(مثقف مثل جوزيف كان يفترض أن يكون أكثر إنسانية) عبارة لطالما أبكتني حتى بعد مرور أيام وشهور من قراءتي لها ؛ وإلى الآن في كثير من الأحيان تفيض عيني عندما أذكرها وأعجب لأمري كيف أصبحت بهذه الهشاشة بعد زيارة كوفيد 19 لنا .
ثم مالي واللائي آثرت أرواحهنفراق دنيانا منذ زمن بعيد عمتي نجاة البشير و شبيهتها مي زيادة.
أسائل نفسي تارة وأسائل صورة مي تارة أخرى ؛تلك الصورة التي أصبحت تطل علي دون إستئذان هل ينقصني ياماري أن أبكي عليك وأنت قد غادرتي دنيانا بما يقارب القرن من الزمان .هل تنقصنا مآسي ومصائب حتى تأتي قصتك وتزيد من أحزاننا؟بلى أننا نرزح في دنيا المآسي منذ أن غادرتِنا ؛ تختلف القوالب والأشكال ولكنها جميعها تمثل العصفورية ؛ ولولا عناد بعض النساء وإصرارهن على المضي قدما لإكمال الطريق لأسس في كل حي من أحياء الوطن العربي عصفورية قد لا تختلف عن تلك الإ بالتصحر بدلا عن الأزهار و بالشعوذة والمشعوذين بدلا من علم النفس وأطباؤه .
؛ أعرف أنك كتبتي لنا حتى نستفد من قصتك وتجربتك القاسية وحتى لا نقع فيما أودى بك؛ولكن الحب أعمى كما يقال يامي وكل من تحرص على الحب منا يحدث لها ماحدث لك فهاهي زهرة المبدعين العرب المطربة شيرين عبد الوهاب تتجرع من نفس الكأس الذي تجرعته كأنها لم تقف على أطلالك وترثي جمالك؛ وكم مين من زيادة تقبع في عصفوريتها الخاصة ولا أحد يدري عنها شيئا .ذ

صورة مي زيادة علقت بذهني منذ الوهلة الأولى التي وقعت عليها عيني وهُييئت لي أنها صورة عمتي نجاة البشير تلك المرأة التي كانت تثور لنصرة رصيفتها المرأة وتبذل كل ماتستطيع حتى تجعل مكانة المرأة مقاربة لمكانة الرجل في مجتمع لم يتقبل ذلك بسهولة حتى على مستوى (عِدة الجمعية في المناساب وهي كل مايلزم للضيافة من أساس كان بعض الرجال يرون أن الرجال أولى بكل ماهو فخم وجديد وأن ولهم الأولوية في التقديم ) .
توفت تلك المرأة النبيلة التي كانت تتميز بمتناقضات قلما نجدها مجتمعة في شخص واحد جرأة و تهذيب وشجاعة ومرونة وكرم وتدبير وجمال وحسن سيرة توفيت رحمها الله في زهرة شبابها أثناء إنجابها لطفلها الذي توفي هو أيضا ولم يكتب له العيش؛. ظلت صورتها وهي تتقدم الصفوف في المناسبات العامة والخاصة لتساوي بين الضيوف من النساء والرجال ؛ وخوفي عليها من أن يظهر أحدهم ويفسد عليها وعلى النساء من خلفها نشوة إنتصارها عالقة بذهني ؛كذلك ظلت صورة مي زيادة وهي قابعة في العصفورية ومضربة عن الطعام من أجل حريتها حية تتحرك في مخيلتي
لم ألبث كثيرا وأنا أغض الطرف عن خيال مي زيادة وأحاول أن أتناسى ليالي العصفورية وماجرى لمي فيها وأرد نفسي عن ضلالها وتذكرها الدائم للأموات حتى يظهر لي محرك البحث قوقل مأساة المبدعة التي لطالما أحببناها وأطربتنا الفنانة شيرين عبد الوهاب وخبر نقلها لمستشفى الأمراض النفسية. وأقول هنا مقولة مي زيادة كان يفترض على شخص مثل حسام حبيب أن لا يوصل شرين إلى هذا الحد .
شرين عبد الوهاب التي عرفت بطيبة قلبها وجدعنتها كما يقال في العامية المصرية وهي موهبة نادرة وصوت لا يتكرر بسهولة ؛ أدمت قلوبنا لما تعرضت تلك الزهرة الفواحة التي يعتق شذاها أثير السوشيل ميديا متى ماضغطنا على زر الصوتيات لسماع أغنية لها . أن تؤخذ هكذا إلى مستفى الأمراض النفسية وهي المرحلة الأخيرة في العلاج إنه لأمر مؤسف وحق لنا أن نتساءل أين كان أصدقائها وكل من يهمه أمرها قبل ان تصل النجمة الكبيرة إلى هذه المرحلة ؟
عفوية شرين وطيبتها جعلت الكثيرين من إعلاميين وغيرهم في السوشيل ميديا يتنمرون عليها وعلى ردودها وتصريحاتها لم يفكروا في أحتمالية أن تصلها الصدمة لمتاهات مثل هذه .؛ لم يفكروا في رهافة حسها ورقة مشاعرها وقلبها الأبيض الذي لا يعرف الكره والإنتقام ؛ ناهيك عن أن المبدع أو ذي الموهبة هو إنسان عادي مثله مثلنا ويحتاج الى الدعم في كثير من الأوقات.
تمنيت لو أن أحد النقاد الفنين او المحلليين والمتابعين لسير أحدث شيرين لو حللو حالتها و أنقذوها قبل فوات الآوان مثل شرين جدير بأن يخصص الوقت الكافي لتحليل وتفسير مايجري له ..
السبب الرئيسي لدخول مي زيادة العصفورية هو الشخص الذي عشقته وتمنت ان يكون رفيق حياتها جوزيف بن عمها الطبيب المثقف الذي تخلى عنها من اجل الإرتباط بعجوز فرنسية. غفرت له مي زيادة خيانته الأولى لها ؛ و عندما عاد إليها بعد وفاة زوجته ؛أمنت له فأودعها بمستشفى المجانين من أجل ان يستولى على أموالها بعد أن مضت له على بياض على كل ماتملك وقصة شيرين لا تختلف كثيرا عن قصة مي و منذ إنفصالهما هي وحسام لم تذق طعم العافية إلى ان تم إيداعها بمستشفى الأمراض النفسية نسأل الله أن يشفيها ويعافيها ويعيدها سالمة لبناتها ومحبيها وجمهورها ؛الفرق بين شيرين ومي أن مي تنكر لها الجميع طه حسين والعقاد والرافعي وكل أهلها وبني عموتها وحتى الصحف والمجلات لم تقف في بادئ الأمر معها؛ تنكر لها جميع الأدباء والكتاب الذين كانوا يداومون على طرح أرائهم وأفكارهم في صالونها الأدبي ولولا الأمير عبد القادر وأمين الرياحني لما أنصفت مي ولما خرجت من العصفورية ؛ الأمير عبد القادر وإسرته الفاضلة حققوا القول الكريم لأن أمشي في حاجة أخ لي خير لي من حمر النعم ؛ ماقام به الأمير عبد القادر تمنيت لو أن العقاد هو من قام .
مآسي الفنانين والعشاق لا تعد او تحصى و لا تنتهي والمطربين أكثر عرضة من غيرهم ربما لعشقهم للحياة وتمسكهم بها ؛ولكن عل الأقل مأساتهم تظهر للجميع وقد تجد من يتمتعون بالحس الإنساني وينقذون ما يمكن إنقاذه ولكن هنالك قصص تدمي العيون وتؤلم القلوب تشتعل وتهمد في مكانها دون ان تجد من يمد يد العون لإطفائها .
كم من رجل وكم من امرأة ذاقا ما ذاقته مي زيادة وشيرين عبد الوهاب وأودعا في دور الرعاية الصحية دون وجه حق او حتى بوجه حق ولكن بدون رحمة ؛ الرحمة تلك التربة الخصبة التي تتفتق عليها أزهار الإنسانية والرقي.
قصة عشق شرين لحسام الذي حسم الأمر لدى الجميع بعدم أهليته لهذا الحب ذكرتنا بالكثير من القصص التي أودت بأصحبها إلى الجحيم وعلى اقل تقدير في جحيم الحب بدءاً من قصة النحاتة الفرنسية كامي كلودي التي كانت تراسل مي زيادة و التي أغرمت بأستاذها الفنان رودان ؛ الذي اصبح مشهورا فيما بعد بأعمالها ؛ وأودعها مستشفى المجانين خوفا من أن تنافسه وتسحب البساط من تحته.
مرورا بقصة علي ونينو الشاب المسلم الذي أغرم بالفتاة المسيحية (صاحبي التمثالين المشهورين في مدينة باتومي) تعريجا على قصة صوفيا مع زوجها الأديب الروسي المشهور ليو تولستوي وجان بول سارتر وسيمون ؛ تطوافا عبر الأزمنة بمجنون ليلى وعبلة وعنتر وكثير عزة وبن زيدون وولادة وروميو وجوليت وغيرهم من القصص الصادقة التي لم يجني أصاحبها منها سوى الجحيم .
فشيرين لم تكن لم تكن الأولى ولن تكن الاخيرة ؛ ولكنها قادرة على أن تلملم قلبها وتطيب جرحها وتمشي بعيدا عن هذا العالم الجارح فعالم الصداقة وعالم الأخوة الإنسانية والحب في لله ولله دون مقابل أرحب وأرقى ويستحق .
وجميعنا شاهد كيف كام موقف العالم الذي يحب شيرين من قضيتها التي هي إنسانية في المقام الأول ؛هكذا لله وفالله لجمال روحها وموهبتها وهذا يجعلنا نشعر بالرضى من حيث إرتقاء الإنسانية إهتمام المجتمع وبقضايا أفراده ؛ أدبائه ومبدعيه وهذا ماكانت تفتقده مي زيادة عندما قالت :
(خيرة أصدقائي ولوا وجوههم عني صوب الفراغ كنت أحسب حسابهم لكنهم تخلو عني فشككت في صداقتهم ؟ماذا لو كتب طه حسين عني شيئا صغيرا ؛ سطرين لا أكثر .. فطه حسين والعقاد والرافعي وغيرهم من الوزراء والأدباء الذين عاصروا مي كانوا يداومون على حضور صالونها الأدبي كل ثلاثاء تقريبا وتحدثت مي بمرارة عن موقف طه حسين والعقاد .
في مايخص العلاقة بين مي والعقاد من خلال متابعتي لها لم تكن علاقة حب وانما علاقة اعجاب كل منهما بنبوغ الاخر اعجب العقاد بفصاحتها وطلاقة لسانها وموهبتها وهي المثقفة التي تتحدث تسع لغات .؛ والجريئة التي تتصدى للدفاع عن المرأة الشرقية وعن حقوقها في زمان أغبر وتضاهي جميع المعاصرين لها بخدمتها للغتها وثقافتها ومنابر أمتها.
وربما اعجبت هي بعبقرية العقاد وقدرته على الاطلاع والنقد وموهبته الكبيره في إكتساب المعرفة ولكنها لم تحبه؛ وانما كانت متعلقة بجبران خليل جبران على الرغم من انها لم تلتقيه ومع ذلك يظل السؤال يفرض نفسه ماذا كان سيضير العقاد لو أنه قال كلمة في حق مي ؛ او قام بنصرتها وهي المظلومة من أقاربها.نعم ظلمت مي من الجميع ولكن ظلم ذوي قرابتها كان أشد مضاضة عليها من ترك الأصدقاء لها .
أما في ما يخص عشق الرافعي لها فلا أظن ان ذلك حقيقة فهو أيضا في رأيي لا يتخطى دائرة الاعجاب. يقولون أن الرافعي كان يحبها ويحب زوجته في ذات الوقت ؛ اعجب لهذا القول كيف؟ و ماجعل الله في جوف رجل من قلبين ؛ وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم اللهم لا تلمني في ماتملك ولا أملك يعني انه يحب عائشه ولا يستطيع ان يعطي ذات الحب لسواها.
فأنى للرافعي ان يعشق اثنين في ذات الوقت اما سبب استمراريته في زواجه ربما هو الاحترام وليس بسبب الحب .
علاقات الزواج التي تثمر الاستمرارية إلى نهاية الزواج تكون بتبادل الإحترام والود وليس الحب والعشق والامثلة كثيرة في عوالم الادباء والعلماء منها قصة عالم الأحياء المعروف تشارلز دارون صاحب نظرية التطور وزوجته وام أولاده إيمي إستمرت حياتهما إلى الآخر بسبب إحترامهما لبعضهما البعض وتوادهما رغم إختلافهما في العقيدة وإختلافهما الدائم في كثير من الأمور .. فالحب والعشق المبنيان على العيون السود ( وفريع البان ميل) لن يثمرا او يستمرا بحال من الأحوال …. ومع ذلك على المجتمع ان يطور أدواته لتجنب النتائج التي قد تصيب مرهفيه ومبدعيه وأدبائه الذين هم بذرة حضارته وثمرة حاضره
وأختم هذا الحديث وهذه الذكريات المريرة بالدعاء للغالية شرين عبد الوهاب التي طالما أثرت الساحة الفنية بجمال روحها ونقاء قلبها وصوتها الفريد الذي لا يتكرر وببعض ماقالته مي زيادة عندما طلب منها تقديم محاضرة بالجامعة الأمريكية وهي مازالت محجوزة بمستشفى المجانين لم تحكي مي زيادة عن مافعلوه فيها ولا عن حجرهم على أموالها وميراثها أو عن ترك الأصدقاء لها و الظلم الذي تعرضت له وإنما تحدث مي عن رسالة الأديب قائلة ( رسالة الأديب تعلمنا كيف نخلق حضارة ؛ إذ بها لا بغيرها ؛ تقاس مواهبنا ؛ ويسبر غور طبيعتنا ؛ وهي التي تثبت وجودنا وتنطق بلساننا مترجمة عن مبلغ الإنسانية فينا … رسالة الأديب العربي تعلمنا حب العزلة والسكوت وترجعنا عن الفخفخة وهوس الظهور فنعتكف على أنفسنا نعالج مكنوناتها بالظفر بجمود النتائج ؛ فالسنبلة المتمايلة على صفحة المروج ؛ حاملة بشائر الحياة ؛ لا تولد حبتها ولا تنضج إلا في أحشاء الأرض في جو الوحدة والهدوء والكتمان .)






