بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة المدنية
بين الدين والقانون
القاهرة في : ٣٠ / ٦ / ٢٠٢٤
كتب؛ بدر الدين العتَّاق
أولاً ، أُسس قيام الدولة المدنية :
وتتلخص بعد تفسير العلاقة بين الدين / الشريعة الإسلامية / والدولة – الكيان الإجتماعي بمفهوم الدولة الحديثة التي نشأت بين القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر الميلاديين مع اختلاف نظري فلسفي في ذلك – وتجد ذلك مبسوطاً ومبذولاً في كتابنا تحت الإعداد ” الفكرة الإنسانية العالمية” على النحو الآتي :
١ / وحدانية الله ؛ وتفيد الحاكمية لله والسلطة للشعب في أعلى قمة هرم الدولة والدستور كما تفيد التوزيع العادل للسلطة عبر ما اتفقت عليه أعرافها والأعراف الدولية .
٢ / بر الوالدين؛ وتفيد تكوين نواة الأسرة والمجتمع الدولي بالصورة المُثْلَى القاعدة الذهبية المجتمعية بلا حدود .
٣ / لا تقربوا مال اليتيم إلَّا بالتي هي أحسن؛ وتفيد المظالم الأسرية وعدم التعدي على حقوق الآخرين واستغلالهم – تسلط الراعي على الرعية أو الوصي على القاصر من أدنى قاعدة هرمية البناء الأسري وحتى أعلى قمة مستوى منه وهو الأسرة الدولية – وما إلى ذلك .
٤ / لا تقربوا الزنا؛ وتفيد تقييد العلاقات بين الرجال والنساء واحترامها في حدود العرف الاجتماعي بعدم تجاوزه لحرمات الآخرين والتعدي على الخصوصية المحضة للطرفين – التوائم ما بين الحرية الفردية المطلقة وما بين العدالة الاجتماعية الشاملة -.
٥ / ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق؛ وتفيد الحريات العامَّة وحقوق الإنسان وكرامته وقيمته من حيث هو إنسان بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه أو لسانه أو عرقه أو قبيلته أو خلافه ، بمعنى عدم القتل جزافاً دون وازع ضمير أو وجه حق عدالة ، وحق الحياة على أصقاع الكوكب والبناء والتنمية والإعمار وتوظيف الموارد البشرية والطبيعية لمصلحة الإنسان وتعمير الأرض وتنظيم العلاقات بين القطيع الآدمي بلا استثناء.
٦ / ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق؛ وهي تقديم قيمة الحياة مطلقاً وإعلاء قيمتها على الممات استثناءً وتحقيق العدالة الاجتماعية في العيش الكريم لكل البشر لا تقليصها وإعدامها وتفيد العدالة الاجتماعية الشاملة في الحقوق والواجبات والالتزامات وغيرها.
٧ / ايتاء ذي القربى واليتامي والفقراء والمساكين وما إلى ذلك؛ وتفيد عدالة توزيع الثروة بكل مستوياتها ومسمياتها بين الناس ، وبمعنى أشمل الشراكات الاقتصادية ومنظومتها المالية.
٨ / الإيفاء بالقول؛ وتفيد الالتزام الأخلاقي البحت آن التفوَّه بالكلمة كأن يتحمل صاحبها المسؤولية تماماً لما لها من حقوق والتزامات وواجبات وتراتبية ومسؤولية أخلاقية وقانونية وأدبية تقع عليها وما أشبه.
٩ / الإيفاء بالعهد؛ وهي الالتزام عملياً بالمواثيق والعهود المحلية والإقليمية والدولية في أدنى مستوياتها بين شخصين فأكثر إلى أعلى المستويات العالمية كالشراكات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما إلى ذلك.
١٠ / الإيفاء بالكيل والوزن بالقسطاس المستقيم ؛ وتفيد حركة حرية التجارة والصناعة والزراعة والاستثمار والتعدين وخيرات الأرض جميعها / الموارد الطبيعة والصناعية وما يقوم مقامهما / والسياحة والمنظومة الاقتصادية بكلياتها بين الأفراد والجماعات كما تركز على أهمية المواصفات والمقاييس والجودة وضبط الجودة العالية وما يليها من قوانين منظمة للعمل الحر الخاص والعام بين الناس .
ثانياً؛ الدين والدولة ، وتتلخص في الآتي :
١ / لا علاقة للدين – أي دين – بمفهوم الدولة الحديثة من حيث هي دولة ذات مؤسسات تنظيمية بين الشعب وبين إدارته من طريق القوانين والتشريعات واللوائح المنظمة لتلك العلاقة ؛ ذلك لأنَّ الدين ممارسات وشعائر وأحكام ومنهاج رسولي وطقوس تعبدية متعددة ومختلفة ومتنوعة ومخصصة لجماعة دون الأخرى فردية أو جماعية أو الاثنين معاً ، ذات علاقة خاصة بين الإنسان والله وتنعكس قيمها في السلوك والمعاملة والأخلاق والتربية بين القطيع البشري.
٢ / بالنسبة للدين الإسلامي؛ فقد أورد المُشَرِّع السماوي تعريف ماهيَّة الدين على نحو ست وستين مسألة في القرآن الكريم – راجع سورة البقرة تحديداً – مختصرة بعد تقليص التفريعات إلى عشرين مسألة منها الحيض واستقبال القبلة وما إلى ذلك / راجع كتابنا المصدر أعلاه / ولا علاقة لها بكيان الدولة الحديث ولا ما يسمَّى اصطلاحاً بدولة المدينة في القرن السابع الميلادي منبع ومنبت الفكرة الخطأ في تكوين دولة الخلافة الإسلامية الراشدة فكلٌ يؤخذ على حِداه ، وإلَّا فحدِّثني عن علاقة حيض المرأة بعلاقات الدولة الخارجية مثلاً ؟.
٣ / تنشأ الدولة بناء على معطيات الثقافة والحضارة والعرف المجتمعي والتقليد والعادة والتكوين الجيوسياسي والديموغرافي ثم مدى تأثرها سلباً أو إيجاباً مع المتغيرات الدولية بعامَّة أي بتغيير حركة المجتمع نفسه بين التطور والتراجع.
٤ / الدولة تقوم على بناء المؤسسات لخدمة ومصلحة الشعب في كل المناحي الحياتية ووضع أُسس ولوائح وقوانين ودساتير منظمة لطبيعة هذه المؤسسات لتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع المدني داخلياً وخارجياً ولتحقيق أعلى مستوى من العدالة والتنمية والرفاهية والحريات الأساسية والواجبات والالتزامات القانونية والدستورية اللازمة للشعب كما على غيرها من مثيلات.
٥ / الدين؛ وظيفته تعميق العلاقة بين الله وبين الفرد؛ وبين الله والجماعة؛ في القيم الأخلاقية الإنسانية العالمية والمُثُل العليا وتنزيلها للواقع الحياتي في السلوك والمعاملة والأخلاق والتهذيب والأدب والاحترام وما إلى ذلك.
٦ / الدين؛ في الإطار العام؛ عبارة عن قيم ومثل عُليا فرضها المشرِّع السماوي على البشر تتشكل في شكل حسن المعاشرة والمعايشة والمراحمة والمسالمة والتعاون والتعامل والتوافق والاختلاف سنن كونية وتطبيق القيم عملياً وعلمياً بمقتضى العلم من طريق العرف والعادة والتقليد والتطور وما أشبه .
٧ / الدولة هي الرقعة الجغرافية من الأرض ذات سُكَّان محدودين وتحيطها حدود جغرافية أخرى مع كيانات بشرية أخرى تربطها مع بعضها البعض علاقة حسن الجوار والمعاملة والمنفعة والمصلحة المشتركة بكل المستويات والمسميات القديمة والحادثة والحديثة.
