ازدهرت التجارة في العصر الفاطمي ،وكان استقرار الاوضاع السياسية هو العامل الرئيسي في نجاحها من خلال ما قدمته الدولة لانعاش النشاط التجاري، الذي تمثل بعقد الاتفاقيات مع حكام البحار والصحراء لحماية السفن والقوافل ،فضلا عن توفير الامن لحياة التجار انفسهم ، لاسيما انهم من مذاهب واديان من بلاد مختلفة كالعرب والهنود والايطاليين والروم، وهذا التنوع الديني والحرفي جعل الدولة تخصص لكل طائفة من هذه الطوائف اماكن خاصة بهم ، وقد استلزم هذا النشاط توفير هذه الاماكن كالفنادق والخانات والقياسر، التي ينزل بها التجار واماكن يختزنون بها بضائعهم، وكما اهتمت بتوفير الحماية لأرواح هؤلاء التجار اهتمت بالمحافظة على ممتلكاتهم وبضائعهم التجارية التي يحملونها ،وكانت دار مانك احدى هذه الاماكن، التي خصصت لدفع المكوس* على السلع المصدرة ،وعلى تجارة العبور،و بالأخص اصناف تجارة الجملة كالكتان والتوابل ،ولا توجد معلومات تاريخية كثيرة عن صاحب هذه الدار او مؤسسها ،او سبب تسميتها ، سوى بعض النتف المنثورة في بعض مؤلفات العصر الفاطمي او اشارات اليها هنا وهناك،وقد قمنا بجمع ماتيسر من ذلك لنطلع القارىء الكريم عليها .
تقع هذه الدار في القاهرة في خط الرفائين الذي يحوي حوانيت مصلحي الملابس والحياكين (الخياطين) ،والرسامين(المطرزين) ،والغرائين (بائعي الغراء ) ،وكذلك حوانيت الملابس المخيطة والفرش ونحوها ،وكان يقيم في هذه الدار تجار مدينة امالفي الايطالية مع بضائعهم ،ويعد هذا المبنى مكاناً مخصصاً لهم او قد يكون فندقا لسكناهم ،او ملك لطائفتهم ،او موضوعا تحت تصرف تجارهم وجالياتهم التي تاتي الى مصر للتجارة ،والذي خصص من قبل الحكومة الفاطمية لهم، من الجدير بالذكر ان مما ساعد على الازدهار التجاري موقع مصر الجغرافي واتصالها بالعالم عن طريق البحار فضلا عن موقعها البري، فقد وصفها الرحالة المقدسي بانها بلد التجارات ، وكانت الفسطاط هي الطريق الرئيسي لتجارة الهند والبحر المتوسط بسبب عدم الامان في طريق الخليج العربي آنذاك، وكانت مدن عيذاب وقوص والفسطاط من اكبر مراكز التجارة في مصر في العصور الوسطى .
تظهر وثائق الجنيزة دار مانك على انها مكان لدفع المكوس وقد اشار مؤرخي مصر المسبحي والانطاكي اليها ،فقد ذكرها الاول في كتابه فضائل مصرعلى انها تقع في المقس بجوار دار الصناعة التي انشأها الخليقة الفاطمي العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي،وانها كانت مسكن لعدد كبير من التجار النصارى من الروم ،بيد انه تراجع وذكرها ضمن حوادث سنة(415هـ / 1016م ) على انها تقع في الفسطاط وان بها كاتب للخدمة يدعى ابن الموفقي الذي كان كاتبا للخدمة في عدد من الاماكن بمصر منها دار مانك وديوان الاحباس ودار الزبيب وسائر مايتعلق بألادر والمستخرجات بمصر ،اما الثاني وهو يحيى بن سعيد الانطاكي فقد ذكرها على انها تقع القاهرة.
اما اوراق الجنيزة فهي اهم المصادر التي كتبها اليهود المقيمين في حوض البحر المتوسط بين القرنين الخامس والسادس الهجريين ،وتعد من اهم مصادر تلك الفترة في التاريخ الاقتصادي فيما يخص تجارة الهند والتاريخ الاجتماعي لليهود وكذلك تشتمل على أُوراق اسرية وغير اسرية تتعلق بالمعاملات التجارية مثل بيع المنازل او الممتلكات العامة او تأجيرها او عقود الزواج والطلاق وغيرها .
والجنيزة كلمة عبرية مأخوذة من الاصل الفارسي والعربي جنازة وتعني مكان الدفن ،والمكان الذي دفنت فيه اوراق مستهلكه حتى لا يُدنس اسم الله الذي يمكن ان يكون بها ،وربما حرفت عن العربية كنز، والمقصود بها حفظ اوراق اياً كانت اهميتها ،ولربما دفنت في هذا المكان كما يدفن البشر، الاوراق او الكتب التي تصبح غير صالحة للاستخدام كي تحفظ من التدنيس ،وتصعد محتويات الكتاب كما تصعد الروح الى السماء ،وبهذا كانت الجنيزة مقبرة لدفن كتب جيدة لحفظها من الضرر، وكتب رديئة لمنع ضررها .
اكتشفت هذه الاوراق في مقابر اليهود والبساتين جنوب القاهرة عندما هدم المعبد اليهودي واعيد بناءه ،ورغم ان هذه الجنيزات كتبها اليهود الا انها تمدنا بمعلومات كثيرة عن الانشطة المتعلقة بغير اليهود ،وتقدم لنا صورعن المجتمع اليهودي واختلاطهم مع المجتمعات الاخرى التي تعيش معا دون تفرقة دينية او حرفية ،ويمكن اعتبار هذه الاوراق صالحة للتعرف على بقية فئات المجتمع من غير اليهود ،كما احتوت على مستندات او وثائق اصلية كتبت باللغة العربية صادرة عن ديوان الانشاء او غيره من دواوين الدولة ،والتي تسربت بطريقة او بأخرى الى ايدي اليهود الذين استعملوا المساحات الفارغة من هذه الاوراق او ظهورها لكتاباتهم المختلفة .
المصادر
- المسبحي ،اخبار مصر
- المقريزي ،الخطط المقريزية
- د. محمد خليفة حسن ،الجنيزا والمعابد اليهودية في مصر
المكوس*:هي الزكاة التي يدفعها التجار المسلمين وواجبة على اهل الذمة من رعايا غير المسلمين مقابل حمايتهم .






