الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
قبل أيام قرأت مقال ينتقد ظاهرة (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) التي كانت متفشية قبل أعوام قليلة من الآن ؛ كان المقال مرتب ورصين وطرح أسئلة دقيقة وذكية ؛ راقني جمال طرحه كثيرا فعلّقت مع أحد أساتذتنا على بعض ما جاء فيه وقلت أنّ المقارنة وحدها لا تكفي لخلق أوصنع مجتمع تقدمي ومتحضر(فلابد من الإبتكار المستمر و الإختلاق والتنظير وإن شئت سم ذلك الإستنباط والتوليد) ..
فعلى أهمية المقارنة وضرورتها إلا أنها وحدها لا تسمن وإن أغنت من جوع والإعجاز الحقيقي في القرآن الكريم في رأيي ليس في ما توافق منه مع النتاج العلمي المعاصر (فالنتائج العلمية تتغير والقرآن ثابت ) وإنما في إعجاز الخطاب العلمي في حد ذاته فلو نتفكر في توجيه الخطاب القرآني في الآية الكريمة ( يا معشرالجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان)
نجد الخطاب هنا لم يقل يا أيها الذين آمنو بالله وبالرسل ؛ أو يا أيها المسلمون وإنما يا معشر الجن والإنس فالخطاب موجه لجميع البشر باختلاف ألوانهم وأشكالهم ومعتقداتهم و الخطاب أيضا موجه لكائنات أخرى غير مرئية خارج إطار حواسنا وإدراكنا تماما. ويشمل ذلك الحركة على سطح القمر لإنعدام الجاذبية وأثر المياه على سطح المريخ وغيرها من الاكتشافات الحديثة. ومع ذلك فالتحدي لم يكن في النفاذ من أقطار السموات والأرض وإنّما كان في أنّه لن تنفذوا إلا؟ بسلطان؛ إذاً فالسر الأعظم يكمن بالإستثناء في الآية الكريمة ؛ والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا وبشدة ما هو السلطان الذي يعطي البشر قدرة النفاذ من أقطار السموات ؟ فالسلطان الذي أستطاع ارمسترونغ النفاذ به من أقطار الأرض وأصبح بعده أمراً اعتيادياً هوسلطان العلم إذن للعلم سلطان يمكّن البشر من فعل الخوارق وإيجاد الأشياء من العدم وبطبيعة الحال هنالك سلطات أخرى لها أدوارأساسية وفعّالة في تهيئة وتدعيم سلطان العلم وهنا تكمن أزمتنا الحقيقية ؛فنحن أمةٌ ترزح في التخلف العلمي منذ زمن بعيد، ولقد تعاملنا مع مجريات الأحداث والظواهر الكونية وتغيرات الطبيعة إمّا بسطحية وتعالي أو بانهزامية وانكسار وشعوربالدونية الأمر الذي قنن لتخلفنا.
أيضاً هنالك علو الصوت المنادي بجلد الذات عند بعض المستنيرين بدلاً من النقد المحفّزعلى الإبتكار والإبداع يقابل ذلك تأليه المبدعين والعلماء من الأمم والشعوب الأخرى إضافة إلى فصل المجالات التطبيقية والعلوم التجريبية عن العلوم الدينية والإنسانية. كل هذه الأمور زادت من وعكتنا وأدت إلى تجهيلنا فساءت الأحوال أكثر فأكثر وأصبح الشخص الذي يتحدث في إعجاز القران خصماً على ما يتحدث فيه. ومما قرأتُ في هذا المجال في كتاب بعنوان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أورد الكاتب دعاءً للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه ( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ) فراح المؤلف يفسّرالدعاء تفسيراً علميا كما يدّعي، فقال: إنّه يريد أن يثبت كيف توافق هذا الحديث مع الدراسات الحديثة، فشرع يصف الماء وصفاً علمياً ومم تتكون والروابط القطبية التي تربط بين ذرات الأكسجين والهيدروجين ومن ثَمّ يقول فالماء تنظف كل شيء …الخ
ثم شرح الثلج قائلاً: إنّه الماء المتجمد أي الماء في درجة الصفر، وأنّ الثلج يمكنه تنظيف أشياء ملتصقة لا يقدر الماء العادي على تنظيفها، وشبّه الماء المتجمد بحلقة البنزين ولم يزد في ذلك شيئا وهنا أعتقد أنّه أربك القارئ أكثر مما أفاده؛ فالقارئ العادي الذي لم يدرس الكيمياء العضوية لا يعرف حلقة البنزين ولا الذرات المكوّنة منها ولا أنواع الروابط التي تربط بينها فعادةً عندما نمثل شيء لا نعرفه نقرّبه بشيءٍ نعرفه وليس العكس .
