الجزء الثاني من قصة الحائك على منوال الفراغ للكاتب والقاص السوداني زياد محمد مبارك

0
801

كيف لا يهم؟! كيف؟! كيف؟! كيف؟! هذه المرَّة فكَّر أن يخنق نفسه بيديه، ينتزع لسانه ويحرقه، ينثر رماده لريحٍ تبدِّده في أقصى المسافات، فكَّر في طقوس أخرى يعاقب بها نفسه لأجل تفوهِه بهذه العبارة في تلك الليلة. ألم يفكر للحظة أنه قد يفقد الذاكرة ولا يجد بين يديه غير هذه الليلة وتلك الأحاديث الهامَّة. أما فكَّر أن عبد السميع هذا بهجائه له إن كان قد ذكر اسمه لقدَّم له خدمةً جليلة. أليس له الحق في معرفة اسمِه المضمَّنِ في القصيدة كما يعرفه الجميع؟! ألا يهمُّه أكثر مما يهمّهم؟! بدأ يفرقعُ أصابعه بعصبيةٍ في لحظته الراهنة إذ يحاول أن يغترفُ من تلك الليلة الماءَ فيسحبُ في يده السرابَ ينسابُ من بين أصابعِه. بدا كمن يبذر بذور اللاشيء وينتظر أن تُنبِتَ نخلاً ويجني رطباً. فرقع أصابعه عِدَّة مرات بعصبيةٍ متناميةٍ في هياجها. ولكنه في تلك الليلة بعد عبارته السالفة، مضى في السيناريو الذي ليس في طوع كل فرقعاته أن تعدِّلَه.

دلقوا جميعاً كؤوسهم في إناء القصيدة، يتحدثون عنها إذ صارت أُمثولة الحكايةِ والدندنةِ والجدلِ في تلك الليلة، بمن فيهم هو والرجال الخمسة على الأريكة والكرسين الاثنين. شرَّحوا جسد القصيدة بمشارحهم النقدية، اتفقوا بلا نطق على براعة عبد السميع في تشكيل اللغة وتركيب الجمل وإزاحة صور الشعر في نثرها بانفراج زوايا الألفاظ والمعاني والتراكيب، تمدُّ في اللا منطوق لسان استعاراتها للشعراءِ ولنقادِ الشعر الحداثي المنادين باستعادةِ التقليدِ الشعرِيّ من جراب العصر، وتمدُّ للموصوفِ كنايةً عنه بغرض الإبهام سمَّاً ناقعاً يجترعه بكأس الشِّعر.

تداولوا القصيدة سطراً سطراً، ومعنًى معنًى، ظاهراً أو متوارياً مختبئاً خلف حجارة المعنى القريب. هجاهم جميعاً عبد السميع، ولكنه بالذات خصَّص قصيدته لهجائه هو بالتحديد، ومرَّ عابراً سريعاً خفيفاً في هجاءِ شلَّتِه. ولكنه تالياً بالذات أفحشَ في حقه وأظهره صغيراً حقيراً في أمسية الجمعية، وأضحك عليه الأصدقاء والأعدقاء والأعداء. وبينما هم يدندنون، الرجال الخمسة على الأريكة والكرسيين الاثنين، كانت ضحكاتهم تفلتُ أحياناً قبل أن يخمدوها بسرعة كيلا يصبَّوا زيتاً على النارِ في جوف صاحبهم.

أخرج الأوسط ذاته في الأريكةِ هاتفه النقَّال من جيبه وقال ضاحكاً بينما يمرِّر إصبعه على الشاشة ساحباً المصوَّرَ مضيئاً على شاشتها: “لقد نشرها عبد السميع صباح اليوم في حائطه بموقع فيسبوك، وقد حصدت تعليقات طريفة، أقترح ألا تمرَّ بصفحته إذا كان ذلك قد يغضبك!”. خطف فوراً الهاتف من يده وصاح:

“أعطني الهاتف! سأقرأ الآن!”.

