيمة ،فطلب الوزير من صاحب القاعة ان يقطع له من هذه الاشجار العظيمة التي ليس لها مثيل في الشام ،فقطع له ثلاث سروات ،ابى ان يأخذ منه المال بعد ان عرضه عليه اسعد باشا، ويذكر ان اسعد ايضا نقل لبناء داره المذكورة من الاعمدة الغلاظ من مدرسة الملك الناصر وجىء بها على عربات تجرها  الابقار، كما هدم سوق الزنوطية الذي كان بحارة العمارة ونقل كل الاعمدة والاقبية المعقودة التي امر بفكها ونقلها الى داره ، هذا فضلا عما نقله من اعمدة من جامع يلبغا ، وانه كلما سمع ببلاط بديع او اعمدة او احجار من أي مكان كان يأتي بها شراء او غير شراء ،وكان يقول : ائتوني بحجارة المرمر والرخام واشجار السرو، وتفنَّنوا بالبناء والنقوش والتحلية بالذهب والفضة ، وكان كلما سمع عن تحفة من رخام او قيشاني او غيرها يرسل فيأتي بها سواء رضي صاحبها او أبى، وإذا أراد الفقير أن يعمِّر اويرمِّم لم يجد معماريٍّا ولا نجَّارًا ولا خشبًا ولا مسمارًا ولا أحجارًا، وهذا مع غلاء الأسعار

كما لا يفوتنا ان نذكر: ان الباشا الوزير اخذ من قنوات المياه قدرا وافيا  حتى تقطعت السبل عن المساجد والحمامات ،وبقي الماء مقطوعا حتى عن اغلب البيوت. نحن هنا لا نريد ان نظهر الوزير بمظهر المتعسف او الظالم ولكننا اردنا نقل ما ذكره المؤرخون المعاصرون له ،ومهما يكن من صيغ مبالغة لما فعله من الاستحواذ او الشراء فقد اخرج تحفة فنية ماتزال قائمة الى يومنا هذا كمتحف .

وفي ضوء تلك المعطيات يمكننا ان نقسم القصر من الداخل الى ثلاث اقسام ،الاول هو الحرملك وهو مخصص للنساء من عائلته حيث يقيمون ، وهو اكبر الاجنحة واجملها وكان مدخله عبر جناح الضيوف وليس له مخرج خاص إلى خارج القصر، ويشرف على فسحة تنفتح على السماء وتضم فيها حوض من الشجر والزرع، وبحيرة مستطيلة كبيرة وثانية شكلها مضلع، كما يوجد حولها احد عشر قاعة كبيرة وإيوان ورواق وتشرف عليها من فوق غرف الطابق العلوي، وجدرانها مبنية من الحجر، وفيها رسوم بألوان زهراوية وسوداء متناوبة، كما يوجد مصبات ومكتبات فيها مشكاوات تتزين بمصابيح.

والقسم الثاني هو السلملك وهو مخصص للضيوف الرجال ، وتبلغ مساحته نصف مساحة جناح العائلة، وهو معد لاستقبال الضيوف واللقاءات الرسمية التي يقوم بها  الوالي أسعد باشا،  ويوجد في هذا القسم  فسحة متوسطة الحجم، تحوي على أحواض وإيوان وخمس قاعات كبيرة، وتطل عليه من الطابق العلوي عدد من الغرف.

وخصص القسم الثالث للخدم ويدعى الخدملك وهو يحتل الجزء الشمالي للقصر ومساحته صغيرة مقارنة بالجناحين السابقين وهذا مخصص لأعمال المنزل والمطبخ والمخازن، ويوجد في هذا الجناح ثلاث  قاعات في الطابق الأرضي، وتتبعه فسحة مساحتها متوسطة تتوسطها بحرة، ومن المفيد القول ان كل قسم من هذه الأقسام منعزل تماما عن الآخر للحفاظ على الخصوصية، ولابد من الاشارة الى انه يوجد في هذا القصر عدد كبير من الغرف تبلغ تسعة عشر غرفة في الطابق الارضي، وتسعة غرف في الطابق الثاني، كما يحتوي البناء على ثلاثة اواوين كبيره ويوجد قاعتان ارضيتان تحت البناء الكلي وهاتينا القاعتين احداهما كانت مخصصه للحرملك والثانية للخدملك ، ويوجد في القصر قبوان كبيران احدهما للخدملك وهو للمؤونة وتوجد بالقرب منه قاعة كبرى وستة عشر غرفة، ويتبع القصر اسطبل للخيل يقع شمال باب القصر، لكنه هدم في عشرينيات القرن العشرين، وأنشئ مكانه بناية . 

لا يفوتنا ان نذكر ان للقصر باب كبير وللقصر باب فخم مزين قوسه بحجارة بيضاء وصهباء متداخلة، وعليها زخارف وخيوط هندسية متشابكة مع بعضها مؤلفة تاجًا مستطيلًا، تم ترصيعه بالصدف اللامع والرخام وتعتلي تاج الباب لوحة زينة أطرت بالأحجار البيضاء والصهباء، ويوجد في وسطها إطار داخلي مزين بزخارف نافرة وفي وسط اللوحة كتبت البسملة وآية  قرآنية واربعة أبيات من الشعر، مكتوبة بالذهب وبنموذج خط الثلث على شكل خراطيش لازوردية.

 يصفها احد المؤرخين تلك الباب انها برتاج كبير ومدخل عظيم اذا دخلت منه ترى العجائب من الزخارف والفنون المتقنة وحول هذا المدخل ترى غرف ذات ثلاث طوابق مزخرفة السقوف والجدران ومرصوفة بالفسيفساء ،ومزدانة بالنقوش البديعة ،امامها الى الشرق فسحة كبيرة رتبت فيها اثار قديمة من تماثيل لأسد ضخم مكسور هومن اثار الحثيين ، وتماثيل لأشخاص بعضها مشوه ،وحيوانات اخرى واُسد وعجول، وابواب حجرية لمقابر وبيوت قديمة على بعضها صور بارزة جلبت اليه من حران ،ومذابح واعمدة وتيجان وقواعدها، والى يمين هذه الفسحة توجد قاعة كبيرة هي اجمل ما في الدار هندسة ونقوش وزخارف ، وسميت الخاركاه بالفارسية لأنها مثلثة الشكل ،وبقربها الحمام وغرف بديعة ومرتبة تحتوي من الاثار ما لاعين نظرت ولا اذن سمعت، فقد كان الوالي ينقل الى داره كل ما يسمع به من ثمين ونادر ،فقد كانت تحتوي من الانية الزجاجية والخزفية والمعدنية التي تعلوها كتابات ،بيد ان البعض منها كان مكسورا ،هذا فضلا عن البسط الفرش والسجاد القديم والاقمشة النفيسة المطرزة ، وفرش بعض الغرف فرشا شرقيا وزينه ببعض  الاسلحة والادوات ،كما وضع سجل للزائرين يدونون فيها اسمائهم .

اما واجهة القصر فقد تكونت بشكل كامل من الحجر، تألفت فيه الرخم الصهباء والسوداء والبيضاء ،وبالنسبة لنوافذ القصر فهي على الأغلب مستطيلة مأطرة برخام أبيض وأصهب معشق، وعليها زخرفة فسيفسائية من الجص، وفيه نوافذ عالية، تعد مناور لقاعة السقف المرتفع، وهناك نافذتان عاليتان باستقامة الباب، ومن ثم تأتي نوافذ مستطيلة على الجانبين متناوبة مع كوات دائرية ، هذا وقد بنيت إطارات النوافذ العليا من الحجر القرمزي، ومزينة بزخارف هندسية نافرة، وبشكل عام الأبواب واغلاق النوافذ الخشبية مزينة بخيوط متشابكة هندسية عليها حلقات نحاسية مخرمة، وفي عتبة الرواق هناك قطعة فسيفساء مركبة مؤلفة من مشقفات رخامية ملونة.

 من الجدير بالذكر ان القصر في الوقت الحالي تحول إلى متحف للتقاليد الشعبية، فيه خمسة عشر قاعة يعرض فيها ما يتعلق بالتراث الدمشقي ،وفيه دمى تمثيلية تصورما كان عليه الماضي، وهذه القاعات تختلف فيما تعرض وتختص بعمل معين وهي:

–  قاعة الكتابة والتدريس وتمثل المدرسة التقليدية القديمة.

– قاعة الآلات الموسيقية الشرقية تضم نماذج للآلات الموسيقية الشرقية، بالإضافة لصور اعلام الموسيقى العربية.

– قاعة الاستقبال وتحوي الأثاث الدمشقي.

– قاعة الصدف تتضمن مجموعة من الأدوات والأثاث الخشبي المطعم بالصدف.

– قاعة الحماية تحتوي على مشاهد من الحياة اليومية للعائلة الدمشقية.

– قاعة العروس فيها مشاهد مراسيم الأعراس التقليدية القديمة.

– قاعة الملك فيصل تضم أشياء للملك فيصل.

– قاعة الحج تعرض مشاهد لمحمل الحج الشامي القديم مع أمير الحج.

– قاعة السلاح تشمل مجموعة من الأسلحة القديمة التي استعملت في الدفاع عن سوريا.

– قاعة المقهى الشعبي نموذج عن المقاهي الشعبية القديمة.

– قاعة الحمام وفيها ما يحاكي حمامات السوق العامة. 

– قاعة النسيج عن نماذج وأنواع النسيج الدمشقي بأنواعه.

– القاعة الكبرى  تمثل قاعة استقبال أسعد باشا.

– قاعة الجلود تتضمن الأدوات والأغراض المصنوعة من الجلد.

– قاعة الإيوان وهو مشهد عن دكان الخشب.

– قاعة النحاس فيها نماذج لصناعة النحاس.

-قاعة الزجاج تعرض مشهد صناعة الزجاج.

المصادر

  1. المعلوف ،عيسى اسكندر، قصر آل العظم في دمشق ، مؤسسة هنداوي، القاهرة ،2012م.
  2. القصرمل :  هي الحجارة التي تستخرج من مواقد الأفران.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا