علامة استفهام مُسِنّة، معقوفة الظهر، لم يكتبها أحد في جملة منذ عقود.. ظلّت تعالج وحدتها كجروٍ مشرَّد، قررت أن تخرج عن عزلتها وتتبرج على الملأ. فكرت أن تستقيم بظهرها، تراجعت خشية أن تتحول إلى علامة تعجب؛ فتضربها الأيادي المتعجبة دومًا على الكيبورد، وهي لم تعد تحتمل، ثم أنها ستفقد هويتها.
يؤلمها أنها تحيا بلا جدوى، لم يعد الناس يكتبونها، ولم يعد أحد ينتظر إجابة إذا بدت أمامه.
ذات وقفة انتقاها تلميذٌ؛ فرسمها في موضوع تعبير، شعرت بسعادة تسري في ظهرها، وأنها ستعود للتداول.. تبدَّدَ فرحها عندما سمعت المعلم يوبِّخ التلميذ ويطلب منه مسحها، زاعمًا أن هذا ليس مكان وجودها، لم يكتفِ بمنع الطالب عن ملامستها، قام بمسحها بقسوة مفرطة مزقت جسدها حتى استحال إلى كومة يصعب النظر إليها. تلك اللحظة كانت علامات الاستفهام الشابة تشرئب من بطون الكتب، وجباه شاشات الكمبيوترات.. تنظر فزعة إلى الجدة المَمْحُوّة بقسوةٍ، إلى حزمة من الخطوط المتشابكة تلفظ أنفاسها بتوجعٍ.
رأت العلامات الصغيرة ما سيحدث لهن بعد رحلةٍ طويلة من الإهمال، وفي لحظة واحدة قررن الخروج عن الكتابة أينما وُجِدت، يبدو أن البشر يشعرون هذه الأيام أنهم ليسوا في حوجة للاستفهام، وأن أمورهم على ما يرام.. خرجت العلامات تجرر خطاها حزينة تاركة الصفحات، تلقي نظرة الوداع على خطوط الجدة وتعاريج ظهرها الذي يحاول النهوض بلا جدوى.
انتظمت في موكبٍ هادئ، وفي صمت مهيب اتجهت نحو الجبال والكهوف، التحمت بحجارة الأسلاف، توسطت النقوش الحجرية، شمخت ملتوية بين اللغات المنسية، ورغم أحزانها الدفينة ابتسمت؛ فظهر في الأفق برقٌ عظيم، أبصره البشر في مدنهم، ولكن لم ينطرح حوله أي استفهام.






