كبح جماح الحزن  بتعاطي الوعي وإنعاش الذاكرة ــــ بقلم / تغريد البشير

0
501

كبح جماح الحزن  بتعاطي الوعي وإنعاش الذاكرة

بقلم / تغريد البشير

5/29/ 2024 ـــــــ الشارقة

الأحزان والآلام سنة من السنن الكونية  النفسية التي قدر لها أن  تسع الجميع دون فرز أو  استثناء  وهي آية من آيات الله العظمى وهذه الأيام لمعظم السودانين إن لم نقل الغالبية العظمى  منهم هي أيام إبتلاء وإمتحان أيام آلام وأحزان قد يعجز البنان عن وصفها فمن جرب الكي  لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شرب كما يقال  ومع  ذلك يجب علينا ألا نقول إلا مايرضي الله ويجب ألا نحمل أنفسنا على الحزن حملا متواصلا فعاقبة ذلك قد تكون وخيمة إلى حد الهلاك   قد يؤدي الأمر  إلى فقدان أهم ما يملك الإنسان من الحواس أو الأعضاء  الحيوية (القلب والعيون ) وتصبح حالة الموت أفضل من الة الحياة.

الحزن الذي نعيشه  بالتأكيد له مبرراته  فتارة يأتي  بعد حالة الإنكار الشديد لما  حل بالوطن وعدم قبوله فنصطدم بالواقع المرير وما  يحدث في ساحات المعركة من الالام ومواجع  وفقدان أفضل وأنضر  فراسان  شباب  السودان و التهجير القسري الذي  تم للأهل بالخرطوم والجزيرة  وترويع الآمنين كل هذا وذاك أسباب مبررة لتفاقم الحزن واستشرائه ونرجع  نقول لابد من كبح جماح الأحزان واستعادة لياقتنا الذهنية وكسر الجمود الفكري  بأي شكل من الأشكال  فهذه السنة الحياة ؛ فالتناغم مع اأقدار خيرها وشرها سمة محمودة ولنا في رسول الله أسوة حسنة  فقد أعز وأقرب الناس إليه في وقت واحد  (زوجته خديجة بنت خويلد أول من امن به صلى الله عليه وسلم وعمه  أبو طالب الذي كان يحميه من قريش) وكان ذلك العام شديدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسماه عام الحزن ولم يركن النبي الكريم لهذا الإبتلاء (لم يجلس يندب حظه كما نقول بالعامية ) بل سلم للأقدار وقام بما يجب عليه القيام به فكل مسخر لما خلق له  وهذا الابتلاء العظيم هو نموذج لإبتلاء السودانيين ففي عام 2023 عافانا الله منه أخرج الناس من بيوتهم ونهبت أموالهم وأنتهكت أعراضهم  وهامت الحرائر باللبلدان يبحثن عن ملجأ وعيش كريم فالتأسي بالنبي الكريم هو طريق النصر والتخلق بأخلاقه ما استطعنا هو طريق العزة والنجاة والعوده للديار ستكون بمثابة فتح مكة  في نفس كل سوداني  فالحزن قد  حال عليه الحول ويجب أن ينتهي  علينا أن نتعامل مع الواقع كما ينبغي فالوطن سيعود لا محالة  ولابد له منا ولا بد لنا منه.

أخذنا بأيدي بعضنا  يجعلنا نتعايش مع الواقع ومع الغربة  ؛ نذكر بعضنا ونواسي أنفسنا ونبعث في دواخلها الحياة  هو أليق من البكاء والإنكسار  قال الشاعر:

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها

ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَل ِ

فالأمل يبقينا على الطريق  والتفاؤل لطالما  رُزقنا  ثماره ؛ فاليوم و ما قبله سخر الله لي  عدد من الأهل والأحباب تواصولوا معي وبعضهم  أرسل لي صور للزراعة فالسودان رغم الأحداث  وبالفعل كان للصور أثرا فعالا في نفسي كما تواصلت معي الشاعرة الصاعدة و الجميلة فاطمة  الجاك  وكان اتصالا سودانيا خاصا يحمل بين طياته الكثير من الود والمحبة  كما سُخرت لي في صباحه إحدى صديقاتي  المقربات الدكتور (ص) فكانت  بداية اليوم تبشر بنهايته بفضل الله تعالى ؛ تجاذبنا أطرف الحديث وفرحنا بالمحادثة  ؛ بطبيعة الحال تحدثنا عما جرى لبعض الأصدقاء والمعارف  فحدثتني دون أن أطلب منها عن ترك الحزن والتسليم  لله و والرضى بالواقع طالما أن ليس بأيدينا شيء نقدمه وكانت مواساتها بلسما طيب نفسي وشرح صدري ؛ وقصت علي حكاية إحدى قريباتها كان تحدثها عن أيامها الخوالي قبل الحرب مقارنة حياتها الماضية بحياتها الآنية كلاجئة وناجية من قساوة الحرب قالت لها انها (زعلانة )على تلك الأيام التي كان كل همها  تغيير فاظات  الزهور والورود   وجل اهتمامها  بالأطقم الفخمة والمفارش الفاخرة قالت لها ( والله كنا فارغين فراغ).

استرسلت صديقتي  هي تذكرني بحال الدنيا  وكيف الناجية اللاجئة كيف أصبحت تنظر  للحياة بعد أن تبدلت أحوالها وقبلُ كانت  تظن  أن بيتها وحديقتها الفاخرة  بالخرطوم  لن تبادا أبدا  وأعقبت ذلك بتلاوة الآية الكريمة:( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) . فسرتها لي حسب  فهمها وكما نقول ( قدر قدرتها ) متخذه من القصة السابقة مثلا ؛ حديث صديقي ذكرني أيام الثورة وأعاد لي جزء من ذاكرتي القريبة والأسباب التي جعلتني أهاجر من السودان قبل إحدى عشر عاما من الآن ؛ وحقيقة أن الذكرى تنفع المؤمن ربما مبالغتي في الحزن على بلادي تعود لأني لم أرها منذ عشر سنينن  ؛ وهذا في حد ذاته سبب للإعتبار .

وربما مايحدث لبلادي وأرض أجدادي والفوارس من أبناء بن جلدتي  لم يكن بالحسبان لقلة الوعي والعيش خارج الزمن ؛  و الذي أمر به يمر به كثير من أبناء الوسط جميعنا  أو أغلبنا حاولنا لي عنق الحقيقة وكنا نغني  ونتغنى بكل سوداني هو أخوي وكل سوداني خالي  وعمي ؛ وكنا نصر على  الوجدان الواحد ؛ وكلنا واحد ..الخ ؛  ومعظمنا لا يعرف شيئا عن الكراهية فوقت إثارتها تعامل الكثير منا معها بالتماهي وحاولنا الإنسلاخ عن جلدتنا فبعضنا أنكر إنتمائه للعرب وبعضنا أنكر إنتمائه للكيزان وبعضنا أنكر من هو وبعضنا أنكر شرفه ونبله وبعضنا تخلى عن نسبه وبعضنا عن حسبه وبعضنا تماهي مع الآخر إلى أن نسي سودتنه حتى يثبت رقيه وقبوله للإختلاف وبعضنا انتهج الفردانية منهجا ودينا انسلخ انسلخاتاما من المجتمع وآفاته   وظننا أننا بذلك نحسن صنعا ؛ فكل هذا كان يحدث الإنتهازيون منا على قيد الإنتباه .

ولا يسعني في ه\ه المساحة إلا أن أشكر صديقتي التي بمواساتها ذكرتني بعض الحقائق وجعلتني أنتبه للمر منها (اللي كنا لايكين القرضة وماسكين فيها  ) جعلتني أعيد النظر في كتابابتي وبعض مقرتحاتي التي كتبتها في في إطار مقولة  الشاعر الكبير محجوب شريف :

 حنبنيهو  البنحلم بيهو يوماتي

  وطن شامخ  وطن عاتي

 وطن خير  ديمقراطي
 كنت دائما أسال نفسي سؤال  وهو كيف سنبنيه ؟ وارد على السؤال  بمقالات مطولة  اقتبس لها ما أقتبس وابتكر ما أبتكر  أما الآن فقد اتضح جليا لنا أنه علينا إعادة النظر فيما كتبنا وإعلاء مصلحتنا كما يفعل الأخرون  فالخطوة الأولى في الحل بكل أسف أن نعي أننا لسنا واحدا لا في الأخلاق و لا في المعتقدات أو نظرتنا للحياة ونعي حقيقة وجداننا ليست واحدا والدوافع التي تدفعنا للفرح والحزن ليست واحدة الذي لا يشجيه وردي ولا يطربه بن البادية ولا يلهمه الكابلي  فهو ليس مثلك والذي لا يبكيه النصري وعصام محمد نور ولا تحمسه ندى القلعة فهو ليس بوجدانك الذي لا تهزه تلاوة شيخ الزين  أو موقف الأزهري العظيم وهو يرفع علم استقلال  السودان أشك في سودتنه الذي لا يحب هيثم مصطفى ويضحك لربيع طه ويسعد بمحمد نعيم سعد وفايزة عمسيب قل لي بالله أي وجدان سيجمع بينكم  إن لم يجمع هؤلاء ؛ والذي لم يبتسم لمشاكسات اليسار واليمين  في الصحف والمجلات ويندهش لأنسهم وضحكهم مع بعضهم  في بيوت الأفراح والأتراح ويستعجب في مصاهرتهم لبعضهم  بل سكنهم تحت سقف واحد في بعض الحالات هذا بالتأكيد إما عايش خارج إطار السودانه أو أنه لا يجمعك به وجدان  وإختلاف الوجدان والثقافات ليس عيبا  وعلينا أن نتعامل معه بشفافية أكثر ؛  واحدة من فوائد هذه الحرب ستجعل إنسان السودان أكثر وعيا بمسألة الإختلاف  حتى وإن  حصد أرباح الإستثمار فيه الغرب والإقليم  لن نخسر مرة أخرى بسببه  بإذن الله تعالى .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا