عندما يتحدث منصور خالد عن فشل النخبة فإن اول مايتبادر لذهن القارئ فشل المنظومة التعليمية والتربوية بالسودان بل وفشل القيم والمبادئ الأخلاقية لهده النخبة وبالتالي فشل المفاهيم الحضارية  المنتقاه للوصول الأهداف والغايات المبتغاه.؛ فهل كان خالد محقا في وصف النخبة السودانية بالفشل الدائم ؟!

عنوان النخبة السودانية وإدمان الفشل سيجعل القارئ  يتذكر نخب السودان وتميزهم ولا إراديا تبدأ التساؤلات الاعتراضية على التعميم في العنوان .أين التجاني الماحي أول طبيب يتخصص  في الطب النفسي  وأفريقيا؟

أين العالم العلامة البروفيسور /عبد الله الطيب الذي يعتبر أول من أسس جامعة تُعنى باللغة العربية في نيجيريا وأول من تحدث عن أثر الحضارة العربية في تمدين أوربا وكل مايتردد الآن في إجازات الماستر والدكتوراه ما هو إلا دفقة من نبعه هذا غير ما أثرى به عوالم الأدب والتاريخ وعلوم اللغة والنقد ؛ أين الشعراء والادباء الذين ذاع صيتهم وبلغ عنان السماء واتو بما لم يأتي به من سبقهم محمد المهدي؛ المجذوب ؛الفيتوري؛ محمد المكي ابراهيم وغيرهم من الأسماء

هذا غير التجار والزراع والصُنَّاع  الذين خدموا الشعب دون مقابل فأسَّسوا المدارس والجامعات وحوَّلوا ملكياتهم الخاصة للملكيّة العامة أمثال بابكر بدري  والشيخ مصطفى الأمين  وغيرهم من المعلمين وأبناء الوطن البارِّين .

بطبيعة الحال فإن الدكتور منصور خالد لم يَعني هؤلاء  الأفذاذ وغيرهم من العلماء البارِّين ولم يشملهم في القصد إنما يعني النخبة السياسية وشقيقتها الصحفية التي تقرع لها الأقلام وتهيء لها الأزلام.؛ وجميع الموضوعات التي يطرحها هذا الكتاب حظيت بقدر وافي من الشرح  والتناول كما لم يحظ كتاب من قبل؛ حيث يكاد كل سرد تاريخي أو كلمة- ينطق بها أي شاب في المنصات السياسية ومنابر البث المباشر اليوم- محض استقاءٍ من هذا السفر أو شاكلته مما نقل عن منصور خالد أو قرنائه، الأمر الذي انعكس في كل ما طُرح في منابر الرأى ومساحات التعبير وحتى تلك المخاطبات الجماهرية التي كانت تعقد قبيل الثورة بقليل أو بعدها مثلا قضية الهوية، ومايخص أمر الادارة الأهلية والنظامين الرئاسي و البرلماني وقضية حقوق المرأة والطفل وغيرها من القضايا مثل قضية الحكم والدستور الدائم وغيرها من القضايا.

ناقش الكتاب الكثير من الأحداث التاريخية التي حدثت داخل البرلمان سواء في الفترة الأكتوبرية مثل طرد الشيوعييِّن من البرلمان السوداني أو ماحدث في الفترة المايوية من أحدث الجزيرة أبا أو قمع مايسمى بالثورة المضادة.يرى الكثيرون أنَّ حديث الدكتور منصور خالد وآرائه حول هذه القضايا أصبح متداولا ومستهلكا على نطاق واسع ولكني سأتناول بعض النقاط مثل الإدارة الأهلية،الوحدة الوطنية، حقوق المرأة والطفل وقضية  الصراع حول الهُويّات.

أقل مايقال عن صراع الهويات القاتلة كما يصفها أمين معلوف أنه صراع عبثي بمعنى الكلمة خاصة عندما يأتي في ثوبه البالي (نحن أمازيغ ولسنا عرب ونحن أفارقه لا عرب وماشاكل ذلك ) وفيه من التناقضات  مايثير حفيظة الكثير من العقلاء والحكماء فالهُويّات عادة ماتكون متغيرة ومتجددة خصوصا في البلدان التي تُشكِّل تجمُّعا لشعوب مختلفة مثل أمريكا والسودان والعراق والمغرب العربي …الخ  وتبقى حكاية الهوية أكبر وأعمق من أمازيغي نوبي وعربي وغيره.

أمّا في مايتعلق بالخنوع لصُنّاع الحضارة وتأثيره على الآخرين ووجوب حماية الهُويَّة فاذا سلَّمنا جدلاً بالحفاظ على هُويّة ما أو سحنةٍ أوعرق أو دين فلا يمكننا حرمان أي مجموعة ثقافية أو دينية أو أيدولوجية ،من هذا الحق الأصيل (وحكاية الحفاظ على نقاء عرق  مابالكلية  في بلاد مثل السودان أمر يقرب للمستحيل).
وصانع الحضارة لا يتصدق بها بل يعطيها بمقابل و هذا لا يعني أن لا يُعترف لصانع الحضارة بالفضل.
  أبداً يظل هو صاحب فضل، وطالما صنع صانع ل
حضارةً ما وحافظ على تلك الصنعة يظل هو سيّد الموقف بلا منازع وتتأثر به الهُويّات الثقافية لكل المعجبين به والمجاورين له سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة  وللحديث في هذا الموضوع بقية .

اليوم سنتعرفُ على السَّردٍ التاريخي لماحدث بخصوص الوحدة الوطنية  في الفترتين الأكتوبرية والمايوية كما سردها منصور خالد  وكما أشرتُ في الأسطر اللاحقة فإن الدكتور قد تطرَّق للإخفاقات والإنجازات وإن قلَّت  ولم يجعل من اقتراح الحلول طرحاً أساسيَّاً ضمن المحاور الرئيسية التي ناقشها ولكنه وضع لبنات وصفية هائلة للكِيانات السودانية المجتمعية والسياسية والأيدلوجية.

النخبة التي ظل منصور خالد يشير اليها بأصابع الإتهام  في أغلب الأحيان هي نخبة أكتوبر 1964 والتي حمَّلها وزر كثير مما حدث في مايو من إقصاء وقمع للحرِّيات يقول أنّ بداياتها تعود إلى (أكتوبر 1964).
ورغم ذلك يؤكد الكاتب أنّ ثورة أكتوبر قد تركت بصمات في تاريخ السودان لن تزول وأثرا عميقا من التماسك الإجتماعي والإداري في البلاد ليس له مثيل. إنتقد منصور العسكر وأيضا اعترف لهم بنجاحهم الجزئي(حسب وصفه) في أداء مهاهم ويروي قصة مبادرة (الميرغني – قرنق) قائلاً إنّ المؤسسة العسكرية أيّدتها وكتبت مذكرة لرئيس الوزراء آنذاك (الصادق المهدي) تُخيّره بين قبول المُذكّرة أو إعلان الجهاد الشامل على أن تعد الدولة للأمر عُدّته، ويُعلِّق منصور على هذه النقطة بأنّ قادة الجيش كانوا أكثر منطقية وأمانةً مع أنفسهم من أولئك الدين كانوا يحسبون أنّ بمقدورهم إقامة دولة دينية. ومنصور خالد هنا يلفت انتباهنا لأشياء هامّة جدا في المؤسسة العسكرية حين نجده يقول: إنّ الجيش الذي يقاتل تحت راية دولة دينية من بين من يقوده من يُدعى مارتن ومن يُدعى ستيفن  ومن يُدعى جورج .
فما أحوجنا لسماع بعض الحقائق عن مؤسستنا العسكرية وعن حقيقة أنها صمام أمان البلاد والعملية السياسية والدولة المدنية الحديثة التي ننشدها وأنّه لا مكانة للعنصرية فيها كما ينادي بذلك البعض.

ومن بعد العسكر التفت منصور إلى من اسماهم  مدرسة المشاغبين (( مسوخ ترتدي البِزَّات وتلك الشعارات وقد أسميناهم  في كتاب آخر بدراويش السياسة؛ يقف الواحد يصيح  ليبرالية اشتراكية، وحدوية، إسلامية كما يقف الدرويش في الحلبة وهو يصيح حي قيوم)) . استقبح منصور خالد دعاوى القوى السياسية وتريددهم للشعارات دون جدوى خصوصا تلك الشعارات الإرهابية التي تستخدم لتخويف المواطن من إبداء رأيّه .

ومن ثَمّ تحدث عن الدولة العصرية في ذلك الوقت وبطبيعة الحال فقد تغيرت المعايير كثيرا مابين المعاصرة التي يحدثنا عنها خالد ومعاصرة اليوم؛
فما عادت القوات النظامية وتدريس الإدارة العامة أو فصل الدين عن الدولة إذ يُعبِّر عن الدولة الحديثة او العصرية فالتغيرات التي طرات على عالمنا في خلال الخمس أو السبع سنين الأخيرة من تطور في الحياة الرقمية والعلوم والتكنولوجيا بحيث أصبحت الدول تقاس بمدى قوة بنيتها التحيتية ومدى قدرتها على تفعيل معاملاتها افتراضيا بالذكاء الاصطناعي وماشابه ذلك فكل هذه الأشياء كفيلة بان تجعل كل ماوصفه خالد لشكل الدولة الحديثة نبش من الماضي( انظر صفحة 62 ــ الجزء الأول ) .

 وعموماً فإنّ كتاب(النخبة السودانية وادمان الفشل)هو سرد للأحداث السياسية في الفترة من الاستقلال وإلى قيام ثورة الإنقاذ الوطني والتي سقطت بثورة شعبية في 18/12/2018 والنقد فيه نقد للفعل السياسي بامتياز  فمثلا عند حديثه عن الأيدولوجيات الدينية  والدهرية لم يتعمق في طرح رؤى ماركس أو البنا ولم يفنِّد أو يقرظ أيّاً من هذه الأفكار الاّ في إطار التطبيق السياسي فقد أنكر على الشوعيين مغالاتهم في الإشتراكية كما أنكر على الإسلاميين فرضهم اللغة العربية وتعلُّم علوم تعتبر عربية إسلامية على الجنوبييّن أو غير المسلمين في جبال النوبة وهذه واحدة من النقاط التي تُحسب للرجل.
كما شدّد منصور على قضيتي الوحدة والتنمية و أزمة  التنمية.
أيضاً تناول الكاتب قضية العدالة الاجتماعية والوجه الإقتصادي والإجتماعي. (ومن ثمّ فصَّل في ذلك).

وفي إطار موضوع  الوحدة الوطنية أكَّد منصور خالد أنّ السودان ظلت تحكمه مجموعات عربية إسلامية منذ استقلاله.

ركَّز منصور خالد حديثه على تعدد القوميَّات والأديان والثقافات في السودان هكذا وصفها من حيث كونها موجودة ولم يتطرق لتفاصيل مشتركة تعضدد شأن الوحدة ثقافيا ووجدانيا مما يجعل القارئ  يتساءل عن الأسس التي يريد منصور ان تتم من خلالها .
وأشار الى انّ فن الممكن (السياسة) يُمكِّن من توحيد هذه الكيانات وجعل روح المواطنة هي الرابط الأقوى؛ وناقش قضايا الديمقراطية بجميع أوجهها من ديمقراطية تعددية إلى ليبرالية تجديدية الى قضية الحريات النقابية والأكاديمية.
كما أشار إلى أنّ هناك من يرى أنّ رابطة الدين أعلى من رابطة المواطنة والعكس سارداً بعض المواقف التاريخية التي حدثت من رجال الدين بعد أكتوبر الأخضر ( بالطبع فإنَّ منصور هنا يعني أهل الخرطوم والمدن الكبرى لانه كما ذكر في مقدمة الكتاب توجد أقاليم لا دين لها من الأساس وهنالك أقاليم لا تتحدث العربية ناهيك عن الإلمام برابطة دين او مواطنة  فيبدو أننا فعلا نحتاج لتشكيل دولة جديدة نعيد فيها تعريف الأشياء وترتيبها ) .
وفي مقارنته للوحدة الوطنية مابين الأمس واليوم (يعني أكتوبر ومايو على الترتيب) يقول :

كان في نظام مايو من ينادى بوحدة الهدف قبل وحدة الصف ويؤكد أن هذا التعبير تسرب الى أدبياتنا من مصر الناصرية فتدافع انصار المنهج التجديدي البراغماتي الى هذا النداء تدافعاً.

مشكلة الوحدة الوطنية :
يرى خالد أنّ السبب الرئيسي في مشكلة الوحدة الوطنية هو عدم مقدرة الأنظمة المتعاقبة من خلق إنصهار وطني بحيث تصبح روح المواطنة هي العروة الوثقى بين  أبناء الوطن الواحد ويقول إنّ الذي يريد أن يتحدث في الوحدة لابد من أن يضع في عين الإعتبار  تعدد الكيانات السودانية ويوصف الحالة السودان من كون السودان يتكون من أعراق متعددة وأديان متعددة.
ومقولته أنّ السودان وطن إفتراضي بحاجة الى  شيء من التحليل والمقارنة وهل السودان هو البلد الوحيد  الدي تتعدد اديانه وكياناته العرقية والدينية؟فلم لم تكن تلك الدول مجرد أوطانٍ افتراضية.

أمّأ في مايخص أنّ المجموعات العربية الإسلامية هي من ظلت مسيطرة ولا يوجد من بينها حزب سياسي إهتم لوجود الكيانات غير العربية باستثناء الحزب الشيوعي فهو الوحيد الذي  اعترف بالقوميات.

استنكر منصور أسلوب الدعاة الذين يكفِّرون كل من دعا لتعطيل بعض الحدود في الشريعة الإسلامية، وقال ان أهدافهم أهدافاً دنيوية و تساءل إن كان هنالك الإستقطاب الديني الذي يهدد الوحدة الوطنية؟ طبعا في حالة جنوب السودان نجده قد انفصل لأسباب تنموية ودينية أكثر من كونها عرقية

والأسباب التي حالت دون الوحدة من وجهة نظره هي:

١/قصر نظر الطامعين في الحكم من أهل الشمال.

٢/ادمان مغالطة النفس.

٣/الإستهتار الكامل بالقضايا المصيرية.

عزى منصورالأسباب التي حالت دون الوحدة إلى عنجهية الشمال النيلي وقال أنه كلما طرح لهم غير العرب طرحا لم يألفونه وصفوه بالعنصرية.

لا شك أنّ ماقاله به شيء من الحقيقة فهنالك أسباب تنموية كانت تمثل أساس مشكلة الجنوب بيد أنّ هنالك حب كبير يجمع بين الشماليين والجنوبيين يدفعهم أن يتجاوزوا لبعضهم البعض لكن احتكاك الأيدولوجيات هو الذي عجّل بالإنفصال حين أصرّت الحركة الشعبية على موقفها من فصل الدين عن الدولة وإصرار المؤتمر على موقفه وبقائه في الحكم حتى وإن كانت النتيجة فصل الجنوب فالمسؤولية في هذا الخطأ التاريخي والمستقبلي الفادح مشتركة بين جميع نخب الشمال والجنوب وإن وقع وزرها الأكبر على الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني.

إضافة الى أسباب أخرى تتعلق بالوعي العام لدى المواطنين والموروث من العادات والتقاليد والمبالغة في الإنكفاء على الذات والإكتفاء بالقليل او سمها القناعة وغيرها من الأسباب .ورغم أنّ القواسم المشتركة بين الشمالين والجنوبين كانت أطغى من الفوارق لكن قدّر الله وماشاء فعل .

يُتّبع..

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا