المخدرات
نار وقودها الشباب والغفلة
الاضرار وطرق الوقاية والعلاج

بقلم الدكتورة :ايمان التميمي /العراق
كنت اكتب بحثا عن المخدرات ذلك السم القاتل الذي تسلل إلى مجتمعنا الاسلامي،فقد اردت معرفة الجذور التاريخية لها ، فكتبت عن مفهومها وتعريفاتها الشرعية والتاريخية والقانونية وانواعها واصنافها واسباب ادمانها وتاريخ انتشارها ،ولكنني وجدت ان افضل ما يكون في الموضوع هو اسباب تعاطيها وعلى من تقع مسؤولية التخلص او الحد منها لذلك كتبت هذا الموضوع عسى ان يكون قبس من نور للأمهات كي يحافظن على ابنائهم من شر هذه الآفة التي تقتلهم وتنخر قلب المجتمع
ربما يرى البعض أن الموضوع قد أخذ أكثر من حجمه وان الكُتاب والإعلاميين قد أعطوه حيزا كبير، ولكن لو تتبعنا بعض ما يحدث للشباب المدمنين لوجدنا أن الموضوع كبير وكبير جدا فهو ذو أبعاد كبيرة تصل حد الخروج ليس فقط عن العادات والتقاليد المجتمعية بل الى الخروج عن الحدود الاسلامية التي تأطر بها المجتمع وتعاليم ديننا الاسلامي الحنيف ، فالمخدرات هي المنومات والمفترات و كل ما يشوش العقل او يعمل على تغييبه او يغير شخصية الانسان وتفكيره الذي خلقه الله وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات ،وجعله في احسن تقويم ، وهي كل مادة طبيعية او غير طبيعية تحتوي على مواد منبهة او منشطة اذا استخدمت في غير الاغراض الطبية المخصصة لها وتسببت في خلل في العقل وادت الى حالة من التعود والادمان والكسل والخمول وفقدان الاحساس، مما يضر بصحة الانسان جسمياً ونفسياً واجتماعياً.
فالمخدرات بكل انواعها هي من الخبائث التي نهى الله عنها، لقوله تعالى :”يا أيها الذين آمنو انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ” صدق الله العظيم
لقدعد الاسلام كل مسكر خمر ، وكل ما يسبب الفتور هو مسكر ويذهب العقل ويسبب النشوة ،او يسبب الخمول ويبعد الفرد عن العمل والانتاج الذي جعله الله سبحانه وتعالى كالعبادة .
من المهم الحديث اولا عن الاضرار الكثيرة و الخطيرة التي تنجم عن تعاطي المخدرات والادمان عليها ، واول هذه الاضرار هي الاضرار الصحية والبدنية والتي تبدأ بعدم القدرة على تناول الطعام كما تحصل اضطرابات في الجهاز الهضمي ، هذا فضلا عن صعوبة التنفس والالتهابات الرئوية المستمرة ، واختلال في القدرات العقلية والصرع الذي قد يحدث نتيجة الترك المفاجئ للمخدرات، وقد يصبح المدمن او المتعاطي مصدرا ناقلا لأخطر الامراض وهو مرض الايدز ،وكذلك من الاضرار الصحية الإصابة بأمراض القلب المختلفة، فالإدمان هو احد المسببات الرئيسية للسرطان كذلك من الممكن حصول الغرغرينة التي قد تؤدي الى ضرر في بعض اجزاء الجسم مما تؤدي الى قطعه ، وتبدا الاعراض الاخرى بالرجفة والخمول ثم سيلان الدم نتيجة الابر التي يتعاطى بها المخدر واليرقان وانتشار الاورام في جميع الجسم ،وكذلك اضطرابات الجهاز الهضمي وظهور التعب والهزال وفقدان الوزن وفقدان الاتزان ومن الامراض الصحية الاخرى التي تظهر على المتعاطي الهلوسة وفقدان الذاكرة ، كما تحدث في الكبد تليفات نتيجة زيادة السموم في الجسم والتي تؤدي الى الوفاة ، وعند فحص الخلايا الدماغية للمتعاطي يظهر فيها التلف كذلك التلف في الخلايا السمعية والبصرية.
ومن الاعراض الاخرى ضعف النشاط الجنسي فضلا عن الصداع المزمن وطنين الاذن واحمرار العين وهذه كلها تؤدي الى الوفاه المفاجئة.
ان هذا اقل ما يمكن قوله عن المخاطر الصحية للمخدرات فضلاعن الاضرار النفسية والعقلية التي تبدأ اولا : بالشعور الدائم بالقلق ،وحدوث خلل بالطريقة التي يعمل بها المخ ، والكآبة المستمرة ومحاولة الانتحار ، فضلا عن ظهور اضطرابات وتخريف وخلل في الادراك الحسي ، حيث يكون اداء المخ ضعيف وغير قادر على الانجاز والابداع وغير قادر على حفظ المعلومات ويؤدي به ذلك الى النسيان والشعور الوهمي بالسعادة وفي بعض المرات تراه سعيدا ويشعر بالنشوة واخرى تراه يبكي دون غيره من الافراد او يظهر اصواتا عالية كالصراخ وغيره..
بمعنى انه طالما الدماغ لا يعمل بشكل طبيعي يكون هذا الخلل من جرعة المخدرات التي تعاطها ،كما يشاهد على المتعاطي صعوبة وبطء وخلل في التفكير عند الافاقة والشعور بالندم والاكتئاب و يكون المتعاطي عصبي دائما ومتوتر ويؤدي به الوضع الى عدم القدرة على العمل، مما يؤدي به الى السرقة
اما الاضرار الاجتماعية لمتعاطي المخدرات ، فأنها تسلبه قيمته الإنسانية اي انه لا يحس بإنسانيته ولا بقيمته التي خلقها الله في احسن تقويم وفضله على سائر المخلوقات بالعقل ،فاذا فقد العقل لم يحس بهذه القيمة ،كما ان الناس تنظر له بعين صغيره لا نه لا يمكن ان يكون قائد لأسرته لعدم قدرته على القيادة والقيام بدوره كأب او قائد للأسرة، وان يكون القدوة الحسنة لأبنائه وانقطاعه عن الجو العائلي ووجود الخلافات الدائمة مع الأسرة وافرادها ، فضلا عن ان الاسر ينبذون ذلك الشخص المتعاطي حتى لو كان ابوهم او اخوهم ويواجه عدم الاحترام من المقربين والاصدقاء وتنهار علاقته معهم ، كذلك يعاني من الخلافات الدائمة داخل الأسرة وخارجها ، بسبب مزاجه المتقلب، ويصل المتعاطي الى درجه الرذيلة من الكذب والغش والاهمال والافراق في كل شيء، كما نلاحظ تفشي جرائم الزنا والعادات السيئة عند المتعاطين وخرق القوانين والتقاليد الاجتماعية والاعراف لتحقيق رغبته في التعاطي، فضلا عن فقدان الوعي وفقدان السيطرة على النفس كل هذا يرجع الى الادمان ،كما ان الادمان هو سبب رئيسي في ارتكاب الجرائم ، وبالنسبة للدولة اهدار المال العام في انشاء المستشفيات ومصحات المعالجة، ومن اهم الاضرار الاجتماعية الخطيرة التي تظهر على المتعاطي موافقه المدمن على القيام باي عمل حتى لو كان منافي للأخلاق والقيم والاعراف كالزنا من اجل الحصول على المال لشراء المخدرات.
مثلما هناك اضرار صحية وبدنية واضرار نفسية وعقلية ،هناك اضرار اقتصادية تظهر على المتعاطي اهمها استنزاف الاموال وضياع موارد الاسرة بدل الصرف على احتياجاتها والامور الاسرية ،و تسبب نقص في الدخل المتاح لها لغرض توفير سبل العيش الكريم .
كذلك قلة الانتاج الزراعي الذي هو سلاح ذو حدين الاول بسبب الضعف والخمول عند الشباب المتعاطين ،والثاني بالنسبة الى الدولة فالمخدرات تسبب خسارة في الاراضي الزراعية التي تزرع فيها المخدرات بدلا من انتاج مزروعات غذائية مفيدة وقيام الدولة بإنفاق الكثير من الاموال لإصلاحها لإنتاج المواد الغذائية فضلا عن نقص الايدي العاملة والتعويض عنها بأيدي عاملة جديدة لسد النقص الحاصل في العمل .
اما بالنسبة للدول التي تهرب اليها المخدرات قيامها بإنشاء اجهزة ومكافحة ومتابعة وسيطرة اضافة الى الاموال المهدورة في شراء تلك المخدرات ،التي تسبب استنزاف الدولة اقتصاديا من خلال الصرف على الرعاية الصحية لمعالجة الادمان وانشاء المراكز الصحية والمستشفيات، والتي يجب استغلالها لتحسين البنى التحتية للبلاد.
وما دمنا قد عرضنا الاسباب لابد من عرض طرق الوقاية والعلاج حيث انالوقاية من المرض ، او قبل الإصابة به يجب ان تأتي قبل العلاج ،من خلال عده خطوات تقع على عاتق كل من الاسرة والمجتمع والدولة والجهات الطبية، فهم مشتركون في المسؤولية للتخلص من هذه الآفة الخطيرة التي تنخر كبد المجتمع ،لتجعل منه مجتمعا مريضا خاليا من الاحساس بالمواطنة ،مبتعدا عن الوازع الديني ، وكل طرف من هذه الاطراف تقع عليه مسؤولية معينة .
فالأسرة اول من يقع عليها مسؤولية الوقاية فهي اللبنة الاولى في بناء وتكوين المجتمع ،وفيها يكتسب الفرد مهاراته ويتلقى فيه تعاليمه الاجتماعية، لذا تقع عليها مسؤولية كبيرة في الحد من ظاهرة تعاطي المخدرات ،ومنع ابنائها من الانجراف في هذا السيل الذي يهدم صحة الفرد واسرته وبالتالي مجتمعه ككل ،ويتم ذلك عن طريق مراقبة ابناءها وملاحظة اي طارئ غريب على حياتهم خوفا من الانجرار الى مالا يحمد عقباه من خلال تقديم الحنان والمودة ،وابعاد افرادها عن اصدقاء السوء وكذلك محاوله شغل وقت فراغهم وتوفير فرص العمل لهم ، فضلا عن عدم الضغط عليهم لا سباب معينة لأجل التفوق وعدم القسوة عليهم للسير بالسلوك الحسن ،كذلك التوعية بأضرار المخدرات على الفرد والاسرة والمجتمع.
ويقع على عاتق الدولة مسؤوليات كبيرة ودور مهم في الوقاية من المخدرات من خلال القيام بحملات توعية في مختلف وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فالإعلام سلاح ذو حدين اما ان يؤدي دوره بصورة صحيحة عن طريق الندوات والمؤتمرات والراديو والتلفزيون وتقديم كل ما هو مفيد ونافع للشباب او العكس تماما فتقديم المستوى الهابط يقود بالشباب الى التعاطي وغيره من اشكال الانحراف،كذلك تشديد العقوبات على تجار المخدرات والمتعاطين لها، و ضبط المخدرات ومن يقوم بترويجها ومحاسبتهم والتوعية بأضرارها ، والتعريف بالآثار القانونية والعقابية المترتبة على تعاطي المخدرات والمتاجرة بها .
كما تقع على الدولة مسؤولية تحسين ظروف الشباب الاجتماعية والتشجيع على الزواج ،وتفعيل اجهزه الدولة والانظمة والقوانين الخاصة بمكافحة المخدرات ،وانشاء مراكز التأهيل والارشاد والمستشفيات الخاصة بمعالجه الادمان ،وعلاج المدمنين وتأهيلهم.
ان انتشار المخدرات في اي مجتمع هو نذير شؤم عليه ،حيث يتسبب في قلة الانتاج وزيادة معدلات السرقة وانتشار الجريمة بشكل كبير وغيرها من الامور التي تسبب الضرر للمجتمع ،لذلك يقع على المجتمع مسؤولية التركيز على القيم والمعتقدات الدينية وعلاج المشكلات التي تدفع الشباب للتعاطي المخدرات واهمها مشكلة البطالة ،والتوعية بأضرار المخدرات، كي نستطيع المحافظة على هؤلاء الشباب من هذه الافة التي تنخر قلب المجتمع، فالشباب هم القلب النابض للمجتمع وبسواعدهم تبنى الامم وتنهض الشعوب وتصل الى اهدافها .
اما خطوات ومراحل العلاجالتي يجب اتباعها لكي تتم معالجة الشخص المدمن واهم هذه الخطوات هي اقناع المريض بمرضه وحالته التي هو عليها لأنه اذا لم يقتنع انه وصل الى حاله الادمان لا يتم علاجه وكذلك اقناعه بالذهاب الى المستشفى المتخصص ، ويأتي تقديم المشورة الطبية من خلال مستشارين نفسيين عن طريق الجلسات الفردية او الجماعية، تقع على هذه الجماعة مسؤولية وضع استراتيجيات طبية ومجتمعية لمنع الانتكاس ،وهو منع المتعاطي من العودة الى المخدرات بعد ان يتركها ،كذلك قيامهم بالمتابعة الدقيقة للعلاج بالانسحاب من خلال تقليل الجرعات التي يأخذها المتعاطي ومراقبه المتعاطي ،واستعمال البدائل فضلا عن الالتزام بالفحوصات للتأكد من ان المدمن ليس لديه اي امراض او فيروسات او التهابات مثل التهاب الكبد الفيروسي . اما خطوات العلاج فتتم بأخذ جميع الفحوصات اللازمة للمدمن، فيما يتعلق بالإيدز ومرض كبد الوقائي قبل البدء بمشوار العلاج وعرضه على الاطباء المختصين ثم البدء في مرحلة سحب السموم من جسمه وازاله اثر المخدرات من جسمه، هذا فضلا عن تعريض المريض الى جلسات العلاج النفسي والسلوكي وكذلك العلاجات الترفيهية والرياضية،
كي يستجيب للعلاج وتتم المتابعة الطبية المستمرة لمنع الانتكاس وهذه المتابعات تتم من قبل استشاري نفسي تكون اما بصورة جلسات فردية او جماعية للحصول على افضل النتائج ،وهذه الجلسات تستمر الى ما بعد الاستشفاء من الادمان، و تحسن وضعه الصحي العام واستعادة عافيته الجسدية والنفسية والاجتماعية ،ولعل من الاشياء الهامة هي متابعة الدواء من قبل الكادر الطبي الذي يجب عليه الاستمرار في متابعته بعد العلاج لأنه ارض خصبة للعودة الى الادمان، فضلا عن متابعة من اين يحصل المتعاطي على المخدرات ومعالجة موضوعها.
المصادر
- الملوحي ،د. ناصر محي الدين ،ادمان المخدرات مرض نفسي وبؤس عقلي وتخلف ،دار الغسق ،ط6،سورية،2022م .
- المهندي ،خالد حمد ،المخدرات وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية في مجلس التعاون لدول الخليج العربي ،مركز المعلومات الجنائية لمكافحة المخدرات لمجلس التعاون لدول الخليج العربي ،قطر،2013م.
- سويف ،مصطفى ، المخدرات والمجتمع نظرة تكاملية ،عالم المعرفة ،الكويت ،1996م.
- عمارة ،هاني عبد القادر ،المخدرات بين العلم والخيال ،دار المناهل ،القاهرة،2010م.
- علوان ،عبد الله ناصح ، تربية الاولاد في الاسلام ،مطبعة دار السلام للطباعة والنشر،ط21، 1992م.






