النهر يعرف أكثر / الروائي السوداني أسامة الشيخ إدريس

0
650

بقلم / تغريد البشير

الشارقة نوفمبر2021

النهر يعرف اكثر :

رواية تاريخية سلطت الضوء على جوانب الحياة الاجتماعية وسقوط الممالك النيلية ودولة الفونج  في أهم الحقب التاريخية  في  تاريخ السودان الحديث   ؛ حيث بدأت أحداثها تتولد من واقع  التاجر سعيد ود الكارم  أهم الشخصيات الرئيسية في الرواية وبدأت الاحداث تتصاعد تدريجا بسماع  سعد ود الكارم بسقوط مدينة شندي  في الأتراك وأعتقد أن الكاتب قد وفق في إعادة صياغة كتابة هذه الحقبة  بأسلوب أدبي  بديع ولغة رفيعة  وقد امسك بزمام السرد والحكي وقد تلبب لهذا الأمر وشمر ساعدي الجد وجمع لنا من القرنين التاسع عشر والعشرون   قصص متناثرة على صفحات الكتب  والذاكرة الشعبية  ومن بطن الأهرامات  وضفتي النيل  وأعماقه . تمكنه من الإمساك بناصية الحكي ونضج واكتمال أدواته اضفى بريقا ساحر  على النص الأدبي .

العنوان :

يبدأ عنصر  التشويق  في هذه الروية منذ الوهلة التي تقع عين القارئ على عنوانها النهر يعرف أكثر؛ تساؤلات  عديدة يثرها العنوان  في نفس  القارئ  ويبدأ يتكهن ويتوقع … ماهية الأشياء التي يعرفها النهر ؛ وكلما توغل في القراءة  تاقت نفسه ؛ إزداد شوقا لمعرفة الصفحة التالية .

وبعد ان يتعمق القارئ  ويغوص في النص تتبين معه الجملة كاملة جاءات  على لسان الدرويش ( ود الزاكي عندما كان يسئل ويجيب على أسئلة الناس الذين يأخذون تنبؤاته على محمل الجد ) وصل مرحلة أن قال لهم :

أنا لا أعرف.. النهر يعرف أكثر مني ؛ وفي الصفحات الأولى في 46 أشار الكاتب الى الحضارات القديمة التي قامت على ضفاف النهر المقدس  العظيم وعدد بعض  ملوك الكوش والنوبة  وحنكتهم  وقوتهم وشكيمتهم  ذكر على

سبيل المثال  بعانخي وترهاقا والكنداكات  الملكات المقاتلات  أماني ريناس وشاخيتو  وعدد ملوك السودان القديم تعدادا احصائيا ولم يتطرق لمناقيهم ومآثرهم  الا تلك الإشارات الى انتصار الكنداكة على الإغريق وامتداد حكم الملك العادل بعانحي ليشمل نواحي الأردن والشام  كنت أتمنى لو أنه  صاغ  لنا حبكات  صغيرة تعكس جانبا من حياة الكنداكات والملوك  وهنا نعود للعنوان يقول لنا النهر يعرف أكثر فنشعر وكأن الكاتب يحث الناس على البحث والمعرفة من المصادر  الأصلية عن الأهرامات وعن المصورات  وعن الأثار الشامخة على جنباته فكأنما اذهبوا إليه  ونقبوا عن مآثركم  .

طبعا هذه الرواية تضج بالحياة ومما زادها حيويا  وقوة وتفاعلا  الأدوار الفعالة التي تلعبها المرأة جنبا الى جنب مع الرجل  تشاركه البطولات في الحرب والحب و السلم  فمن أجمل الصور والمشاهد التي صورها لنا مشهد الفارسة التي جاءت تمطي جودا وتلف كامل جسدها بثوبها الأسود وتلف رأسها بعصابة  جاءات تحس الرجال على قتال الترك الذين جاءوا ليدنسوا شرف أرض النيل الطاهرة  ويسرقون خيراتها وهذه المرأة معروفة في التاريخ بالنسبة للمضطلع على تاريخ السودان وهي مهيرة بنت عبود الشهيرة .

لخص الأديب  أسامة الشيخ حقيقة غزو الأتراك  للسودان على  لسان صهر ملك الحفايا عندما سأله سعيد ماذا يريد منا الأتراك : يرديون

المال لترفهم ؛ والعبيد لجيوشهم  ؛ والنساء لمتعتهم  وهنا سأله  سعيد والكارم إن كان الترك مسلمون ؟ .. هذا السؤال الذي مازال قائما وبعض الناس يريدون له إجابة  مقنعة .

الزمان والمكان في الرواية :

رغم أن  هذه الرواية تاريخية في المقام الأول   فهي أيضا مكانية بامتياز لم يعرف الكاتب الأزمان تعريفا رقميا ففي معظم الرواية إعتمد على الحدث والمكان ؛ وموهبة الكاتب  الكبيرة جدا  في الحكي وتناغم حركة السرد مع الوصف  مع تناسق النص جعل احداث الرواية تسير في انسيابية ويسر فبينما يكون القارئ في غرب السودان يعيش جمال الطبيعة  ويناظر  مغازلة الجبال  لمياه الغدير  على سفحه يجد نفسه في سهول البطانة  وأسواق الحلفايا  وأختلاط مياة الأمطار  بالتراب وفوح روائح المطر  ومن هنا تبدأ الأحداث تتصاعد على الأمكنة  بخبر سقوط مدينة شندي في يد الأتراك الخبر الذي نزل كالصاعقة على رأس سعيد ود الكارم ابرز الكاتب   أسامة  الشيخ  مكانة مدينة شندي في النفوس  مدينة البطولات و البسالات  ؛ مدينة التجارة والحضارة  المدينة التي تحتضن الغريب  قبل القريب ؛ المدينة التي تجير من يستجير بها  وتراعي حق الجار قبل الدار  مدينة أشراف العرب وفرسان الكوش هذه المدينة الحرة التي تسع الأديان والألوان ففيها يقطن أقباط  مسيحيون و عرب وبجا ونوبه  في حب وود ووئام ؛ بكاها الرواي العليم بحرقة وهي تسقط في الأتراك وينفثون  فيها سموم كراهيتهم وحقدهم .

ومن الأمكنة  التي كانت حاضرة بقوة في الرواية جبل البركل دنقلا  سنار الأبيض  دارفور  سواكن  الصحارى الوديان السهول كل هذه  كانت  بارزة المعلم  بمناخاتها  الباردة والحارة والمعتدلة .

القضايا التاريخية التي تناولها الكاتب في هذه الرواية :

تناول الكاتب قضية الرقيق ووصف بشاعة هذه الفعلة  من خلال رياح  الذكريات التي عصفت بعطا المنان عندما تذكر أمه وهي تحمله ذاهبة به الى الغدير  وبعد ان ملأت مواعينها بالماء نزلت لتغتسل وجذبته اليها لتغسله بأزهار اللوتس المنتشرة على سطح الغدير فجاء شخصين  صدئين الاسنان قبيحن المنظر إختطفوهما  وقيدوهما  وماتت أمه في الطريق وهي تحاول التخلص من القيود عبر الكاتب عن قبح الفعلة بقبح الفاعلين ونذالة الاستعباد هذا الفعل الذي لا يمت للإنسانية بصلة بوسخ وصدأ أسنان الجلابة الذي هو لا يستقيم مع منطق الواقع  .

وناقش الكاتب النكبات التي مرت بها قبيلة الجعليون وحملات الدفتردار الإنتقامية وتناولت الرواية بإسهاب  أسر المك نمر والظروف التي كان يعانيها النمر المجروح وهو بين أيدي عدوه  الى ان ثأر وانتقم منهم بحرق إسماعيل باشا في الحادثة المعروفة .

يشعر  القارئ   بين السطور وكأنه في حلم بقاعة سنيمائية فاخرة  يشاهد تسلس الأحداث بعدسة ثلاثية الأبعاد وكانه يعيش فيها  استطاع الكاتب ان يشد انتباه القارئ ويجعله يعيش بكل أحاسيسه في عوالمه.

الصور الجمالية البديعة  في الرواية أنظر النص صفحة 52 فيضان النيل ومعرفته للكثير من الأسرار.

امتازت هذه الرواية بدقة الوصف وانسيابية السرد عندما كان الكاتب يصف وقوف إسماعيل باشا على النيل أنظر صفحة 52ص

قصة زواج نصر الدين :

  هنالك بعض  المواقف  قد تربك  بعض قراء الجيل الناشئ عندما قال سعيد لعطا المنان لن اتزوج الرضية فلتتزوجها أمي  فنحن في زمن العابرت والعابرين فقد تفسر هذه الجملة في غير وجهها وهي كانت تقال لإيصال مفهوم إستحالة الزواج من الفتاة المعنية  ؟؟

جلسات الودع والقهوة  من العادات السودانية الجميلة  والودع هو أصداف بحرية بشكل محمد يستخدم للتنجيم وقراءة الطالع و الحظ .

والمجتمع السوداني مازال يقدس الأساطير والكهانة

من أجمل المشاهد التي نقلها الكاتب مشهد الواعية وهي تتحدث عن بنت السرة  والوحيد  وتتنبأء  الفجيعة التي ستحدث .

المزج بين اللهجة السودانية والفصحى  المقدسة شيء جميييل ولافت  في صفحة 58 عندما قالت للوداعية سجمي يامة .. من تقصدين .

يتبع ….

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا