هي أيام البؤس والقلق وتجمد الفكر ؛ أيام القساوة والشقاوة والتعب ؛ مهما بعدت أو نجوت بجسدك  تظل الروح معناة والقلب يتـألم (لما يحدث للأهل والجيران والأحباب وأبناء الوطن ما يحدث للتراب  الغالي  الماليهو ثمن ) والنفس اللوامة تائهة في محيطات العتاب  تعاتب ذاتها ومن تعرفهم ومن لا تعرفهم على هذا الاخفاق الجلل  حاسرة ساهرة على اللاشئ قد يمن عليها الله ويغشاها النعاس أو يرسل الله لها  من يدفع عنها ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت مساجد وصوامع وكنائيس)  أو تذهل  عما حمِّلت فتنخدع الحواس فتمارس روتينها دون إدراك  وتظل الكريهة سيدة المواقف في الصحو واليقظة تلقي بظلالها العاتمة على من يريد ومن لا يريد…الحروب الدامية التي يحمى وطييسها وتتجرع الشعوب ويلاتها بعد ان سرقت نياقها  وعقرت جمالها جرائم لن يغفرها الزمن وحرب الخرطوم نموزجا

حروب غاشمة انهكت جسد شعوب الإقليم وحالت دون لحالقها بالركب بالأمس كانت مأساة الجزائر والمغرب وفاجعة جنوب السودان ودارفوروماأنفكت المصائب تديردائرتها لتروع الآمنين في الخرطوم فكل مانرجوه ونتمناه ان تكون آخر المآسي والكوراث وآخر الحروب

حرب الخرطوم  شكلت صدمة  كبرى لكل شخص كان بعيدا عن المشهد السياسي و الغريب في الأمر الكثير منا لديه خلفية عن اسباب الحروب في إقليمنا العربي والتي في معظمها حروب نتجت  عن تطرف ديني أو خلافات عقائدية ودينية ومذهبية  كما حدث في لبنان والعراق وسوريا واليمن وربما ذات  السبب هو ما جعلنا نستبعد حدوث مثل ذلك الدمار. فالخرطوم حيث التسامح الديني  والتآخي والتحضر  وخلو السودان من المذهبية ؛ والناس فيها أشكال وألوان ؛ اعراق واثنيات وجنسيات مختلفة جاؤوها من كل حدب وصوب فأحتضنتهم بين نيليها وآوتهم على جنباتها  وسقتهم من كأس مدنيتها الفاخر فحبوها وعمروها باللبهجة والفرح والمرح  ووضعنا بصمتهم الخاصة على كل من يزورهم أو يحاورهم أو يسكن معهم في لهجته وفهمه

إنسان الخرطوم كان انموزجا للإنسان المتحضر في الوطن العربي …زرت الكثير من مناطق وعواصم العالم العربي لم أرى في ما رأيت مثل جمال وتحضر إنسان الخرطوم الا نادرا.

هذه الايام يعيش عشاق النيل حالة غريبة من الإكتئاب والحزن  حد الإنهيار تمنعهم كبرياؤهم من إظهارها إذ لا يليق بإبن النيل  الإطراق والإنكسار  وهذا ميثاق غليظ على أبناء النيل نسأل الله أن يشدد من أزرهم ويربط على قلوبهم ويعيد الأمن والأمان إلى ديارهم  إنه ولي ذلك والقادر عليه .

من أثقل الأشياء إلى نفسي  هذه الأيام أن اقرأ كتاب أو قص قصة مكتوبة لأطفالي ح؛ حالة لم أمر بها إلا نادرا ؛ جربت أن أقرأ العديد من الكتب التي يمكن أن تساعدني على فهمة عملية الحرب الدامية التي يدور رحاها في بلادي وأرض أجدادي فللأسف معظم تلك الكتب التي اطلعت علىها أو تصفحتها بعضها وجدت بعضها يبشر بوقوع هذه الحرب والعض الآخر ينذر ويحذر منهذا اليوم المشؤوم وهذا فسر لي حالة الصمت الرهيبة لنخبنا وساستنا وادبائنا ؛  فبلا شك أنهم كانوا  مطلعين على إستشراف هذا  الجانب المظلم فأصبحوا متهيئن؛   وربما حاولوا مناهضة هذه الحرب ولم يستطيعوا أن يدرؤا وقوعها فبنهاية الأمر الأقدار أحدث مقدرة ؛ فرفعت الاقلام وجفت الصحف وفات الآوان على لوم وعتاب سواء الساسة الكبار في العمر أوالأهالي على إبعاد أبنائهم عن صناعة الأحداث أو تغير مجرى الأحداث من حروب وتدمير إلى سلام وتعمير ..

(فكنا نبحث عن معنى الوجود أصبحنا نبحث عن سبل  الوجود وكنا نكتب عن أهمية تجويد وتطوير الحياة صرنا نبحث عن طرق البقاء على  قيد الحياة  هكذا شاءت الأقدار).

كنا نناقش ونتحدث عن التنمية المتوازنة وضرورة الإستثمار في الموارد البشرية ومهارت وقدرات الشباب وكنا نحاول خلق فرص موازية  في ظل تفشي الصراعات الايداوجية والتحيزات الحزبية وغيرها من الخلافات التي كان بالإمكان تجاوزها وغض الطرف عنها خصوصا وأن كثير من الشباب بات  يزهدهم جميعا ؛ أصبحنا نبحث عن حق الحياة.

عندما يصبح دوي صوت المدفع هو المتحدث الرسمي والوحيد في الساحة ساعتها تدرك أن بلادك إنحدرت لما بعد القاع وأن اليد الواحدة التي كنت تبشر بها أصبحت شبه مشلولة لم يعد لتكليف النفس بالمهام الفردية تجاه المجتمع أهمية لم يعد المجتمع مجتمع كما كان ولا نقول إلا مايرضي الله ومع هذا  ستظل قلوبنا تنبض بالأمل والتفاؤل وأن  مايحدث في بلداننا لحكمة إلهية غائبة عنا أو أراد الله أن يطهر الناس من دنس النفاق وكل يسلك طريقه دون أذى الآخر؛ فبهذا وذاك نعلل النفس بالآمال نرقبها فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا