الدكتورة إيمان التميمي

 يعتبر هذا الجامع اول جامع تم بناءه في مصر وافريقيا كلها سنة (21هـ /642م) وعرف بمسجد الفتح والمسجد العتيق ،ولقب بتاج الجوامع اسسه المسلمون بعد فتح الفسطاط بأمر من القائد عمرو بن العاص الذي فتح مصر سنة 20 للهجرة ، وبحسب ارشيف وزارة الاوقاف وهي الجهة المشرفة على الجامع ،عدته ثالث مسجد بني في مصر وافريقيا ، وهو الاثر الوحيد الباقي من مدينة الفسطاط القديمة ،ويمثل منارة حضارية تحمل تاريخ مصر الاسلامي عبر القرون .

  بني هذا الجامع تماماً مثل بناء المسجد النبوي الشريف كي يعبر عن القيم الاسلامية ودون الاسراف في بناءه ،لكن بعد ذلك تم بناء مظلة تحمي المصلين من حر الصيف وبرد الشتاء والعوامل الجوية المختلفة ،ويمتاز ببساطة التصميم والتخطيط فهو عبارة عن صحن مكشوف تحيطه اربع اروقة اكبرها رواق القبلة  بأعمدته الرخامية المختلفة الطرازات والتي مازالت بعض الواحها خشبية تحمل زخارف بيزنطية.

تم بناء الجامع بمصر القديمة بحي الميدان ،على مساحة خمسين ذراعا ًفي ثلاثين ذراع ،ظل المسجد على مساحته هذه حتى زادها والي مصر مسلمة بن مخلد سنة 53هـ ،وانشأ به صوامع للمؤذنين ،وكان للمسجد ستة ابواب واربع مآذن ،وقد توالت عليه  العديد من الاصلاحات في البدء تم انشاءه على مساحة مستطيلة طولها خمسة واربعون متراً، وعرض سبع وعشرون متراً، وتم استخدام الطوب لبناء جدرانه التي لم تدهن ،كما استخدمت جذوع النخيل للأعمدة والسعف للسقف ،وكان له عدة ابواب ،بيد ان حائط القبلة لم يكن به باب .

يتميز الجامع بكونه مدرسة يتخرج منها العلماء ،والثوار ،ورمز لرد المظالم ،ونصرة الضعفاء ،كما اصبح هذا الجامع مركز اشعاع حضاري ارسى في مصر قواعد واصول علوم الدين واللغة العربية ومنه انطلقت القيم والمبادئ الاسلامية الى افريقيا كلها ،وظل لسنوات عديدة المسجد الوحيد في مصر تقريبا حتى سنة (108 هـ/750م) .

يمثل الجامع اقدم الطرز المعمارية لبناء المساجد واهمها ،وهو طراز الجامع الذي يتألف من صحن مربع او مستطيل تحيط به اربع اروقة اعمقها رواق القبلة الذي كانت تعقد به حلقات العلم للطلبة ، ودروس الوعظ  للسيدات ، ووفقاً للهيئة العامة للاستعلامات في مصر، يتواجد في صدر رواق القبلة محرابان مجوفان يجاور كل منهما منبر خشبي، كما تُوجد بجدار القبلة لوحتان ترجعان إلى عصر المماليك، و يوجد بالركن الشمالي الشرقي لرواق القبلة ضريح عليه قبة يعود تاريخها إلى عبد الله بن عمرو بن العاص. 

تتوسط  صحن الجامع  قبة تحمل على ثمانية أعمدة رخامية مستديرة الشكل، وكانت نوافذ الجامع القديمة مزخرفة بزخارف جصية لا زالت بقاياها موجودة بالجدار الجنوبي، أما عقود الجامع في رواق القبلة، فإنها ترتكز على أعمدة رخامية ذات تيجان مختلفة استجلبت من عمائر قديمة، تعلوها اقواس تتصل بسقف الجامع .

اما المدخل الرئيسي للجامع  فهو يتصدر الجهة الغربية ، ويتوج واجهات هذا المدخل من الخارج من الأعلى شرفات هرمية مسننة، وللجامع مئذنة أخرى ذات قمة مخروطية تعلو أحد مداخل الواجهة الرئيسي .

وعلى مر العصور زاد الاهتمام بالجامع من قبل الحكام الذين حكموا ، فقاموا بتوسعته ، واضافوا المنابر والمحاريب ،ومن اشهر الائمة الذين القوا فيه الدروس هو الامام الشافعي ،الذي قدم الى هذا المكان واصبح يلقي فيه دروس العلم وعرف مكانه بزاوية الامام الشافعي ،وصار فيما بعد يحرص على التدريس فيه كبار الفقهاء والعلماء على مر العصور ،كالليث بن سعد ،والعز بن عبد السلام ، وغيرهم وقد بلغت حلقات الدروس فيه ثلاثة وثلاثون حلقة فيها ثلاثة عشر حلقة للشافعية ،وخمسة عشر للمالكية ،وثلاث حلقات للحنفية ،بيد ان تلك الحلقات ظلت تزداد الى ان بلغت مائة وعشر حلقات في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري .

ومن زيارتنا للقاهرة هذا العام ذهبنا لمشاهدة هذا الصرح الديني والتاريخي الكبير، وكان المسجد تحت التعمير ،والتقينا بالشيخ عبد اللطيف الذي اخبرنا انه مقيم شعائر المسجد كما اخبرنا بعدة معلومات تاريخية جميلة وقال: ان المسجد تجدد احدى وخمسون مرة ،وهذه المرة الثانية والخمسون ،وان هذه التعميرات والتجديدات استمرت على طول  حكم الدول التي حكمت مصر ،واخبرنا ان المسجد الان على مساحة مستطيلة تبلغ  ثمانية وعشرون الف متر ،وان له  حاليا ًاثنا عشر باباً  ،واربعة محاريب كل محراب يقع بزاوية من زوايا الجامع ،وان المسجد مقسم الى جزأين ،الجزء الاصلي القديم  سقفه من الخشب ،والجزء الجديد سقفه من الخرسانة ،وانه يحوي ثلاثمائة وخمسة وستون عمودا على عدد ايام السنة ،وعلى نفس الطراز القديم ،وان احد هذه الاعمدة كتب عليه الامام الشافعي بنفسه وسمي باسمه ،ويتوسط هذه الاعمدة قبة كانت سابقا مكانا لجمع الغلال والحبوب التي توزع على فقراء المسلمين والايتام منهم .

توجد في الجزء الخلفي القديم من الجامع دكة تسمى دكة المبلغ مهمة هذا المبلغ نقل صوت المؤذن بعد الصلاة ليصل الى الجزء الامامي للمصلين في الجامع لعدم وجود مكبرات الصوت آنذاك .

و يضيف الشيخ ان للجامع تسعة وتسعون شباكا ،يقال انها صممت على عدد اسماء الله الحسنى مازالت موجودة الى الان ،وعلى يمين المسجد في الجزء الامامي منه يوجد بئر يسمى بئر صحابة رسول الله يتوضؤون منه ويشربون ،لعل ذلك يعزز ما جاء ان الصحابة قاموا بإمامه المسلمين في هذا الجامع وخصص لهم هذا البئر الذي عرف باسمهم .

 وشاهدنا مصابيح معلقة تسمى( المشكاة )تنتشر على طول اسقف المسجد ، فاخبرنا انها للزينة والاضاءة ، وكانت سابقا تضاء بالزيت لتنير للمصلين الجامع في المساء وزينة للمسجد في الصباح كونها في غاية الجمال في شكلها وطريقة تعليقها ، وعلى الطراز الاسلامي القديم وقد شملها التطوير واصبحت تضاء بالكهرباء واحتفظت بشكلها الاثري القديم وان عددها الف ومائتان وخمسون مشكاة .

وعن أهمية الجامع  التاريخية قال: أن دور جامع عمرو بن العاص لم يقتصر على اداء الفرائض الدينية، فحسب بل كانت تعقد فيه محكمة لفض المنازعات الدينية والمدنية، حيث كان ينعقد فيه مجلس للقضاء الى جانب مجالس العلم ،وقد خطب فيه وأم المسلمين العديد من الصحابة الكرام ،وبهذا لم يكن الجامع مركزا للشعائر الدينية فقط ،بل كان مدرسة دينية وعلمية تناقش فيه كل امور المسلمين الاجتماعية والحربية وغيرها بالإضافة إلى أنه كان المكان تجمع فيه الأموال والغلال وتوزع للأيتام والفقراء.

ويختتم الشيخ حديثه بأن هذا الجامع يتسع من المصلين مليوني مصلي ،يكتظ بهم الجامع في المناسبات الدينية ،وايام الجمع خاصة في شهر رمضان الكريم

  المصادر:

  1. محمود احمد ،جامع عمرو بن العاص .
  2. زيارة ميدانية من قبل الكاتبة  الى الجامع بتاريخ 27/نوفمبر /2022م

منظر داخلي للجامع تظهر فيه الاقواس والاعمدة والقبة التي حملت على ثمانية اعمدة من الرخام .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا