مأذنة ومسجد قمرية

نموذج مختلف من المآذن البغدادية

بقلم الدكتورة :ايمان التميمي /العراق

اهتم البغداديون بإنشاء المساجد اهتماما كبيرا لأنها مركز للعبادة والصلاة ،

وملتقً لمختلف الاقوام والشعوب التي انصهرت مع المسلمين والدخول الى الاسلام ، وكانت حركة بناء المساجد والجوامع نتيجة حتمية لذلك التنوع والانصهار فيما بين تلك الفئات المختلفة من المجتمع ،وكان لازدياد عدد السكان وتوسع مناطق سكناهم ،فضلا عن قلة المواصلات ، من الاسباب المباشرة في بناء عدد كبير ومتقارب من المساجد والجوامع، في المنطقة الواحدة ومن هذه المساجد هو مسجد قمرية ،الذي يقع في مدينة بغداد وفي الجزء الغربي من جانب الكرخ المطل على نهر دجلة، وفي منطقة سوق الجديد، مقابل رباط البسطامي ،وهو مقابل سراي الحكومة آنذاك ، وتبلغ مساحته 2000 مترا مربعا ، ويعتبر نموذجا حيا لطراز المساجد الإسلامية التي بنيت أواخر العصر العباسي .

يتخلل الجامع حرم يتسع لأربعمائة مصلي ، وفيه اقدم منارة  ومئذنة بنيت من الجص والآجر ، وهي منارة قصيرة قليلة الزخارف زين الطرف العلوي لها بالمقرنص بشكل مقلوب ، وتستند قاعدتها الى حوض يسند المأذنة في بنائها ، ويعلو بناء الجامع ستة قباب رفيعة السمك ،ويطل بنوافذه من جهة القبلة على حديقة اوقاف المسجد ، ولابد من الاشارة الى ما ذكره محمود شكري الالوسي عن المسجد بأن قبلته هي اصح قبلة بسبب موقعه الجغرافي .

ولعل ظاهرة قصر هذه المنارة بالنسبة لقطر البرج تعود إلى كونها أكثر تخصصاً في أداء مهمة المنارة، وان شعور المعمار بهذه الحقيقة دعاه إلى ان يجعل منها قاعدة للأذان وليس نصباً فنياً ومعمارياً، أي انه لم يهتم للشكل الفني قدر اهتمامه بانها مأذنة تؤدي واجبها الديني ، وتبدو النقوش المحيطة بالسطح الدائري بأشكالها المعينية البسيطة، كما لو كانت قد وضعت لتبرز من خلال الظلال المتباينة في النمط الآجري، ويلاحظ المتأمل أن سعة قطر المنارة ساعدت على إقامة الحوض على مساند آجرية بسيطة تتضاءل بجانبها أهمية المقرنص المألوف في شكل المنائر البغدادية المتأخرة ،والتي من خصائصها الاختلاف الواضح في نسب كتلتها الاسطوانية عما هو مألوف من رشاقة المنائر البغدادية ذات الاتجاه العمودي الشامخ .

وتشير الدراسات إلى أن النزوع إلى هذه القباب المخروطية لم يكن دافعه دينياً محضاً، إنما كان دافعه التجاوب مع عوامل الطبيعة والبيئة السائدة في بلاد وادي الرافدين. فندرة الخشب والمعدن، لعبت دورا اساسيا في استنباط هذا  الاسلوب الجديد في البناء كي يواجه النقص الحاصل في مواد البناء، وان هذا النوع من العمارة انتشر في العراق، خلال المدة الواقعة بين النصف الثاني من القرنين الخامس والسابع الهجريين .

اما تسمية الجامع باسم جامع قمرية ففيه عدة اقوال منها :ان قمرية هو اسم لامرأة من اسرة الخليفة الناصر لدين الله العباسي جد المستنصر بالله، او احدى جواريه والتي سمي المسجد على اسمها.