وكثيرٌ من أمثال هذا المؤلف يعتقدون أنّهم يدافعون عن القرآن والسنة وهما يدفعان بها أو بالمقصد الصحيح للآيات في غيرمحمدة . وعلى أهمية الدراسات البينية بين كافة العلوم فإنه لا غنى عن الإستنباط والفهم ووضع الفرضيات والنظريات بناءً على ما استنبط مع مراعاة أن يُبتدأ من حيث انتهى الآخرون ويجب أن لا يُسلَّم للنتائج العلمية تسليماً كاملا فهنالك دائماً طريقة أخرى وإكتشافٌ كامنٌ ينتظرمن يستخرجه.
وأجد نفسي ميالةً إلى الرأي الذي يقول به البعض وهو أن توضع آيات القران الكريم كدليل وهداية في كل المجالات ؛فمثلا الآيات التي تخبر عن أننا مانزالُ في خلقٍ جديد (بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍۢ مِّنْ خَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ) يجب أن تكون من الأسس النظرية الثابتة في المختبرات البيولوجية
وقد تجد المؤمن بالقرآن إيماناً راسخاً يتساءل عن الأسباب التي منعت علماء العرب المسلمين في معامل الأحياء الدقيقة من تصنيع مضاد للكوفيد وهم يعلمون أنّه في كل وقت هنالك خلق جديد وهذا التساؤل على بدائيته إلاّ أنه تساؤل مشروع.
فيما يخص التفاخر بالسبق العلمي هنا لدي رأي قد يتوسط الآراء المطروحة في الساحة النقدية هذه الأيام :
أولاً:
يجب أن نحتفظ لأنفسنا بحق الإعتزاز والإفتخار بما أنتجته حضارتنا أو بالأصح حضاراتنا حتى نحفّزأنفسنا على إمكانية خلق حضارة متجددة أكثر إستيعاباً للإنسان واحتياجاته وللطبيعة وتغيراتها والتكنولوجيا الحديثة وكما رأينا قبل أيام كيف افتخر بايدن الرئيس الأمريكي بالصورة الفضائية التي التقطها التلسكوب جيمس ويب وقال نفتخر ونعتز بهذا الإنجاز وسيأتي يوم يقال فيه إنّ أمريكا استطاعت أن تنجز هذا، ووعد بإنجازات أخرى إذ أنّ ذكر الإنجاز دائما يحفّزعلى إنجاز المزيد، لذا يحق لنا من حين لآخر أن نفتخر ونفرح بتلك الإنجازات مثل قولنا: أنّ أول من اخترع الحقنة هو بن سينا ، وأنّ أول من اكتشف خيوط الجراحة هو الرازي وأنّ أول من اكتشف الفلزات وماء الذهب هو جابر بن حيان وأنّ إنجازات البيروني في الفلك مازالت تفيد البشرية فعندما نذكر إبداعات بني موسى الثلاثة في الميكانيكا وعبقرية الحسن بن الهيثم وإكتشافه لانكسار وانعكاس الضوء وكيفية الرؤية علاوة على وضعه أسس صناعة الكاميرا (يجب أن نزهو ونسمو بذلك ) وأنه لولا ابن خلدون لما عرفت البشرية طريقاً لفلسفة التاريخ ولما كان علم الإجتماع وهذا إضافة إلى عظمة الخوارزمي وتأسيسه لعلم الجبر علاوةً على إفتراضه للصفر وابتكاره للوغريثمات التي لولها لما كان الحاسوب . هذا غير سبق ابن رشد في نقله وترجمته للعلوم حتى تفيد منها البشرية دون تمييز؛ ولعمري إنّ هذا وحده لنبل يُعتزُ به . وبالتأكيد فإنّ الوقت لن يسعفنا لذكر منجزات علمائنا ولكن لابد من أن نشير إلى أنّ أغلب هذه الإنجازات جاءت من أجل توفيق أوضاع إجتماعية سواء وراثية أوغيرها مع التشريع الإسلامي. فعندما آمنوا بأنهم ليسوا بمعجزين في الأرض تأمّلوا وأبدعوا وأكّدوا أنّ العقل يستطيع أن يأتي بما لم نُحِط به خُبرا .
ثانيا :
يجب أن نتذكر أنّ العلوم وحضارات الشعوب هي إنجازاتٌ مشتركةٌ ومتوارثة بين الشعوب فعندما تأسّس بيت الحكمة في بغداد وازدهرت حضارة العرب والمسلمين كان للترجمات التي ترجمت عن فلسفة اليونان وعلومهم أثرها الكبير في الإختراعات العلمية والفلسفية فيما بعد ومازلنا إلى يومنا هذا نعترف بهذا الفضل ونحتفي به بل ونذهب إلى أبعد من ذلك فنجد أنّ المسرح اليوناني حاضرا في ثقافتنا ومازالت أقوال أرسطو وأفلاطون وسقراط تشكل حيزاً كبيراً في كتابتنا فنصيغها دليلا وننشدها أغنية وحباً وحكمة، وندعم بها آراءنا النقدية في الشعر والقصة وغيرهما في النقد الأدبي والإجتماعي؛ وبعضنا يقدسها ويبجلها كأنما هي قرآنه المنزل .
وربما كان أحد أهم أسباب التباهي بماضي الأجداد هو قساوة حكم بعض العلماء والمؤرخين الأوربيين على العرب والمسلمين فيقول ماسيو هنري في كتابه تاريخ فرنسا الشعبي : (إنّ النشاط الذي يحفز الناس على التقدم ليس مما تجده في عبقرية المسلمين ويرى أن أوربا والدنيا كانتا ستخسران مستقبلهما إذا استمرت القيادة بيد العرب والمسلمين)وهذا لعمري حكم قاسي وجائر؛ و لكن ما يميّز أوروبا والغرب أنه بقدر ما فيهم من متعصبين مولعين بحميّة الجاهلية الإنتمائية بقدر ما فيهم من مستنيرين عدول يثبتون الفضل لأهل الفضل وإذا حكموا يقولون ما على الآخر ومنهم الكاتب الأمريكي جوناثان ليونز الذي ألف مؤلفاً عن بيت الحكمة وبعنوان جانبي كيف أسس العرب لحضارة الغرب تحدث فيه حديثا عقلانيا ومقبولا إلى حد كبير وكذلك الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي ألف المجلد الضخم حضارة العرب وأنصف فيه العرب وتصدى لكثير من الظلم التاريخي الذي وقع عليهم وكتب عن العمارة العربية وعن سماحة الدين الإسلامي و…….الخ
والحديث في هذا يطول ؛ فبالعودة إلى ما بدأنا به من أمر نقدنا وجلدنا لذواتنا نقول أنّ الأمل يظل معقوداً ورغم ما يحدث لنا فهنالك مشاعل ضوء في بعض أنحاء الوطن العربي وهنالك دائما من يضئ للآخرين طريقهم مثل دولة الإمارات العربية المتحدة التي يجب على بقية دول المنطقة أت تحذو حذوها وتستفيد من تجربتها وتقوم
بإعادة النظر في المنهج الذي يدرّس لطلاب كليات القرآن والشريعة على أن يكون من ضمن متطلبات هذه الكليات دراسة الفيزياء والكيمياء والأحياء الدقيقة وتكون هنالك معامل للعلوم الأساسية والتكنولوجية بقدر يجعل الطالب قادرا على الإبتكار فيها وعلى أدنى الفروض أن تكون هنالك مواد حضورها إجباري وامتحانها إختياري حتى يكون بالإمكان خلق جسور علمية متينة وبذلك نضمن عدم إنفصام المجتمع مابين ماهو علمي في مجالات العلوم التجريبية وبين العلوم الإنسانية والدينية .
وبذات القدر تكون هنالك مواد إختيارية من اللغة العربية والفلسفة الدينية لكليات المساق العلمي وذلك يمكن من فتح الأبواب على مصارعها أمام الأبداع ويكون الدارس قادرا على الفك والربط بين العلوم ولا يحمّل علما او آية من آيات الذكر الحكيم أو إشارة من الحديث النبوي الشريف ما لا يحتمل وبالتالي يحصل الخلق والإرتقاء والإبداع.
فنحن البشر أعداء لما جهلنا هذه غريزة ولكن يمكننا ترويض هذه الغريزة ببث التعلم والتثقف بين أفراد المجتمع وتشجيع ثقافة التأمل ومحاولة ردم الهوة بين العلماء والأدباء والناس العاديين والتعرف على ما تنتجه الحضارة البشرية الحديثة ؛ وأكثر ما نحتاجه قادة راشدون يقدّرون العلم وأهله ويحمون العلماء ونظرياتهم ويقدّرون قيمة السلام وحياة وكرامة الإنسان .






