في البدء سعيدة جدا بان تكون الغابة السرية هي الرواية الثالثة المكتوبة بقلم نسوي سوداني (بأقلام نساء سودانيات)التي احظى بقراءتها ؛ وكانت الرواية الثانية هي رواية الأستاذة ناهد قرناص التي تستفظع فيها استعلاء بعض فئات المجتمع على فئات أخرى ؛ وتدين فسادهم الأخلاقي واستغلالهم للسلطة والجاه لمصالحهم الشخصية ؛ أما الرواية الأولى فهي حصار الأمكنة للأستاذة بثينة خضر مكي وفيها تعالج بعض القضايا الاجتماعية وتدين استبداد السلطات وتقييدها لحريات المثقفين وقهرها واضطهادها لهم .
فن الرواية:
لا يخفى على الكثير ان أهلونا او بعضاً منهم كانوا يعيبون على الشباب قراءة الفن الروائي رغم عشقهم للأجناس الأدبية الأخرى كالقص الديني المتخيل من اجل الوعظ ؛( قصة المكيدة المدبرة للأمام الشافعين ) وغيرها من الرسائل الأدبية ؛ و كحبهم النثر ؛وتقديسهم للشعر؛ كل هذا لم يشفع لفن الرواية الحديث ان يرسخ في مجتمعاتنا في ذلك الوقت واذكر ان اخوتنا الكبار كان يخبؤون روايات احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وروايات عبير وزهور وغيرها تحت مراتب نومهم مما جعلهم يستهلكون الادب ويتناولونه كأداة للمتعة وتفريغ الوقت فقط وقليل منهم من يقارن بين العالم المتخيل بالواقع أو يتعامل مع الفن الروائي كوسيلة لغاية اجتماعية او انه فن خطاب النفس البشرية مجردا من الأكاذيب والألاعيب والضغوطات .
والحقيقة أن فن الرواية أصبح ضرورة للمجتمع لا تقل أهمية عن ضرورة محو الأمية الرقمية وتمليك وسائل الاعلام للعامة من الناس وأهمية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ( من فيسبوك وتويتروانستقرام وغيرهم ؛ وفي بعض الدول أصبح الفن الروائي يؤثر تأثير مباشر في التغيير ؛ يعتبر أداة فعالة في التغيير وغرس المفاهيم والقيم المنوط بها ترقية المجتمع.
وفي تراثنا وحاضرنا تبلغ الحكاية والرواية والأقوال مبلغا كبيرا في أنفسنا؛ فبحكايات الادباء نزين مجالسنا ونزيل قساوة قلوبنا ونخاطب أنفسنا وجمود أعيننا وبروايات العلماء نعمل عقولنا وبأقوال الحكماء نتستر ونتدثر بالحياء ؛ فكنت دائما اتعجب من فرض الحصار على قراءة الرواية وتقليل أهمية دور الرواي في حيواتنا وقصره على النخب او نخبا بعينها .
فالرواية سواء التاريخية أو الأدبية كانت وستظل أهم عنصر في توثيق التجارب البشرية ؛ وأهم معمل لتنقيح وسبك العادات المجتمعية ؛ وأهم ركن لمناقشة وعرض القضايا الإنسانية .
و فيما يخص الرواية التي بين أيدينا؛ الغابة السرية والتي في مجملها تحمل ملامح وأثقال ودهاليز الغابات الغير مطروقة الا نادرا ؛ الا أنها على قدر وحشة الغابات وشراسة وحوشها امتازت بالوداعة ؛ ونبذ العنف وأسبابه؛ من أقوى الأسباب تلك التي تنتج الحروب والدمار والخراب الى اوهنها التي تفتك بالعلاقات الاجتماعية والصداقات والعلاقات الاسرية وتتمثل الأخيرة في محاولة بطلة الرواية(درية ) إيجاد العذر لصديقتها التي خانتها مع زوجها. وبطبيعة الحال هذه مثالية يصعب تمثيلها على الواقع الا استثناءً.
و هذه الحكاية ذات بعد اجتماعي ضارب في العمق تدور أحداثها حول الفرد الذي هو أساس الاسرة والتي تشكل المجتمع وذات صبغة سياسية مخففة وهي وان لم تصنف ضمن ادب الثورات فإنها ثورية بامتياز في كثير من فصولها ؛ سواء ثورة على المفاهيم السياسية ؛ او على التوجهات المجتمعية التي ينافق فيها الشعب الحكومة من أجل قوته واحيانا من اجل كرامته وهناك أيضا ثورة محاسبة قوية جدا لضمير المجتمع على ما كان يقوم به من تمجيد العادات الضارة مثل عادة الختان الفرعوني للإناث.
أغلب الروايات السودانية التي اطلعنا عليها من خلال هذا المنتدى كنا نصنفها بانها سهلا ممتنعا ؛ اما الغابة السرية كانت على غير ما عهدنا فهي ممتنعا قدم بصورة سهلة ويتضح ذلك جليا في العتبات الأولى للمتن من عنوان وإهداء واستهلال ؛ ففي الاهداء تهب الكاتبة ثمرة جهدها و ما بذلته من وقت في هذا النص الى الذين آمنوا بها حين ضل ايمانها بنفسها ومن ثم عطفت عليهم اسرتها وأقاربها من الدرجة الأولى ؛ فالآخر هنا أقرب الى القلب وأدنى من الروح من الأهل وفلزات الأكباد ؛ وليس هذا الموضع الوحيد الذي يتبين فيه تقديم الاخر على الذات او بالأصح على الأنا ؛ بل كان ذلك سمة من سمات البطلة حتى بالنسبة لوطنها والوطن الاخر ( لشد ما كرهت المكان الذي انتمي اليه والناس الذين كان علي ان أكون جزءا منهم الكاتبة صفحة 5)بكل تأكيد ان الآخر ليس هو الجحيم وبذات التأكيد ليس هو الجنة ما يجعل الامر يتطلب منا كقراء موازنة التلقي والتلقين و نشير للحملات الإعلامية العربية التي تدعو لقبول وبمبالغة واسراف يجعل المتابع يشك في ايمان هذه الجهات بمقولة الاخر هو الجحيم ونتمنى من الاعلام العربي ان يركز على أهمية قبول الذات والتصالح مع النفس وبالتالي سيأتي قبول الآخر تلقائيا .
أما بالنسبة للآخر في الرواية فحالة كونه وجودياً محضاً فهو غير محدد بدين او لون او جنس او عرق مما يدل نبل مشاعر الراوي( وبالتالي الكاتب ) وأيضا ليس هذا الموضع الوحيد الذي نشعر فيه بصدق ونبل الرواي مع ذاته ومع غيره فنبل درية يتمثل في انها لم تفكر في أذية نشوى ولو تخيلا وكان بإمكانها ان تفعل الكثير اقله ان تحرض زوجها تخرب لها بيتها ؛وصدقها في الحالة الهستيرية التي دخلت بها عندما تأكدت من خيانة زوجها لها .
الراوية سردت الاحداث بصور مختلفة فكانت تتولى زمام السرد بنفسها أحيانا وتخبرنا عن الشخصيات المصاحبة لها؛ وأخرى كانت تعطي الفرصة لأحدهم ليتحدث عن نفسه وعن حياته كما فعلت مع الخادمة ؛ او تتيح الفرصة من خلال الرسائل كما حدث مع شخصية مريا عدنان هذا الاسم الذي أحسست بغربته داخل قرية المنارة .
الانتقال من صوت الشخصية الرئيسية الى الثانوية في صفحة 32 كان عسيرا جدا تحدثت فيه نشوى بربكه وقلق عكس سمات شخصيتها المترددة والطائشة . من أهم الملاحظات التي يلاحظها القارئ ان أصوات الرجال كانت مخفية وراء زوجاتهم او شخص الراوية و لم تتح لهم فرصة الحديث عن أنفسهم وكانت تحاول كسر أحادية الصوت بإعطاء الفرصة لإحدى النسوة أو تخاطب أحدهم أو تخبر .
وجعلت للخادمة مساحة وافرة ولم تكتف بهذا بل سمحت لها بالتحدث بنفسها عن واقعها بيئتها ومحيطها وحدثتنا مايا الخادمة عن سلوك وأساليب الخادمات ؛ ومن ثم عادات تتحدث عنها بنفسها مرة أخرى في الفصل الثامن …. ف كثير من الناس يعتقد جهلا ان العلاقة بين الفئات الضعيفة في المجتمع قائمة على التعاون والتعاطف ولكن مايا في الغابة السرية أخبرتنا عن الدسائس والمؤامرات التي تحاك بين الفقراء ضد بعضهم وعن اساليبهم القذرة في التعدي على خصوصيات بعضهم البعض ونسفت بذلك الوداعة والمسكنة التي تظهرها غالبية هذه الطبقة وتكسب بها تعاطف الاخرين و شفقتهم .اذن مايا أضافت للقارئ بعدا توعويا مهما
من الاشياء الغير منطقية ان تسمح (درية) للخادمة بالخروج مع صديق صفحة 37 هكذا دون شروط وترفض ذلك من زوجها وتهجره بسبب خيانته (مالا أرضى به لنفسي من انتهاكات يجب أن لا أرضاه لغيري وان هو إرتضاه وقبل بممارستها عليه) وهذا الفعل لم ينتج عن انانية بل لعدم وضع قوانين تنظم الحريات الناس مع بعضهم . من الشخصيات التي حظيت بالوصف في الرواية شخصية الشخصية الرئيسة درية الحاج على لسان خادمت وزوجها امير الجاك وعشيقته نشوى رغم ان الكاتبة لم تبشع بشخصية امير الا اني كرهتها جدا وكرهت تصرفاته وضميره الميت كنت تمنيت لو ان الكاتبة أقامت محاكم جنائية وعوقب بما يستحق ..
عبرت الراوية عن كراهيتها للخرطوم والحقيقة انها كراهية غير مبررة ؛ لم تبرر لنا لماذا هي ان تكرهها لهدا الحد. كان سكون متقبلا إن أبدت تضجرها واستيائها من حالة التخلف والقهر التي تسود فيها؛ فكان القارئ يتساءل هل درية تكره أهل وسكان الخرطوم أم كرهتها لأجوائها الحارة ؛ أم كرهت الحكم الدكتاتوري الذي جثم على صدرها؛ وفرض الاستبداد وغيب الحريات ام ماذا ؟ و لماذا؟ سيظل القاري يستغرب هذا الكره الذي يتناقض مع شخصية درية المتصالحة مع ذاتها ؛ المدركة لتصرفاتها؛ الوفية صداقاتها ؛المرنة في تعاملاتها الودودة بشكل عام ويظل يتطلع ان يجد في تتالي السطور أسباب منطقية لهذا الكره ولكنه يعود بخفي حنين .
اعتراض الكاتبة على فكرة الحداد بالثوب الأبيض الست اعتراض على ابتدع الانس والجمال؟ فمن دلالات اللون الأبيض الوفاء والنقاء وحب الحياة وانه لون يتفاءل به ويعبر به عن الاستمرارية ( نقول للشخص الله يجعل ايامك بيضاء ) وهذا ينسف ما قالته درية عن ان الشعب يساوي بين الموت الحياة والحزن والفرح ؟ فالشعب هنا لا يساوي بل يرجح كفة الحياة ويتمسك بشعاع الامل بالعودة لها بابتداعه فكرة الحداد الأبيض وإبداعه في تطبيقها وبصفة عامة الثوب الأبيض هو من الموروثات التي يتفرد بها الشعب السوداني ويعتز بها جدا وتعبر عن شغفه بالحياة وحبه لها وهي أيضا تعكس دواخله الفطرية السليمة .
افترضت الراوية ان الشعب قبيح وتناولت هذا الافتراض كواقع وتساءلت ان كان هذا القبح هو سبب الزهد عند الشعب؟ أرادت الكاتبة ان تناقش مسألة الزهد والقنع عند الانسان السوداني ولكنها لم توفق في تعليل الأسباب طغى عقلها الباطني العربي على الشعب وتجبر عليه بتطبيق المفاهيم الراسخة فيه عن القبح والجمال لدى البشر وربطها أي المفاهيم السابقة بالزهد والحظ وحب الحياة وانا اعتقد ان هذا اجحاف ؛ وسقطات لا إرادية يقع فيها العقل العربي ويعتدي فيها على الآخر بغير قصد.
الحقيقة أن الانسان السوداني غير زاهد في المادة ولكنه يرجح كفة الكرامة ولا يمكننا ان نتجاهل دور التعليم والتوعية في ترشيد عملية الزهد وأيضا لا يمكننا ان نغفل عن خطأ التربية الصوفية في السودان القائمة على تبخيس الدنيا وزينتها ؛ وتحريم ما حلل الله. وعلى ذكر التصوف وبكل علاته واخفاقاته في السودان لا يسعنا الا ان نشير الى أنس وجمال ومحبة وبريق الانسان السوداني .
وكما أشرنا في كثير من أوقات الغابة السرية تخرج الراوية الى عالمنا وتحدثنا عن ما آل اليه الناس من فساد ونفاق واستغلال ل لدين من أجل معاشهم وادانت الرواية هذا السلوك أشد ادانة وحق لها ذلك وهذا واحد من الأسباب الذي يقودنا لتفسير ظاهرة الزهد عند الشعب السوداني تجنبا للمكر والخداع وأكل أموال الناس .
كما أدانت قانون النظام العام ذلك القانون القاصر الذي أهان الكرامات وشوه سمعة كثير من الاسر المحترمة وخوف الناس وأراعهم ؛ كما تطرقت لتدهور الخدمات في الخرطوم وغلا الأسعار وتفشي الفقر والجوع ؛ وبطبيعة الحال فإن التاريخ يعيد نفسه في هذه الأيام ولكن يظل الأمل موجود وليس بعد العسر الا اليسر
الممتنع السهل في الرواية:
الحديث عن الازل والأبد فذكرت الكاتبة في صفحة 80 النقصان الازلي للحياة وفي الصفحات الأخيرة ذكرت الأبد فترتيب ذكر المتضادان متباعدان يدل على مدى تنظيم الكاتبة لمفاهيمها ورؤاها ولكنها كانت متواضعة للحد الذي يجعل القارئ يمل عندما يشعر بزهد الراوية في اطرائه لها .
فالكاتبة لم تخوض في نقاش الأفكار ولكنها عرضتها عرضا خفيفا لم تثقل فيه على القارئ ولم تخاطبه بسطحية (يا ألهي الى أي قدر من الحقيقة يستطيع عقلي وقلبي ان يتحصل) البحث عن الحقيقة أمر مرهق والتفكير فيها أكثر ارهاقا وقد بذلت الكاتبة في هذه الرواية وقت مقدرا في التفكير وحاولت التركيز على القلب والعقل والنفس وأبعدت الروح بل وحتى المشروبات الروحية المرتبطة بالجسد والنفس لم تتطرق لها مما يؤكد لنا ان هدا الاقصاء معد بعناية بالغة
اشارت الراوية للحب عند آلهة اليونان ؛ كما تحدثت عن تسبيحها وسجودها دون أن تصلي هذه الأمور وغيرها نفسرها في اطار الممتنع حتى وان بدت للقارئ من اول وهلة انها عادية
تخلي الراوية عن الانتماءات العرقية والثقافية والعقائدية اذا ما حاولنا تحليل حديثها ومقارنته مع حركتها وأساليب عيشها قد نجد أنها فعلا ليس لديها انتماءا عقائديا لا هي سنة ولا هي شيعة ولا هي صوفية ومع دلك فقد كانت شخصية متزنة لحد كبير جدا ومتأثرة جدا بعقيدتها الدينة بعيدا عن التمذهب ويظهر ذلك في سلوكها و رادات أفعالها مثلا ( كنت أحس أن الله غير راض عنا لسبب ما صفحة 51 )ويؤكد ذلك أيضا عندما حصل الحادث المروري عندما كانت مسافرة لصديقتها نجد أن الكل فزع وهلع وتجذع ماعدا الراوية كانت تردد الشهادة وتشد على نفسها فهذه العقيدة راسخة رسوخ الجبال هي فقط تريد ان أن تخرج من دائرة التزمت والتطرف والتكلف . أما فيما يخص التخلي عن العرق فبما أنها سودانية فالراجح أنها خلقت بلاء انتماء عرقي أما الانتماء الثقافي : فقد حرصت الرواية أن لا تنتمي منذ البداية فقد ادانت المشروع الحضاري للإنقاذ دون ان تشير للأفضل من وجهة نظرها ورغم انها أشارت لمفكري الستينات ولكنها لم تشعرنا بالولاء لذا عندما تقول انها تخلت عن انتمائها الثقافي يكون الأمر منطقيا ومتقبل .
في صفحة 52 (ليس لدينا عشاق هنا يمكن أن يتبادلون القبل علنا ولو من باب النكاية بقانون النظام العام) اول سؤال يتبادر للقارئ وهل قبل قانون النظام العام كان هناك عشاق يتبادلون القبل في الشارع ؟ وان كانت موجودة ماهي الفوائد التي كان يجنيها هؤلاء العشاق من المساس بالعرف العام للمجتمع ؟
سيجد القارئ غرابة ان الراوية لم تناقش قضايا المفكرين وما تعرضوا لهم بسبب أفكارهم ولم تذكر أي رمز سوداني سواء ديني ؛ او سياسي او غيره ورغم ذكرها للعمل الطوعي على لسان مريا الا انها لم تتحدث عن أي نشاط طوعي فالسودان … فقد قدمت الكاتبة أفكار واسعة وموضوعات عميقة في قالب سهل جدا وبسيط مما جعل الرواية أكثر روعة ومتعت القارئ بوجهة نظرها الغنية وتجرتها المعرفية الثرية .
الغياب والحضور في الرواية :
أغلب المغامرات في الرواية كانت تدور حول الجسد والرغبات ولكن لم تكن هناك مواقف خادشة للحياة بشكل سافر ؛ وبالعموم غابت الروح عن الرواية ليكون محورها الأساسي هو الجسد.
وفي الوقت الذي غاب فيه الحلم واحداث المستقبل عن الرواية ؛ كان اجترار الذكريات والاحداث التي حدثت في الماضي حاضرة بقوة وكان تأثيرها كبيرا على حاضر الراوية حديث النفس كان شائقا ؛ممتعا ؛وصادقا ورغم ان الرواية عموما طبعت بطابع الجدية وخلت من الطرائف الا في إسم قرية فطيسة الا ان قراءتها كان سلسلة ويسيرة .
وأيضا كانت تقاليد فعالية (دق الريحة) في الأعراس السودانية حاضرة في حين غياب رقص العروس والغياب التام لنشاطات الرجل السوداني في مثل هذه الاحتفالات (لم نحضر ازمان رقص العروس فتمنينا لو ان الكاتبة حدثتنا عنه من منظورها ) .
كان هناك حضور جميل للبيئة والمناخ وشيئا من جغرافية الأمكنة وغياب تام للتاريخ والاحتفالات و الأعياد والمناسبات العامة .
واكتمل غياب الخرافات والاساطير السودانية كما غاب المسيد بل والمسرح والفن نعم هي أخبرتنا ان الحكومة العسكرية ضيقت على الفانين والمسرحيين ولم حتى ذكريات تشعر فيه القارئ بمدى خسارتها وخسارته لم يحدث .
كذلك كان علم النسب حاضر فقد سردت الرواية شجرة نسبها وأخبرتنا عن أصولها العربية الافريقية او الزنجية حسب روايتها واستنكرت توجه العامة نحو العروبة ونسيانهم لأصلهم الافريقي ولكنها لم تذكر أي صفحة من صفحات الثقافة الافريقية البحتة حتى عندما انداحت في الرقص على انغام الموسيقى الافريقية لم تذكر الموسيقار ولم تذكر مؤلفا لكاتب افريقي وبالعموم كان الكتاب غائبا رغم ان دار الكتاب حاضرا مما جعل القارئ يتساءل عن أسباب ترددها على اتحاد الكتاب؟ كانت تذكر كلمة زنج مقابل عرب وفي تقديري الأصح نوبة مقابل عرب أعتقد غير جازمة ان تأثير النوبة في السودان أكبر من تأثير الزنج فالنوبة أشمل أو البجا والله أعلم.
كان هناك حضور طاغي للطيور مثل السمبر والأشجار (اللبخ والدليب والبان ) فكان هناك اثراء لمعرفة القارئ .ولم تتبين معنا الحيوانات الاليفة الا عرضا عندما ذهب لقرية المنارة
ومن القرى الموجودة في الرواية أيضا قرية الهشابة وهذه أيضا موجودة في الواقع أما قرية فطيسة لا ادري ان كانت متخيلة ام واقعية … من الأماكن الأخرى في الرواية دول الخليج العربي.
الملاحظات الهامة في الرواية :
من الملاحظات الهامة جدا في الرواية هو طغيان حضور العقل وترجيح ميزانه في اول ومنتصف الرواية ؛والرجوع للقلب في نهاية الرواية .
انهت الكاتبة روايتها بأسئلة افتراضية وأجابت بأنها لا تدري ؛ لكن ارهاصات ما قبل ذلك تدل على انها بطلتها شخصية متزنة وقادرة على اتخاذ القرار بل موهبتها تصل حد العبقرية في هذ الجانب ؛ يحضرنا كيف اتخذ قرار العودة للسودان رغم ان اطفالها مازالوا بالمدارس ؛ وكيف اتخذت قرار الرحيل من المناقل وكيف تحايلت لتنفيذ قرارها ؛ وعلى مستوى الحياة اليومية البسيطة كيف قررت الابتعاد من السائق الذي ازعجها ؛ وعندما أحبت ذاك الشاب كانت هي المبادرة بطلب ممارسة الحب على غير العادة في مجتمعها .فإجابتها لأسئلتها بأنها لا تدري هو مجرد تواضع من الكاتبة لتجعل القارئ يشاركها في عملية اغلاق النهاية ؛ وهذا لطف كبير وشيء جميل وتواطؤ نبيل.
بالرغم من ان درية كانت تعيش في مدينة متقدمة؛ وصلت حد الرفاهية؛ الانها لم تجسد لنا هذا التقدم والرقي سوى في البنايات الشاهقة؛ ففي اعتقادي ان الانسان السوداني والمصري لن يدهشه وصف علو البنايات مهما بلغت؛ فالأهرامات والاثار الفرعونية لقحته ضد الاعجاب بدهشة حيال كل ما هو متعلق بفن بالعمارة؛ فالقارئ منهم دائما يتوق لمعرفة الجديد من الاكتشافات المعارف في المجالات الأخرى غير المعمارية.
من اللافت للانتباه أيضا ان الكاتبة لم تقم أي محاكم للجناة ؛ سواء ان كانت محاكم ذاتية متمثلة في تأنيب الضمير والاحساس بالذنب ؛ ام كانت محاكم مجتمعية يعاقب فيها المجتمع افراده الذين يتعدون على حقوق الاخرين ؛ فالتنازل عن الحقوق المعنوية والروحية والتركيز ضرورة احتياجات الجسد جعل الحياة تسير بفوضى عارمة ؛ مما اضطر بعض الشخصيات ان يعودوا للوراء وتنقلب حياتهم من الرفاء والسعادة والرقي ؛ الى التخلف والعزلة والركود كما حدث مع مريا عدلان التي كانت نهايتها ان تعود لقريتها ؛ وتعيش حياة غير التي الفتها او التي كانت تحلم بها ؛ وكذلك درية ظلت تلهث وراء اشباع حاجاتها الغريزية دون ان تحصل على ما تريد وكان هذا شيئا مؤسفا دئما هناك طريق سادس يمكن من الدخول لكل الأماكن لكن الكاتبة حرمت بطلتها منه .
اختيار الكاتبة بأن تكون بطلتها من المناقل لم يتوافق مع نقدها واستياءها من ترييف العاصمة فلم تشير لأسباب التريف وهو استعلاء اهل المركز على الأطراف بشكل أصبح غير مقبولا لدى اهل الأرياف وزاد الطين بلة صلة القرابة التي تربط بين الطرفين وما لبثوا حتى تمدنوا ونسوا ما كان ولعبت الاقدار دورها المنوط بها.
وأخيرا:
أتمنى دوام التوفيق والسداد للكاتبة ؛ و اسمحوا لي ان أتوجه بجزيل الشكر للكتاب والأدباء السودانيين الذين اتاحوا لنا فرصة التواجد بينهم آملين ان نكون على قدر هذه المسؤولية وأخص بالشكر اول منتدى سوداني أكتب فيه منتدى السرد والنقد كما أتقدم بجزيل الشكر والعرفان لمنتدى الرواية السوداني واخص بالشكر مشرفي ومؤسسي المنتدى أشكر المشرف الأستاذ مجذوب الشريفي الذي أتاح لي فرصة التعبير عن انطباعاتي الأدبية عبر صفحته بصحيفة أخبار اليوم كما أشكر الأستاذ محمد الخير حامد و أتقدم بأسمى آيات الشكر للأديب جمال الدين وبقية العقد الفريد من المشرفين القائمين على امر هذه المنصة وفقكم الله وسدد خطاكم ؛الحقيقة لولا هاتين المنصتين لما أعدنا النظر في اعمالنا الأدبية المتواضعة ولما تحمسنا لها فأشكركم جميعا مشرفين وأعضاء وأتمنى لكم دوام التوفيق .
تشرفت بمتابعة هذا المنتدى النير منذ سبتمبر 2020م على منصة الزوم وقد أضاف لي الكثير وعرفني بمبدعي بلادي وتفضل علينا بأخرى ؛ لذا توجب علينا أن نستأذن أدباءنا القائمين على أمر المنتدى بالغياب لفترة قصيرة سنشتاق لهم فيها وسنفتقد تنويرهم تثقيفهم وسنعود بشغف أكبر بدليل أننا بدأنا نشتاق لكم قبل أن نغلق (الكيبورد)
فلكم خالص مودتي والى ان نلتقي في امان الله .






