رواية دائرة الأبالسة السهم الذي يضرب في غير مقتل ولكنه يقتل .
للوهلة الأولى من قراء هذه الرواية قد يتساءل القارئ عن السبب الذي جعلها تفوز بجائزة عالمية مثل جائزة الطيب صالح ؟!؛ وبطبيعة الحال سيتساءل عن أحوال الروايات التي لم تحظى بالفوز وتلك التي لم تنل شرف دخول السحب ؛ ولكن ما أن يعيد قرآتها مرة أخرى حتى تتبين معه بعض محاسنها هذا على غير العادة في قراءة الروايات التي كلما دققت النظر فيها تكشفت العيوب وتجلت مواطن الضعف ومواضع الخلل أكثر وأكثر ؛ وهذه أهم ميزة تميز هذه الرواية في رأيي .
واذا ما حاولنا قراءة أهداف هذه الرواية نجدها تعالج قضايا سامية مثل قضايا فساد الدوائر والمؤسسات الحكومية ونهب وتبديد الأموال العامة وهذا لن يتبين الا بعد الصفحة الثلاثون بعد المائة من عملية السرد ؛ لكن ..يتم في قالب حكائي عادي ؛ وبعد أن يكون القارئ قد كون فكرته العامة عن الرواية؛ لذا ستظل هنالك ملاحظات قد لا يجرؤ على ذكرها للأسباب المعروفة ومنها أن هذه الرواية عرضت على لجان تحكيم مختصة في النقد الأدبي ؛ وبطبيعة الحال هذا سيحجم من النقد القائم على التذوق اللغوي والذوق الأدبي و الرؤى الشخصية …الخ
التفنن في استخدام آليات وتقنيات الكتابة السردية يضفي رونق خاصا على الحكي وهدا ماحدث في الرواية بدأت الحبكة بنهاية الاحداث وهده الآلية تقرأ كثيرا في الروايات الجيدة وكلما تصادف القارئ تسعده وتشعره بالرضاء
الفكرة والعاطفة والخيال في الرواية:
خلت الرواية تقرببا من الخطاب العاطفي ومن صدق المحبة ..الاتلك الشذرات التي جاءات جافة الى حد كبير موظفوا المؤسسة الذين لا تجمعهم أفراح ولا أتراح ولا علاقات بالمجتمع ولا بالدولة. الصداقة الزائفة التي جمعت يونس وفكة والبطل عصام علاقة مرحوم مع زوجته حتى حبيبته لم يخلص لها علاقة …الاب الذي يترك ابنه المريض وزجته ويذهب ليلتقي بأخرى ؛ردة فعل عاصم تجاه البنت التي قضى معها اوقتا ممتعة .. أزمة حقيقية في العاطفية والإنسانية تكتنف عالم الرواية .
حشد المشاعر مع أو ضد شيء مهم جد ا ولا يجوز تجاهله في الأعمال الروائية ؛ فالتوازن الذي حاول الكاتب خلقة لدى شخصياته أو جاء هكذا دون قصد أضر بأهم عنصر من عناصر الأدب وهو العاطفة مما أثر تأثيرا سالبا على عنصر التشويق .
الخيال في الرواية :
واضح ان قدرات الكاتب على التخيل عالية جدا ولكنه حاول كبح جماحه فهو يريد التركيز على قضيته الأساسية وهي تسليط الضوء على الانحطاط وانعدام الضمير والفساد داخل المؤسسات الحكومية ؛ فوصفه للفيلا وغرفة النوم أشعرنا وكأننا نتجول في أركنها ونتحسس فرشها الحريرية وبساطها
ومناضدها الزجاجية و ووصفه لشوارع لندن والمتاجر وغيرها لم يذكر تفاصيل فخطر لي ان هذا من نبع خياله .
العوامل النفسية للبطل وبعض الشخصيات :
حاولت الرواية تسيط الضوء على إشكاليات الدجل والشعوذة والاحتيال وتأثيرها على نفسيات الناس وتأثر جميع طبقات المجتمع بهذه الخرافات.
من الأسباب التي دعت الكاتب لكتابة هذه الرواية الفساد الأخلاقي وتحول الأمراض النفسية والاجتماعية الى سولك اعتيادي م داخل المؤسسة شخصية عاصم اول ما ظهرت لنا بدت قلقة ومضطربة عرفنا فيما بعد الأسباب لكن تظل هنالك عوامل نفسية خفية جعلته يمني نفسه بإزاحة المدير من منصبه أول ما دخل الى المكتب
تمنيت لو أن الكاتب خلق شخصية تفكر بصورة غير نمطية …خاصة في مجال التوظيف والعمل المؤسسي أو التجمعات؛ الشيء الطبيعي والذي يحصل دائما رعب الموظفين الأقدمين من القادمين الجدد ؛ ورعب المدراء من الشخصيات اللماحة والمؤهلة ؛ وفي الرواية حتى وان كان عاصم مؤهلا فإن عبقرتيه لاتصل الحد الذي وصفه به الكاتب والدليل أول ما فكر فيه هو إزاحة المدير من مكانة والاستحواذ على كرسي الإدارة مما يدل على طغيان الأنانية عنده عدم القدرة على ابتكار وابتداع الأفكار الجديدة والنيرة .
الانتقام والثأر للكرامة التي انتهكت صراع بين طبقات المجتمع لا يهدأ بسبب تكديس الأموال والاستئثار بالمناصب لدى أشخاص بعينهم لعقود من الزمان .
الأزمات النفسية لا تحصى ولا تعد في الرواية ولكن خلت الرواية تمام من الحديث عن النفس ومن أطبائها ومن كل ما يتعلق بها بشكبل مباشر .
الناحية الثقافية والاجتماعية في الرواية :
الاجتماعية:
طرق الكاتب على العديد من القضايا السياسية في قالب اجتماعي فتناول قضايا الفقر المرض ؛ اللجوء ؛ تعدد الأعراق والسحنات ؛ وتنوع المزاج ناقش ظواهر النفاق في التدين او التدين الظهري كما ورد في الغابة السرية من أجل لقمة العيش وأمور مثل ندرة العلاج في المناطق الطرفية وتكبد المشاق للحصول عليه ومن المفارقات التي بلحظها القارئ جودة التعليم في مجتمع الرواية ويتمثل في عاصم الذي يشكو من الظروف وينكر على المسؤولين ما يفعلونه معهم في شأن التوظيف الا انه متعلم تعليم جيد جدا فهو رغم ظرفه المعيشية يتحدث ثلاث لغات عالمية . وغسال العربات يونس الذي يستطيع اختراق البريد الإلكتروني وتصليح الحواسيب وأيضا زوجة مرحوم وقدراتها على اختيار الأماكن السياحية حول العالم ( وهذا الامر ليست سهلا) فأخبرنا الكاتب بصورة غير مباشرة عن عبقرية هذا الوسط القادر على مجابهة التحديات وخلق بيئات موازية لها لضمان استمراريته ؛ وسط يكثر الاستغناء عن الأشياء والاستعاضة عنها بأخرى بشكل مؤقت . وفي هذا الإطار نشير الى ان الكاتب كان يذكر لنا بعض شخصياته دون ان يسلط الضوء على شئ من تفاصيله.
أخبرنا الراوي في قصة غسال العربات انه مهووس بالأغاني الغربية و هوليوود ولم يدعم ما قاله بأبيات أوذكر فنان مفضل لديه أو ممثل عالمي أو شاعر أو أديب فكان لا بد من تقديم دليل معرفي يقنع القارئ بان هذا حدث فعلا وأيضان كان لابد من أسباب لجعل الغسال يجيد اصلاح الحواسيب فقط ليضفي شئيا من المنطق .
الذي يلفت الانتباه ويجعل الكاتب جديرا بتقدير واحترام القارئ هو خلو الرواية من العنصرية وبغض الأعراق أيان كان لونها وشكلها مع تسليطه الضوء على قضايا الفئات التي كانت ضحية للاحتراب الذاتي تعامل الكاتب بمنطق سليم حيث لم يعفي المجتمع من مسؤوليته الأخلاقية مع إشارته الى ان الحكومة هي التي تعرى الفساد .
و والشئ الآخر هو تناوله لقضايا المرأة وناقش المشكلات التي تُخلق لها وهضم حقوها في مواضع عدة في الرواية منها قضية شقيقة يونس و..
حاول الكاتب معالجة سطحية بعض أفراد الطبقة الغنية في المجتمع بتسليطه الضوء على أقصى ما تفكر فيه أريج وما يستهويها رغم كل القصور التي تملها والأموال الطائلة والسفر ليس لديها أي مهارات تذكر ولا اهتمامات خارج طار التسوق والماركات حتى التسوق والماركات لم تهتم بأشياء عصرية ولافتة ليس أدنى فكرة لتوسيع أملاكها ؛ او الاستثمار فيها؛ ليست لديها اهتمام بفئات المجتمع الأخرى الأيتام الفقراء المشردين ؛ شخصية استهلاكية وسطحية و كان يفترض ان تكون ذكية ونشيطة ؛ليس لديه اهتمام لا بعلم ولا بمعرفة ولا بفكر وهذا للأسف موجود على أرض الواقع وهو السبب الأساسي فيما يحدث من مشكلات اجتماعية وفساد إداري وخلق أزمات …الخ
الثقافية :
و طبعا العقيدة السائدة في عوالم الأبالسة هي الدين الإسلامي لا يوجد أثر مسيحي ولا إلحادي أو يهودي ولا يجد أحد متشكك في هذه العقيدة وبالعموم لا توجد تصادمات ثقافية الكل منسجم مع بعض ومتناغم لا يوجد أحد ينكر على الآخر مزاجه القافي او نشاطاته المرتبطة بثقافات أخرى ويتمثل ذلك في غسال العربات المهووس بالغاني الغربية وهوليوود وزميلة عاصم بطلة الدوري وأريج المتعلقة بالماركات واللبس الأفرنجي كما اسلفنا تناغم وانسجام مع الثقافات الأخرى لدرجة التماهي وكل الصراعات تدور هي حول صناعة الجاه وتحسين الوضع الاقتصادي والتنافس على رفأ العيش وعندما نقارن هدا بالزمن الذي كتبت فيه الرواية نجد أن الكاتب قد برع في توصيف اللازمة السودانية الحقيقة للسودان التي حولت (بغباء سياسي غير مسبوق في العالم ) الى أزمة أعراق غير قادرة على التعايش ؛لا يستطيع أحد أن ينكر ان في المجتمع طبقات اقتصادية ولا ان ينكر الظلم والاستبداد وتكميم الافواه والتضيق على المفكرين وغير هذه الأشياء التي ان تجاوزتها الحكومات تولى أمرها المجتمع هذه حقائق مؤسفة وماثلة امام الجميع ولكن هذا لا يعنى ان نعود للوراء ونجعل الصوت الأعلى هو صوت العصبية الجاهلية .
خلت الرواية من عرض أي ثقافة سودانية أو أساطير وخرافات أو عادات ومعتقدات سواء أغاني أو شعر أو غيرها …
خلت الرواية من الحلم في النوم ومن الموت تقريبا ؛ ولم يكن هنالك زواجا ولا مولدا جديدا .
هالة زميلة عاصم وكمال غريب وشخصيات أخرى لا حصر لها كان وجودها زيادة رقم في مجتمع المؤسسة وحياة أريج وعاصم ولم يزيدوا لها شيئا وزهورز
اللغة والأسلوب :
صحيح أن هنالك أسس ومعايير معتمدة في تقيم الأعمال الأدبية الا أني أعتقد أن لكل قارئ معايير خاصة به ان وجدها في الرواية فهي جيدة وممتازة عنده واذا إختل أي شرط فربما يؤدي ذلك الة نقصان قيمة الرواية لديه الحقيقة التي لا يكترث لها البعض ان القارئ العربي العاي تنصب جل اهتمامه على اللغة فكلما كانت اللغة شاعرية وتخاطب وجدانه فالقصة او الرواية ممتازة عنده مهما اختلت تقنيات وآليات الكتابة او كانت ناقصة العناصر والأدوات ؛ ومن هذا المنطلق نلاحظ ان :
لغة السرد مابين الأدبية والتقريرية تخاطب العقل الجمعي للمجتمع أكثر من غيره لذا جاءت مفرداتها تتناسب وهذا الغرض مع احتوائها على بعض الأساليب الفنية .
في صفحة 91 ( يحس برونق الافتتان والبهاء الروحي) الأسلوب قد يكون صحيح ولكن عندما تربطه بالمعنى قد تقل قيمته الجمالية وكلمتي رونق وبهاء كلمات شاعرية تصب في مصب واحد والراوي يريد أن يخبرنا عن شعور المروي عنه بشدة الوله ( عبر عنه بالإفتتان) والحب العذري (عبرة عنه بالبهاء الروحي ) الذي يشعر بهما عندما يراها.
خلت الرواية من اللهجة العامية ال في بعض المواضع وخلطها اضر كثيرا بتركيبة الجمل فيما أرى فمثلا في صفحة 54( لم تستطيع اصلاح طرحتها) لم تتناغم مع بقية الكلام . وكلمة شفقة إستخدمها بدلالاتها السودتنية
وأيضا نلاحظ استخدام الكاتب للكلمة نفسها ومشتقاتها بكثافة
فهنالك كلمات كادت ان تشكل الطابع العام للحكي مثل كلمة بريئة ؛ وقبع ؛ ثم أن كلمة تقبع أو قبع يقبع تشعر بالحركة فاستخدامها مع الجمادات في التشبيه يجعل القارئ يشعر بالاهتزاز لبعد وجه الشبه.
وبعض التشبيهات مثلا في ذات الصفحة قال عواطفه الزاهية تشعر أن الحارة او الدفاقة او المشتعلة .
وفي صفحة 128 (حالة من البكاء الممض) كلمة فصيحة وجميلة ولكنها جاءات غريبة ووحيدة بين كلمات حديثة وسهلة لم يكن لها ما يسندها فكلمة الهستيري او كانت تبكي بحرقة ؛ وفي صفحة 153 قال (كان شغوفا بمعرفة الطريقة التي وصلته بها المعلومة التي يبرر يونس بها الحكاية ) الشغف التعلق بالشيء لدرجة الولع مع الاستمرارية لوقت محدد اما هنا يريد ان يعرف معلومة فمجرد ان يعرفها سينتهي فضوله ؛ فيتشوق أو يتلهف او حتى يتطلع أعتقد أفضل .
واستخدام حروف الجر وحروف الشرط عند تأتي مع لو المعروفة بأنها حرف امتناع لامتناع في صفح79 فضلت لو ان قال حتى وان لم يمنحها انتباها بدلا من (حتى لو لم يمنحها )
وفي صفحة 56قال وهو يصف الحب من اول نظرة هزمها وجلس بقلبها بدون رحمة ؛ الحقيقة الحب الأول يمر مثل النسمة على المحب وينزل بردا وسلاما على قلبه .
لم يتركه المدير يهنأ بما كان منشغلا فيه في صفحة 76 كلمة إنشعال توحي بأن لنا بن الشخص مهموم والهناء سعادة والهموم غم اذن ينتفي تواجد الغم مع السعادة في ذات اللحظة لو أنه قال : لم يتركه يهنأ بما يفكر أسلم .
الأسئلة التي تثيرها الرواية :
من أهم الأسئلة التي تثيرها الرواية في نفس القارئ هل فعلا مؤسسات الدولة التي يديرها أشخاص يدعون النبل والإخلاص بهذا الفساد والانحطاط الأخلاقي ؟
وهل مايثار على أرض الواقع من ان بنات الفقراء اذا ما تقدمن لعمل يتم ابتزازهن حقيقة لذا حاول الكاتب أن يؤرخ له أو يعاجله بطريقته؟ وهل هذا الشيء يبرر للأسر المتعففة حرمان بناتها من العمل و الخروج من المنزل حماية للشرف والكرامة ؟ طبعا خلت الرواية من القوانين تعين المرأة على رد اعتبارها فهل نقلت الرواية المرير كما هو ؟
هل فعلا يوجد على ارض الواقع شخصيات مثل أريج يوفر لها والدها عددا من القصور والفلل والمزارع والعربات وغيرها من الكنوز داخل وخارج من الأموال العامة ؟وهل كل البنات مثل أريج لا يحافظن على شرفهن بل يبعنه على الملأ هكذا دون قيود ودون ندم أم ان الكاتب يبالغ في هذه الحالة وهي فقط فضاء خياله ؟.
الأبالسة يعني بهم يعني بهم المسؤولون الكبار في المؤسسة التي لم يسمها ولم يعرف القارئ طبيعة عملها ولكن واضح انها مؤسسة صغيرة أو بالاصح ليست من المؤسسات التي تؤثر تأثير مباشر في سيادة و أمن وغذاء وتعليم وعلاج الدولة واذا كان مسؤولي المؤسسة التي برزت على السطح في الدائرة ابالسة فكيف بحال التي لم تبرز لنا؟
هنالك أسئلة ظريفة تخطر على ذهن القارئ مثل عندما قرر الكاتب كتابة هذه الرواية ماذا كان يريد بذلك ؟
هل يريد ان يخلده التاريخ السردي بعد عمر طوييل ان شاء الله
أم انه كان يؤرخ لحقبة زمنية بعينها من خلال خلق عالم موازي لواقعه الذي يعيشه؟
وهل اقتبس بعض صفات وتصرفات وملامح البطل عاصم من شخصيته او من شخصية يعرفها في الواقع أم انه من نبع خياله ؟
لماذا كان الكاتب لطيفا في نقد النظام الحاكم لماذا لم يدينه ويحمله تبعات هذا الفساد كما يرى الكثير من الكتاب؛ وماهي الأسباب التي جعلته يقسم المسؤولية بين وجهاء المجتمع والنظام الحاكم؛ وهل يريد ان يقول نفس هؤلاء الأشخاص هم النظام الحاكم وقتها؟
وهل الكاتب لديه علاقة مباشرة بهموم الناس ومشاكلهم أم أنه من الأدباء الذين يعتلون المنابر بالحديث في يشغل الناس و ويعكر صفو حياتهم وما ان يمتلكها يصبح شخص آخر لا يهمه ما يتعلق بالصغار والناس العاديون كما هي عادة (بعض)طلاب المجد في صناعة الشعر ؟ هي أسئلة بسيطة تتناسب ومعطيات الرواية وعلى بساطتها أعتقد أنها مهمة .
وأخيرا نختم بقول الأديب توفيق الحكيم 🙁 ان الأديب الحق هو الذي يجعلك تدرك عمقا كلما قرأت كتابه) وهذا ينطبق على أديبنا الأستاذ محمد خير حامد ونتمنى له مزيد من الابداع والتميز.