فرقع أصابعه كأنه في لحظته الراهنة على وشك أن يصطاد غزالة الفكرة التي لهث في سعيه وراء آثارها في البراري المجهولة التي تشيأت مرآةً تعكس هيئة ماضيه. اندَّس في نفسه أملٌ وراحةٌ بين أفيائهما قد يكمن اسمه في تعليق من هذا أو ذاك في صفحة الشاعر يصرِّح باسمه ويكفيه فجاجةَ الدندنة والجدل. يذكر أنه قلَّب صفحة عبد السميع في حائطه الأزرق رأساً على عقب، فوجد المعلِّقين إذ يضحكون ويكبسون وجه السخرية المرسوم ضاحكاً أسفل المنشور القصيدة قد تواطأوا على لكزه بالتعريض بدون ذكر اسمه بجهارةِ التصريح. أعاد للأوسط جهازه الجوَّال واحتفظ لنفسه بخيبته تجولُ في نفسه حسرةً مطلقةَ السراح.

“ولكنك يا …”.

يا من؟! قله، قله، قله! كاد أن ينفطر قلبه إلى جزأين إذ تشطره مدية الذكرى كلما تهيأ له النداء يبرق ثم يخبو في عتمة السماء. يا من؟!

أردف الأوسط قائلاً وهو يزلق هاتفه في جيبه العلوي بعد أن تشاغل به قليلاً فعلِقَ انتباهُه بصورته الضوئية على الشاشة: “ولكنك يا عزيزي لا تعلم أن الحقير عبد السميع نشر القصيدة أيضاً في الصفحة الثقافية التي يحرِّرها صاحبه الأُفْعُوان بصحيفة فضاءات الوطن الصادرة صباح اليوم”. ثم أخرج من جيبه صحيفةً مطبَّقةً بعنايةٍ جيدةِ الطيِّ ومدَّها إليه. فردها أمام ناظريه وقلَّبَ ورقاتها بسرعةٍ إلى حيث الصفحة الثقافية وحشد تركيزه في قراءة القصيدة يجردها كلمةً كلمة. لكمْ ظل يقرأ لا يدري، فالزمن مستعصٍ على الأقيسة، لا يمكنه تقدير كم دورةً دارت عقارب الساعة، أو كم رملَاً تسرَّب وارتفع كثيباً في أسفل ساعة الرملِ الزجاجية، أو لأي مسافةٍ انزاحَ وتمطَّى الظلُّ المُنبعثُ من العصا الأفقية على لوحِ ساعة المِزْوَلَة إذما اشتغلت بقياسِ الوقت الممتدِ فيما قبل الميلاد.

ولمَّا اكتفى من القراءة أعاد تطبيقها بأصابع يرسلُ ارتجافها رسائل التوتر والقلق. حشرها مطبَّقةً في جيبه وأطرق في الأرض ملياً، ثم رفع رأسه. وجد نفسه وحده، فقط هو، انقشع الرفاق والطاولة والأريكة والكرسيين الاثنين والنافذة والقمر، انقشع الصالون بكامله كدخانٍ إذ تنفثه سرعان ما يسيحُ في الهواء وتبقى منه الرائحة.

هو في ذات غرفته يعتدلُ لديه الليل والنهار في ميزان اليقظة لا يدري في أيهما هو. يحوكُ ذهنُه على مِنوَالِ الفراغِ ليتذكَّر اسمَهُ فيطيشُ جهدهُ سدًى في غيوم النسيان. تبدو تلك الليلة باهتةً في غورها عميقاً، بعيداً، نائيًا، عمَّا يعيه الآن واضحاً في وعيه بحضوره في الوجود عارياً من أية ذكرى يتعمَّمُ بقماشها رأسه.

خبط براحة يده جبهته: “وجدتها، وجدتها!”. وأدخل يده في جيب بنطاله وحين تلمَّست أطرافُ أناملِه ورقَ الصحيفةِ المطويَّةِ بعنايةٍ أطلقَ صيحةَ المعزولِ ناجياً من الغرق إلى جزيرةٍ في محيطِ الماءِ تتراءى له سفينةٌ بعد طولِ انتظارٍ وضياعٍ ووحدة. أخرج الصحيفة وفردَ أجنحتها الورقية، وفي طريق القارئ إلى صفحةٍ بعينها، الصفحة الثقافية حيث القصيدة، التقطت عيناه تاريخ اليوم الذي صدرت فيه الصحيفة فجحظتا وكادتا تنقلعان من محجريهما لتلتصقا بالورق، قرَّب الصحيفة إلى وجهه وحشد تركيزه مُدقِّقاً النظر.

كان تاريخ إصدارها سابقاً للصحيفة القديمة الصادرة قبل ثلاثة أشهر، التي كان يتصفَّحها في جلسته شبيهة الاِستلقاء على الظهرِ، يمدُّ قدميه إلى آخرهما غائصاً بجسدِه في إسفنجِ كرسِيِّ الجلوس، تغطِّي نصفه الأعلى الصحيفةُ المفرودةُ فوق عينيه اللتين تسلبان منها أخباراً تزيده ضجراً وتأففاً، ولا يرى رفاقه منه غير قدميه اللتين تسلَّلتا من تحت الصحيفة، وعندما استوى في جلسته ألقاها إلى جواره في تلك الليلة.

أمَّا الصحيفة بين يديه الخارجة تواً من جيبه فقد قال الأوسط أنها بتاريخ ذلك اليوم بينما هي صادرة قبل تاريخ الصحيفة الذي مازال يذكره بثلاثة أشهرٍ أيضاً. “أي أن تلك الليلة هي في مستقبلي لا فيما مضى! سينشر عبد السميع القصيدة بعد ستة أشهرٍ من الآن!”.

وعاد إلى التنقيب في ذاكرته متجهاً هذه المرَّةِ في اتجاه كشوف المستقبل، يتذكر أنه يجلس في هيئةِ الاستلقاء متباعداً عن رفاقه الخمسة على الأريكةِ والكرسيين الاثنين ويقرأ الصحيفة الصادرة قبل ثلاثة أشهر ثم يلقيها، ثم يسحب كرسيه متقارباً إلى رفاقه، يتصفح الهاتف الجوَّال الخاص بالرجل الأوسط في الأريكة، يأخذ منه الصحيفة الصادرة في ذات اليوم. يخرج إلى لحظته الراهنة يعيد احتساب وتقدير الأمر من جديد ويتجه إلى الماضي يبحثُ ويرتدُّ إلى المستقبل بكشَّافٍ يصدر منه وهيجُ ضوء لعلهُ يضيء آثاره المفقودة إن وجدها في سعيه.

“أتراني لا أذكر تاريخ الصحيفة التي كنت أقرأها بصورةٍ جيدةٍ، ماذا لو كانت هي الصادرة قبل التي بين يديَّ؟! ولكن هي فعلاً صدرت قبلها والصحيفة التي مدَّها إليَّ أحد الرفاق هي صحيفة ذلك اليوم! إذن كيف تصدر صحيفة اليوم قبل التي صدرت قبلها بثلاثة أشهر التي قرأتها أولاً؟! لأعكس الأمر: إذا فرضت أن صحيفة صديقي هي صدرت في ذات اليوم والأخرى ستصدر بعدها بثلاثة أشهر فكيف أكون قد قرأتها وهي لم تصدر بعد؟!”.

ولمَّا عجَّ المضمار في رأسه بأتربةِ الحيرةِ المُثارةِ بحوافر أفكاره المتسابقة؛ ولمَّا استقرَّ في إدراكه أن الحبل يسحب دلوَه ممتلئاً بالتفاصيل ذاتها من بئر الذاكرة المظلمة، مضى يحوكُ ذهنُه على مِنوَال الفراغِ نكالاً للنسيان وكيدِ الذاكرة إلى تلك الليلة يقلِّبُ أوراقها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا