شخصيات ومعالم تاريخية
قصر الحمراء في الاندلس

د/ إيمان التميمي
يعد قصر الحمراء احد اشهر قصور بلاد الاندلس الاثرية العديدة كقصر الجعفرية في سرقسطة ،وقصر شقوبية ،وقصر المورق ،وقصر طليطلة وغيرها من القصور ،التي استطاع العرب المسلمون بناءها على الطراز الاسلامي وفيها من فنون العمارة والهندسة ما يسر الناظر اليها والقارئ عنها ،وقد اختلف المؤرخون في سبب تسميته بهذا الاسم منهم من ارجع تسميته نسبة الى لون جدرانه الحمراء، ولون آلاجر المغطى به ،ومنهم الى لون التربة التي اقيم عليها بربوة تسمى السبيكة على سفح جبل في مدينة غرناطة، و من التفسيرات الأخرى للتسمية أن بعض القلاع المجاورة للقصر كانت تعرف انذاك باسم المدينة الحمراء،ويرجع بناء هذا القصر الى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري /العاشر الميلادي وترجع بعض اجزائه الى القرن السابع الهجري /الثالث عشر الميلادي ،وقد استغرق بناءه اكثر من مائة وخمسون عاما ،وقد تم تشييده في عهد مؤسس دولة بني الاحمر (الغالب بالله محمد بن يوسف بن محمد بن احمد بن نصر بن الاحمر) ،والذي يعد من اشهر معالم اسبانيا السياحية ،والذي يقع على بعد( 267ميلا/430 كم ) جنوب مدينة مدريد العاصمة الاسبانية.
بدايةً لم يكن قصرُ الحمراء سوى جزءا من مدينةِ الحمراء أو «قصبة الحمراء» التي تشمل قصر الحاكم والقلعة التي تحميه، وكانت مباني دور الوزراء والحاشية تتطور مع الوقت حتى غدت قاعدة ملكية حصينة، ولما دخل القائد العربي أبو عبد الله محمد الأول الى غرناطة والمعروف أيضا باسم محمد بن نصر والملقب بالأحمر، نسبة للون لحيته الحمراء حكم غرناطة، بعد سقوط الدولة الموحدية، رحب به الشعب بهتافات: مرحبا بك يا أيها المنتصر، والذي أجاب: لا غالب اليوم إلا الله، واصبح هذا هو الشعار المكتوب في جميع أنحاء الحمراء، أنشأ بعدها سورًا منيعًا حول الهضبة التي قامت عليها «قلعة الحمراء»، وبنى داخل هذا السور قصرًا أو مركز حكومته، وسميت القلعة «القصبة الحمراء»، وصار قصر الحمراء جزءًا منها، وغدت معقل غرناطة الهام، وفي أواخر القرن السابع الهجري، انشأ هذا السلطان باقي مباني الحصن الجديد والقصر الملكي، ثم أنشأ ولده (محمد) في جوار القصر مسجدًا قامت محلّه فيما بعد (كنيسة سانتاماريا ).
بني قصر الحمراء على هضبة ممتدة من غرب الشمال الغربي إلى شرق الجنوب الشرقي والتي كانت ارضاً براحا تقع اسفل القصر تسمى ذلك العصر بالسبيكة، وعلى مساحة 142000مترمربعٍ بأبعاد 740 متر طولا إلى 205 متر عند أعرض نقطة بها، ومن أبرزِ المعالم في هذه الهضبة هي «قصبة الحمراء» وهو حصن يحتل مكانا منيعًا من الهضبة، وباقي الهضبة محاطةٌ بسور أضعف نسبيا مع وجود ثلاثة عشر برج بعضها لأغراض دفاعية، على مرتفع مجاور للحمراء .
ان الداخل الى غرناطة لا يرى قصر الحمراء لأول وهلة ،لكنه يستطيع ان يراه بعد ان يجتاز الميدان الجديد على نهر حدرة ،كما يستطيع رؤية ابراج القصر الحمراء المشرفة من هضبتها العالية على مجرى النهر القديم ،ومن الميدان الجديد يسير المرء في طريق يسمى (مرتفع بني غمارة ) حتى باب القصبة الاولى المسمى باب الرمان الذي منه الدخول الى هضبة الحمراء، وباب الرمان ليس احد ابواب قصر الحمراء الاندلسي ،لكنه بني في عهد شارلكان على طراز عصر الاحياء ،ويعد هذا الباب شعارا لمدينة غرناطة، وسبباً لتسميته بهذا الاسم ،كون هذا الباب عبارة عن عقد حجري ضخم يقوم على عمودين كبيرين نصبت في اعلاه ثلاث رمانات على هيئة مثلث اشتق اسمها منه ،والناظر من وراء هذا الباب يرى غابة رائعة باسقة الاشجار يتدفق الماء من جوانبها ،وتشدو البلابل على اغصانها وتتفسح الطرق الثلاث العريضة التي تؤدي الى القصر امامها ،فالطريق الاول يفضي الى الابراج الحمراء ،والاوسط الى قصر جنة العريف ،وهي حديقة ملوك بني نصر، التي تحتوي على أجنحة وأروقة محاطة بحدائق جميلة تسقى من خلال قنوات ونوافير ماء، والتي تعد نموذجًا متطورًا لما وصلت إليه إبداعات المسلمين في ذلك الوقت.
والطريق الثالث وهو الايسر الى باب الشريعة ، وهذا الطريق هو طريق صاعد مجهد وضعت على جانبيه مقاعد حجرية مصفوفة ،وانشأ الى جانبه حوض مستطيل مزخرف نقشت فوقه صور لبعض الاساطير اليونانية ،وان هذا الطريق والغابة لم تكن موجودة ايام المسلمين ،بيد ان باب الشريعة هو اول ابواب القصر ومدخلها الرئيسي الذي كان يجلس خلف هذا الباب السلطان او نائبه للنظر في المظالم جرياً على تقاليد خلفاء الاندلس ،ويبلغ ارتفاع هذا الباب خمسة وعشرون مترا ،وقد صنع على شكل حذوة الجواد ،ونقش في وسطه سطران كتب فيها بخط اندلسي متشابك اسم منشئ هذا الباب وتاريخ انشاءه وهو عام (749هـ/1350م) ،والسلطان ابو الحجاج يوسف بن الاحمر اعظم سلاطين غرناطة ،الذي حكم لمدة عشرون عاما ،وشيد اجمل وافخم اجنحة هذا القصر .
بعد اجتيازنا الباب الرئيسي ترى تمثال للعذراء ثم ممر من الناحية اليمنى يؤدي في نهايته الى مصلى اقيم به هيكل فيه لوحة رخامية تشير الى حصار غرناطة وتسليمها للكاثوليك سنة 1492م، كما يوجد امام هذا التمثال حوانيت لبيع الصور والتحف الغرناطية ،كما يوجد باب يسمى باب النبيذ ،او باب الشراب كان يسمى ايام المسلمين باب غرناطة او باب الحمراء .
اما شمال هذا الطريق الصاعد الذي يحوي باب الشريعة يوجد ميدان ،اطلق عليه الاسبان اسم ميدان الاجباب ،والذي منه يرى الناظر الصروح والاماكن الاثرية التي تضمها قصبة الحمراء الموجود فيها القصر ،اما يمين هذا الطريق يوجد قصر شارلكان ،وفي جنوب قصر الحمراء توجد ساحة يطلق عليها اسم العقبة او الحصن ،وفي نهايتها برج الحراسة ،وهو اعظم ابراج قصر الحمراء ،الذي يشرف على غرناطة كلها ،وهو المكان الذي وضع فيه الاسبان الصليب ،ويسميه الاسبان القصر العربي والذي يدلل على البذخ والترف الذي عاشه ملوك الاندلس المسلمين آنذاك .
يتكون القصر من ثلاث مجموعات ،اثنان منها تعود الى عصر السلطان يوسف بن الاحمر والتي لم يتبقى منها غير قاعة القدماء او قاعة السفراء التي تحوي زخارف كتابية ملونة غاية في الحسن والجمال والحمامات السلطانية التي تأسست في عهد السلطان يوسف الاول، اما الثالثة تعود الى عصر السلطان محمد الخامس والتي حوت قصر السباع ،الذي ضم بهو السباع ونافورته التي هي من اجمل واروع القطع المعمارية التي عظمة الهندسة والعمارة الفنية التي خلفها العرب في الاندلس بشكل عام، وفي قصر الحمراء بشكل خاص .
احتوى القصر على عدد من الابواب والقاعات والحدائق التي تميزت بالدمج في البناء والزخارف ما بين فن العمارة الاسلامية والطراز الاندلسي واليوناني ،وقد بنيت كلها بالجص والكلس والآجر، ومن اشهر هذه القاعات هو فناء الريحان الكبير وهو مستطيل الشكل، تتقدمه ساحة فيها بركة مياه وتظللها أشجار الريحان ونقشت في زوايا فناء الريحان عبارة (النصر والتمكين والفتح المبين لمولانا أبي عبد الله أمير المؤمنين…) والآية الكريمة (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، وفي النهاية الجنوبية لهذا البهو باب عربي ضخم، هدمت المباني التي كانت وراءه، ولم يبق منها سوى أطلال. وتوجد في هذه الأطلال بعض النقوش مثل «لا غالب إلا الله» «عزّ لمولانا السلطان أبي عبد الله الغني بالله»، ويؤدي باب فناء الريحان الشمالي إلى بهو صغير اسمه «بهو البركة»، ويلي هذا الفناء بهو عرف باسم بهو السفراء و يقع من الجهة الشمالية ،وهو اضخم بهو سعة في القصر الحمراء ، ويبلغ ارتفاع قبته ثلاث وعشرون مترا، وهو مستطيل الشكل أبعاده (18 × 11م). وفيه كان يعقد «مجلس العرش»، ويعلوه «برج قمارش» المستطيل.
يؤدي بهو البركة و قاعة العرش من جهة اليمين إلى فناء يسمى باحة السرو، وإلى جانبها الحمامات الملكية، وأول ما يلفت النظر غرفة فسيحة زخارفها متعددة الألوان مع بروز اللون الذهبي ثم الأزرق والأخضر والأحمر وفي وسطها نافورة ماء صغيرة، وتعرف باسم غرفة الانتظار. أما الحمامات فتغمرها الأنوار الداخلة عبر كوات بشكل ثريات وأرضها مرصوفة بالرخام الأبيض، ومن الحمام يتم الدخول إلى غرفة الامتشاط والاستراحة التي تكثر فيها الرسوم الغريبة عن الفن الإسلامي، ويتخلل الحمامات أبهاء صغيرة، اما شرق بهو البركة تقع قاعة الأختين، وقد ُعرفت هذه القاعة بهذا الاسم لأن أرضها تحتوي على قطعتين من الرخام الضخمة المتساويتين في الحجم ،تؤدي قاعة الاختين من بابها الجنوبي إلى بهو السباع وهو أشهر أجنحة قصر الحمراء. قام بإنشاء هذا الجناح السلطان محمد الخامس الغني بالله( 755 هـ / 1354م ـ 793 هـ / 1391م) ، وهو بهو مستطيل الشكل أبعاده (35م × 20م) تحيط به من الجهات الأربع أروقة ذات عقود يحملها مائة واربع وعشرون عمودًا من الرخام الأبيض صغيرة الحجم وعليها أربع قباب مضلّعة. في وسط البهو (نافورة الأسود)، على حوضها المرمري المستدير اثنا عشر أسدًا من الرخام، تخرج المياه من أفواهها بحسب ساعات النهار والليل.
وفي منتصف الناحية الجنوبية من بهو السباع يوجد مدخل لقاعة تعرف بقاعة بني سراج الغرناطيين، ولهذه القاعة شكل مستطيل أبعاده (12م × 8م). فرشت أرضها بالرخام. وتعلوها قبة عالية في جوانبها نوافذ يدخل منها النور. وفي وسط القاعة حوض نافورة مستديرة من الرخام، اما في الجهة الشرقية لبهو السباع يوجد مدخل لقاعة عرفت بقاعة الملوك (أو قاعة العدل)،وهذه زين سقف الحنية الوسطى لها بصورعشرة من ملوك غرناطة تعلوهم العمائم، تعبر ملامحهم عن الوقار والكبرياء. أولهم محمد الغني بالله. وآخرهم السلطان أبو الحسن والد أبي عبد الله. وهناك صور فرسان ومشاهد صيد.
اما منظرة اللندراخا ،وهذه تقع الى شمال بهو السباع وقاعة الأختين ،وذهب بعضهم في تفسير هذا اللفظ بأنه محّرف لثلاث كلمات عربية (عين دار عائشة). والجدير بالذكر أن عائشة كانت إحدى ملكات غرناطة في القرن الرابع عشر الميلادي، وإن لفظ (عين) يفيد (نافذة). وتتألف هذه القاعة من بهو صغير مضلّع، يليها جناح علوي صغير في نهاية الطرف الشمالي للحمراء. تحت (برج المتزين) هو متزين الملكة ،والذي يعود إلى عهد السلطان يوسف أبي الحجاج.
ان من الجدير بالذكر أن الجناح المجاور لساحة الإمبراطور شارلكان من جهة الجنوب يحمل لوحة رخامية تذكارية تذكر أنه كان مقامًا للكاتب الأمريكي واشنطن إيرفينج عام 1829 الذي اشتهر بكتابته فتح غرناطة وقصر الحمراء.
المصادر
- محمد عبدالله عنان ،الآثار الأندلسية الباقية في إسبانية والبرتغال ـ دراسة تاريخية أثرية، مؤسسة الخانجي في القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1381هـ/1961م.
- ـ عبد العزيز الدولاتي، مسجد قرطبة وقصر الحمراء، دار الجنوب للنشر، تونس 1977.