وقول آخر يذكر: انه سمي على اسم الارض او المنطقة التي بنيت عليها ،في حين يقول آخر : ان الاسم منسوب الى العالم منصور الحسن بن نوح القمري وهو احد علماء القرن الخامس الهجري والذي عاصر الطبيب ابن سينا ،كذلك هناك اختلاف فيمن بنى هذا الجامع ،فبعض المؤرخين ينسبوه الى الخليفة المستنصر بالله ،او الخليفة الناصر سنة ( 626هـ / 1228م ) في حين يرجح بعضهم انه بني بين سنتي ( 626هـ – 628م ) فمر في عهد الناصر والظاهر الذي لم يحكم الا عاما واحدا ومن ثم المستنصر الذي بنيت منارة الجامع الرئيسية في عهده.    

تعرض المسجد الى نكبات ومحن توالت عليه واشتركت عوامل الطبيعة لأكثر من مرة في تخريبه ، ومن هذه العوامل الفيضان الذي حدث  لنهر دجلة في بغداد سنة 1225م والذي تضرر المسجد بسببه  اضرارا كبيرة ، كما تعرض المسجد لهجمات المغول الذين هاجموا بغداد سنة 1258م ،ومكث الخراب في المسجد اثنا عشر عاما الى ان تم تعميره سنة 1269م ،  ثم تم تجديد بناؤه وعمارته عدة مرات ومن ذلك عمارة والي بغداد دلي حسين باشا سنة 1054ه‍، و عمارة السيدة عائشة عام( 1177هـ/1763م)، وهي بنت أحمد باشا والي بغداد العثماني،  والتي كتبت تاريخ هذا التعمير على لوح رخامي من الواح المسجد ، كما تشير الكتابات الموجودة على جدران المسجد على ذلك التعمير،و توجد ابيات شعرية من تأليف الشيخ عبد الرحمن السويدي ، والتي تدل على انه تم  بناء اماكن الوضوء من قبل السيدة عائشة ابنة الوالي هذه الابيات هي :

 وعائشة الخير عمرت

مكان الوضوء فضاهى قصورا                               

واجرت فيه من نمير المياه

زلالا يروي العطشان دهور

بمحتجر ايمانهم ارخوا

سقاهم ربهم شرابا طهورا

 بيد انه بمرور الزمن أختل البناء وتعرض للسقوط وتضعضعت منهُ القواعد والأركان لولا ان تداركهُ سعيد باشا والي بغداد الذي جاء بعد احمد باشا، فأعاد إعمارهُ وبنائهُ بأحسن مما كان عليهِ  ، وكتب تاريخ ذلك على محراب المصلى بأبيات شعرية :

جوامع ذكر الله فيها بالخير أسست

ولا زال بنيانها يبوء بنعمة         

فيها مسجد من بعدما عرصاته

تعفت على طول المدى فاقشعرت

وصارت حضيضاً يحجل الطير فوقها

وأركانه اقوت وبالذكر هدت

بناها وزير العدل ثم اجادها

برصف لهُ الأهرام دانت فذلت

وزير بأعباء الخلافة قائم

تراه سليمان الوزير الخليفة

حباه سعيد أسعد الله نصره

وأسعدنا فيهِ بأحسن سيرة

أقام أساطير الصلواة بجامع

وشيد أركان الهدا واشعلت

إلى أن أتم الصنع قلت مؤرخاً

سعيدا مقيما جامع القمرية

———————————————————–  

المراجع :

 1-الدروبي ، ابراهيم عبد الغني ،البغداديون اخبارهم ومجالسهم ،مسجد قمرية خاتون  ، 1958 م.

 2- العزاوي، عباس ، تاريخ العراق بين احتلالين ،مسجد قمرية ،ج5،ص32.

3-ديوان الوقف السني ،دليل الجوامع والمساجد الاثرية والتراثية ،جامع قمرية،ص83. 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا