قصر الخضراء
بقلم الدكتورة :ايمان التميمي /العراق

يعد قصر الخضراء احد اجمل القصور الأموية في مدينة دمشق، وهو من بناء معاوية بن أبي سفيان ،عندما كان واليا على دمشق، وسكن فيه اربعين عاما، لأنه رفض ان يحكم من المسجد او من دار للحكم ، ولم يعرف له من القصور إلا هذا القصر، وبنى فيه قبة خضراء فعرف القصر والمنطقة المحيطة به بهذا الاسم ، ويعد قصره هذا اول و اقدم قصر أقيم على أنقاض قصر قديم، يذكره ابن عساكر “ان الخضراء التي فيها معاوية من بناء أهل الجاهلية، من البناء القديم”.
بقيت المنطقة التي كان فيها القصر تحمل اسم الخضراء حتى أقيم على جزء منها عام (1163هـ/ 1749م) قصر العظم الذي بناه أسعد باشا العظم، والذي ما زال حتى الآن مستعملًا كمتحف للتقاليد الشعبية وتحفة معمارية..
يقع قصرالخضراءبمحاذاة جدار الجامع الأموي من الجهة الجنوبية، وكان قبلها يتصل بحرم الجامع من خلال باب يطلق عليه اسم باب الخضراء، وهو إحدى الفتحات الثلاث لمعبد جوبيتر الذي كان مشيدا قبل الاسلام ، وقيل أيضاً إنه باب السر لأن الخلفاء يدخلون منه إلى الجامع سرا من دون أن يراهم أحد، ويصف ابن كثير القصر فيقول: انه كان غاية الإحكام والإتقان وطيب الغناء ونزهة المجلس وحسن النظر، وكانت به حدائق تطل على السهل الخصب ناحية الجنوب حتى جبل الشيخ، وكان يحتوي على كرسي الخلافة، كما كان لمعاوية واولاده منازل في بحيرة طبرية مثل الصنّبرة التي أقام فيها الخليفة عبد الملك فيما بعد.
ويذكر ابن خلدون في مقدمته ان معاوية أول من اتخذ سرير الملك، وهو أشبه بالسرير الملكيّ مستمداً مما وصفه من صاحب كتاب الأغاني “ان
في هذا القصر كرسي الخلافة وهو مربع الجوانب تستره الوسائد المطرزة الفخمة “، وهو مما لم تألفه العرب من قبل ، حتى ان الخليفة عمر بن الخطاب كتب إليه مستنكراً وقال له: أ قيصرية يا معاوية، كما ان معاوية أحدث في الجامع الكبير مقصورة هي الأولى في بناء الجوامع، وجعلها مقاماً للصلاة خاصاً به ، وبهذا فإن قصر الخضراء كان مسكناً للخليفة، الا ان الدواوين انتشرت حوله من جهة الغرب وشُغلت الأروقة التي كانت تحيط المعبد الروماني القديم، كما أنشئت أروقة أخرى مازالت قائمة عند مدخل الجامع الكبير، وإن بيت المال وديوان البريد وغيرها كانت تشغل هذه الأروقة، أما مجلس الخليفة فكان في القاعة أو القاعتين الواقعتين في الجهة الغربية من الجامع، وثمة رواية تاريخية ذكرها ابن عساكر في تاريخه عن دمشق، يقول فيها إن معاوية بنى القصر بالطوب، فلما فرغ منه، قدم عليه رسول ملك الروم، فنظر إليها فقال معاوية: كيف ترى هذا البنيان. قال: ” اما أعلاه فللعصافير، وأما أسفله فللنار. قال: فنقضها معاوية وبناها من الحجارة “. وأصبحت قصر الحكم الأموي الأول.
ولابد ان نشير الى اهمية ان معاوية صرف على بناء القصر وزخارفه واثاثه وفرشه مبالغ طائلة ،وكسى ارضيته بالمرمر ، ولعل ذلك ما دعى الخليفة عمر الى عتابه على ذلك لأنه لم تألف العرب مثل تلك الابنية وان قيامه بذلك تشبها بقياصر الروم والفرس .
بقي قصر الخضراء قائماً يستعمله الخلفاء الأمويون، فلقد اشترى عبد الملك بن مروان القصرمن خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله دار الإمارة كما يروي ابن عساكر، وكان ثمنه ” اربعين الف دينار واربع ضياع باربعة أجناد من الشام”، ثم جعله العباسيون داراً للشرطة و دارا لضرب النقود ولعله رمم فيما بعد، إذ أن المؤرخين يتحدثون عن احتراقه أيام الفاطميين ، فيقول ابن كثير: “وبادت الخضراء فصارت كوماً من تراب بعدما كانت في غاية الإحكام والإتقان وطيب الغناء ونزهة المجلس وحسن النظر”.
من الظاهر انه بعد زوال العهد الاموي في الشام أصابه الخراب والدمار وأيضاً تعرّض القصر لعدّة محن أخرى، كان أشهرها احتراقه بالنيران في أواخر عهد الفاطميين ، كما يروي ابن كثير الذي يذكر: “ألقيت نار بدار الملك وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة فاحترقت”.
ولعل من المفيد الاشارة الى ان المعلومات التاريخية عن هذا القصر قليلة لكننا على ضوء ما سبق نكون عرفنا عن هذا القصر عدة ملامح اهمها موقعه المؤكد الذي سبق عرضه ، وقبته الخضراء التي شملت تسميتها القصر والمنطقة المحيطة به ، قيامه المحتمل على معبد سابق للإسلام، في حين كانت مادة بنائه من الحجارة كما ذكر ابن عساكر.
وعدا هذه الملامح تروي الأخبار أنه كان قصراً منيفا تحف به حدائق غناء ويطل على سهل خصب نضر ممتد إلى الجنوب الغربي من دمشق، حتى جبل الشيخ ، ولعل ميسون زوجة معاوية وأكثرهن حظوة لديه، كانت تقيم في هذا القصر، ولكنها عبرت عن حنينها المستمر للبادية بابيات منسوبة إليها:
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إليَّ من قصر منيفِ
ولبس عباءة وتقر عيني احب الي من لبس السفوف .
المصادر
- ابن عساكر ،تاريخ دمشق
- ابن كثير ،البداية والنهاية
- ابن خلدون ،المقدمة
- يوسف محمود يوسف، نظرة تاريخية على اهم القصور الاثرية في دمشق السورية .