٨ / تحكم الدولة الشعب من طريقين اثنين هما : القرآن الكريم وبالتحديد مفهوم الشريعة الإسلامية ذات الدستور الإلهي لأهل الأرض قاطبة وليس لكائن من كان أن يخرج عنها كما بيَّناه سابقاً؛ والطريق الثاني هو العُرْف المجتمعي المتطور من أصل طبيعة حركة الناس وحياتهم في شكل القوانين والتشريعات والدساتير المنظمة لعلاقة مؤسسات الدولة مع الشعب وأعلاها ما يعرف الآن بالبرلمانات النيابية؛ الجهة المنوط بها سن القوانين والتشريعات لتوافق ما بين الحداثة وتطور الأحوال المحلية والإقليمية والدولية والعرف لغاية التعايش السلمي الإنساني العالمي.
٩ / مؤسسات الدولة هي الكيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والإعلامية والخدمية والعلاقات الخارجية والحريات الأساسية والواجبات والالتزامات القانونية والدستورية لحقوق الإنسان وما إلى ذلك في أي مكان.
١٠ / الدين؛ تهذيب وتأديب النفوس وجعلها تتسق وتتناسق بين الفرد والجماعة فإذا تعدَّتها إلى غيرها لحقوق وحريات الآخرين صودرت وعوقبت بموجب القانون والعرف المجتمعي لتسير سيرها القويم لإعمار النفس والأرض وتهذيبها نحو التبادل القيمي المشترك لقبيل البشر.
ثالثاً؛ الدولة والقانون؛ وتتلخص بعد تنزيلها من حيز الفكرة لحيز التطبيق في الآتي :
١ / السلطة الروحية؛ وهي أعلى مستوى من الطلب والغاية والحركة بينهما من أعلى مستوى لأدنى مستوى ولها وسائلها المعروفة ويمكن القول بأنَّها تنفيذ أمر الله برضا أو بسخط بجهل أو بعلم وتكون من طريق البنود أعلاه؛ راجع البند الأول لمزيد من التفاصيل .
٢ / السلطة التشريعية؛ وهي تقنين وتطوير العرف المجتمعي والمقدرة على الموائمة بين العادات والتقاليد والأعراف وحركة النشاط الحياتي في كافة المجالات في شكل قوانين وشروط ولوائح منظمة لعلاقة الفرد بالفرد والفرد بالجماعة والجماعة بالفرد والجماعة بالجماعة وهكذا دون إخلال .
٣ / السلطة التنفيذية؛ وهي تحويل التشريع النظري إلى حيز التطبيق العملي بعد إقراره من الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والقرارات الصارمة موضع التنفيذ لفرض هيبة الدولة وسيادتها وسلطة القانون والدستور بعد مرحلة العرف والعادة والتقليد .
٤ / السلطة القضائية؛ وهي الجهة المخوَّل لها إرساء دعائم العدالة والقانون وتحقيق الحقوق والحريات الأساسية والواجبات والالتزامات القانونية والدستورية اللازمة بين القطيع الآدمي وفض الخصومات والنزاعات والصراعات والتقاضي ورد المظالم عن الغير وإرجاع الحقوق إلى أهلها ومنع التغول والتسلط بأي شكل من أشكال القهر والكبت والظلم والتهميش والدكتاتورية واستغلال النفوذ في غير محله.
٥ / السلطة الجماهيرية؛ وهي الأداة الأقوى والفاعلة والمؤثرة لحركة المجتمع في توجيه الدولة ومؤسساتها نحو الحق والخير والفضيلة والعدالة وإرساء دعائم القانون حال زاغت الدولة عن الدستور فعلى الشعب تحريك نفسه لإثبات وجود هيبة الدولة وسلطة القانون وانفاذ الدستور وإعادة النظام الدستوري للدولة لوضعه الطبيعي والطليعي حيث كان .
٦ / السلطة المحلية؛ وهي أدوات توجيه الدولة ومؤسساتها وكياناتها نحو فصل السلطات عن بعضها وتنفيذ القانون وأعلى مستوى لها هو الإعلام بكل مستوياته ومسميَّاته المقروء والمسموع والمرئي؛ لأنَّه المحرك الفعلي الأساس لحركة المجتمع وتوجيهه التوجه الصحيح من طريق القانون المنظم نفسه.
٧ / السلطة الفردية؛ وهي حرية سلطة الفرد على نفسه وطبيعة هذه السلطة مع الدولة وتتلخص في الحقوق والواجبات والالتزامات والحريات القانونية والدستورية اللازمة وحرية التعبير والحركة والتنقل والتملك والعمل والإقامة وإعطاء كل ذي حق حقه له أو عليه بما لا يتعارض مع الدستور أو القوانين المنظمة لهذه الحريات العامّة وإلاَّ فستصادر بالقانون بطبيعة الحال.
٨ / السلطة الجماعية؛ وهي الكيانات السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية والحزبية وما أشبه والمتمثِّلة في الإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والطرق الصوفية وإدارات الحكم المحلي لمنطقة ما دون الأخرى زمانياً ومكانياً وينظم حركتها ونشاطاتها مراعاة لخصوصياتها الاثنية والقبلية والدينية والعرقية وخلافه ، والقانون المحلي حسب طبيعة الإنسان في تلك المنطقة دون التغول على دستور الدولة أو هتكه أو استغلاله أو العبث به .
٩ / السلطة الأمنية؛ وهي المنوط بها حفظ الأمن القومي والاستقرار السياسي والخدمي والاجتماعي داخل وخارج الدولة في صورها المعروفة من قوات مسلحة وشرطة وأمن داخلي وخارجي وأنظمة أمنية أخرى متعددة ومتنوعة ذات مهام وتكاليف معينة غرضها حماية – الإنسان – المواطن في أي مكان وزمان.
١٠ / السلطة الدولية؛ وهي المتعلقة بالقانون الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وعلاقة الدولة المعنية بحقوق الإنسان وكرامته وفض النزاعات وإرساء الحق والعدالة الاجتماعية والإقتصادية والثقافية والفنية والخدمية بطريق منظمات المجتمع المدني والجهات الخيرية والإنسانية العاملة في مجال حقوق الإنسان وبث السلام والتعايش السلمي العالمي بين القطيع البشري في كل مكان وزمان بموجب ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والدول المصادقة على اتفاقاتها .
رابعاً؛ أُسس ومعايير نظام الحكم في البلاد :
وتتلخص بعد استنباط واستحداث التجربات السابقة على النحو التالي :
١ / القيم والأخلاق الإنسانية الرفيعة والمثل العليا والأعراف الكريمة والتقاليد الحسنة والعادات والموروثات المجتمعية الموجبة وحسن المعاملة بين الأفراد والجماعات وما ينضوي تحت هذا المعنى .
٢ / القواسم المشتركة بين القطيع الآدمي في التبادل المنفعي والمصالح القيِّمة مع مراعاة الفوارق الفكرية والنفسية والخبرات والمعلومات وما إلى ذلك بين جماعة وأخرى .
٣ / المصالح والمنافع المشتركة بين الناس وتتمثل في التنمية المستدامة والبنى التحتية والخدمات وما إلى ذلك وأهمها الطاقة والمياه والغذاء؛ بكل المستويات والمسميات والاصطلاحات .
٤ / التبادل المنفعي في كل المجالات الحياتية وتتمثل في الحقوق والحريات الأساسية والواجبات والالتزامات القانونية والدستورية اللازمة للقطاعين الخاص والعام .
٥ / المنظومة التعليمية؛ وهي التي تحدد هُويَّة الدولة وتوجهها مستقبلاً من منبعها الحضاري بوضع المؤشرات الثلاث : البيئة والمنهج والمعلم؛ موضع الأهمية بمكان من التخطيط الاستراتيجي والتعاون المشترك لقيام الدولة الحديثة ( السودان الجديد ) .
٦ / المنظومة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والرياضية وما أشبه ؛ وتتلخص في دور البنوك لدعم الاقتصاد الوطني والشخصي والتأمينات العينية والضمانات الإجتماعية وتبادل الثقافات المختلفة بوسائلها المعروفة وما إلى ذلك .
٧ / المنظومة الأمنية؛ وتتلخص في الدفاع عن النفس والعرض والمال والأرض وما بينهم من تفاصيل وتقاطعات .
٨ / نقل التراكم الكمي والخبرات والتجارب وتبادل المعلومات ذات الصلة وتفعيلها نحو النماء والتطور وحسن المعايشة والمعاشرة .
٩ / ثورة الاتصالات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات؛ بالاستفادة منها قدر الإمكان وتوجيهها إيجابياً نحو بناء الدولة الحديثة .
١٠ / المشاريع التنموية والاستثمارية والبنى التحتية والخدمية والتبادل التجاري العالمي من أجل تحقيق أهداف ومصالح الدولة العليا ورفاهية الشعب .
خامساً ، نظريات أُسس بناء الدولة ، وتتلخص في الآتي :
1 / نظرية المعرفة الشمولية لمؤسسات الدولة الحديثة ومنهاجها في التخطيط الاستراتيجي السليم في كل المناحي الحياتية وهي أهم النظريات الفكرية البشرية لقيام الدولة والمجتمع أفقياً ورأسياً .
2 / نظرية العلمانية أو العالمانية ، وهي الأكثر سمعة في الوسط المعرفي العالمي ، ولن تتخطَّى تطبيق المفاهيم السابقة في الحقوق والواجبات والالتزامات بحال من الأحوال ذلك لأنَّ البشر لم يأتوا إلى الوجود عبثاً أو من تلقاء أنفسهم بل جاء بهم ربهم وخالقهم الإله الواحد وعليهم الامتثال له طواعية أو كراهية لوضع الدستور المنوط بهم موضع التنفيذ ، والإشكال الاصطلاحي بينها وبين مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية قائم على النظرية المعرفية الشمولية لطبيعة الأشياء والأحياء ويجب التفريق بين الاصطلاحات فكرياً لا عقدياً لا إحالته للدين بالمفهوم الموروث .
3 / نظرية تطبيق الشريعة الإسلامية ، وهي الأكثر ذيوعاً وشيوعاً وتمسكاً بالموروث الفقهي المتعارف عليه وعلى الجميع أن يعرفوا أنَّ الشريعة الإسلامية هي مشروع البناء الإنساني لدولة الإنسان ويتفق حولها الغالبية العظمى من سكَّان الأرض وتختلف حولها الأقلية لما تعيشه البشرية اليوم في سياق الدولة المدنية من تطبيق لها بصورة من الصور ، أو بمعنى آخر هي ذاتها نظرية العلمانية أو العالمانية لكن باصطلاح فلسفي آخر وكليهما لا يخرجان من ذات النهج والتطبيق والاختلاف بينهم اختلاف مقدار لا نوع ، راجع مصدرنا أعلاه لمزيد من الشرح كما يمكن مراجعة البنود السابقة لبسط الفهم .
4 / نظرية الحدود والقِصاص ، وتتجه نحو إرساء القانون المدني لكل البشرية فيما ينظِّم طبيعة العلاقات مع بعضها بصورة حضارية حديثة ويجب الفصل بين نظرية تطبيق الشريعة الإسلامية وبين نظرية الحدود والقصاص وبين نظرية الدين وبين نظرية العلمانية ، فكلهم طرق مختلفة لمقصد واحد ( راجع البند أولاً آنفاً ) هو تحقيق مقاصد الدستور الإلهي لأهل الأرض وسبق أن وضَّحنا ماهيَّة الشريعة الإسلامية ولنا أن نعرف أنَّ الحدود – التفاصيل في المصدر السابق – متعلقة بالحياة الأسرية وبالتحديد عند وقوع الطلاق وهي اثنا عشر بنداً لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية مطلقاً إلَّا من حيث التكيف العام لا المنهج والقانون ، أمَّا القِصاص فهو يقع في مفهوم العدالة المجتمعية في حق الحياة أو سلبها والتمتع بالحرية وحقوق وكرامة وقيمة الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن لونه وجنسه وقبيلته ولسانه وجهته ويكون في قتل النفس التي حرَّم الله إلَّا بالحق ، والحق ينقسم لقسمين : القتال والجهاد في سبيل الله ، ثم قتل النفس دون وجه حق أو سبب خارج بند القتال والجهاد في سبيل الله ومعالجتها بالقانون كما هو معروف .
5 / نظرية الواسطة الحاكمية ، وهي عملية العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين رجالات الدين أيَّاً كانوا ومنسوبوهم وكهنتهم وقساوستهم ومشايخهم وبمدارسهم الدينية المختلفة والمتنوعة والمتعددة بمعنى التمتع بالسلطة الحقيقية وتطبيقها وتنزيلها لأرض الواقع من عدمها عبر آلية تنفيذ القانون والمتمثلة إلَّا في مجمع الفقه الإسلامي والمعاهد والجامعات والمدارس ذات الصلة والافتاء بكل المسميات والمستويات ومجلس الكنيسة المسيحي أو الكنيست اليهودي أو كل ذي صلة دينية بُغْية السلطة الروحية المطلقة ، فهؤلاء هم قاصمة الظهر للشعوب وهم من الخطورة بمكان لأخذهم توهماً على أنفسهم القرب من الله دون سائر الخلق فهم يحملون صكوك الغفران والكفران لمن وافقهم أو خالفهم أو من هم على شاكلتهم من الوعَّاظ والمرشدين والحاخامات والأحبار والمتفيهقين أو نحوهم ، ومعالجتها بفصلهم عن نظرية بناء دولة المؤسسات للبناء الوطني المعافى إلَّا في الجانب الايجابي فقط بوضع قانون خاص بتلك الفئات يمنع التدخل في شؤون الدولة وسياساتها الداخلية والخارجية .
6 / نظرية المناهج والعلوم والتدريب والتأهيل ، وتقوم على إعادة معادلة قراءة التاريخ والواقع المعاش خصوصاً بعد ثورة 2019 وحرب السودان 2023 وعكسها إيجابياً لمحاولة إعادة خلق وتهيأة العقل السوداني للواقع الجديد والعالم الموازي له في إعداد خطط متقدمة لكل مناهج الدولة السيادية والتعليم تحديداً وتعريف ماهيَّة السودان الجديد من قبل مختصين وخبراء مرموقين في كل المجالات ومعالجة كافة القضايا التي تسببت وتتسبب في إشعال الحروب الأهلية والقبلية والفكرية ومعالجة الجهل والفقر والمرض والتهميش والمتاجرة بالبشر ومحاربة القضايا الحقيقية من نزوح ولجوء وتشرُّد بالعلم والثقافة والمعرفة والمؤاخاة والإنسانية لا بالتسويف والتقتيل لأتفه الأسباب .
7 / نظرية المعايير والمقاييس والمفاهيم ، وهي أعادة النظر في وضع القوانين المستلفة من دول الجوار وبالذات مصر والهند والاتجاه إلى خلق قانون ناشئ من العرف المجتمعي المحلي يتقيد بالموروثات الأنثروبولوجية مع الأخذ في الاعتبار عامل التطور والحذف والإلغاء والإضافة ، كذلك وضع معايير حديثة لماهيَّة التخطيط والقياس التربوي والكفاءة والمهنية والأمانة لا الولاء والمحاصصة والحزبية والمنفعة الذاتية لوضع أسس قائمة على التنوع بديموغرافية السودان الحالي والاستفادة منه لا إبعاده ولعب دور محوري في المنطقة الأفريقية تحديداً واقليمياً ودولياً وإعادة هيكلة الدولة بحقوق المواطنة لا الجهوية والمناطقية وما أقرب ، وتنزيل دستورية الدولة حيز التنفيذ لا على القبلية والجهوية والعنصرية وخطابات الكراهية المناطقية وما إلى ذلك .
8 / نظرية الجداول الزمنية والمواقيت ، وهي ضبط وربط أي مشروع لأحد أو جزء أو كل من برامج مؤسسات الدولة بعامل الزمن وتقييده التقييد الملزم لنجاح أي خطة أو برنامج وطني وتفعيلة وتطبيقه عملياً مع الأخذ في الاعتبار العوامل المحيطة بكل مؤسسة داخلياً وخارجياً من أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو أكاديمية أو خلافه ، ويلاحظ فشل كل الخطط الموضوعة في برنامج الدولة القيادي لقصر النظر وضعف البصر والبصيرة والتفاجؤ بمستجدات لم تخطر لهم على بال وهنا يكمن دور المتخصصين من كل الفئات لمعالجة القضايا العالقة والمتوقعة برؤى متقدمة يراعى فيها عامل التكنولوجيا الحديثة وتبادل المعلومات والاستفادة من التطور الرقمي الحديث في كل المستويات والمسميات .
9 / نظرية استراتيجية الحرب والسلام ، وهي عملية عكسية بمفهوم أو بمعنى السعي لمنع أو الحد من عملية التوسع الأفقي أو الرأسي أو الاثنين معاً للقتال والحروب في ربوع السودان المختلف بوضع استراتيجية السلام الشامل – راجع كتابنا تحت الطبع ” نظام الحكم في السودان ” لمزيد من التوضيح – وعلى رأسها العلم والمعرفة وحقوق الإنسان – المواطنة – بالتنمية المستدامة والبنى التحتية وإقامة وتنفيذ المشاريع البنيوية ذات الصلة للمركز والولايات بنسب متساوية وعادلة مع مراعات الأولويات والخصوصيات التي تحددها الجهات المختصة ومراجعة جميع اتفاقات السلام السابقة تحت المجهر العقلي لا التعصب الجهوي أو القبلي أو الاثني أو المناطقي أو خلافه برؤى حداثوية تصحب معها تجارب الدول ذات التشابه ومحاربة جذور الأزمات علمياً وعملياً لا بموجب التراضي الشخصي أو الحركي أو الجماعي على حساب الآخرين وإلَّا فالنتائج كارثية مكررة ومعادة خصماً على حياة المواطن وزمنه وتعميره للنفس والأرض وهي قيام جماعات أخرى بذات المفاهيم تحمل السلاح الآلي ولا تحمل الفكر والمنهاج الحضاري البديل ومحاربة التطرف والغلو والتشدد باسم الدين أو القبيلة أو العنصر أو الجهة أو اللسان أو اللون أو ما أشبه .
10 / نظرية الاقتصاد والمال ، وهي من الأهمية بمكان لا يستهان فهي الأداة الفعلية الرئيس المحركة لعصب الحياة ويجب توجيهها التوجيه السليم في بناء الدولة الحديثة بحيث تصب في قوالبها ومساراتها المؤسسية الموضوعة لها بتفعيل الشراكات المجتمعية بالانتاج وزيادة الانتاجية لكل مستويات الأعمال والمال بلا استثناء وأخص بالذكر المورد الطبيعي الذي يعتمد عليه أهل السودان بنسبة أكثر من خمس وسبعين بالمائة وهي الزراعة بكل مشتقاتها المعروفة والجديدة ثم الصناعة والاستثمار والحرف والمهن والتعدين والطاقة ومصادر الطاقة البديلة والموارد البشرية والطبيعية والمياه ومنظومة العمل الاقتصادي الحر للقطاعين العام والخاص لتقوية الاقتصاد المحلي وتفعيل اتفاقات دول الساحل والصحراء والكوميسا وكل الاتفاقات الدولية والمحلية والاقليمية والدولية والجمارك والضرائب والجبايات الحكومية وكل ذي صلة .
والله ولي التوفيق






