(التِّبْنة) أيقونة الرِّيِّ المطَريِّ والمراعِي الطبيعيَّة!
شاذلي جعفر شقَّاق

الوهْدة الساحرة :
  لو أنَّك نظرتَ إليها من عَلِ وأنت على قمة سدِّ (البريقاء)، أو على سنامِ تلَّة (أم قرادة)، أو على مِفْرَق القلعة (الغرَّاء)؛ لرأيتَ – يا هداك الله – وهْدةً خضراءَ فيحاءَ خصيبةً ترفُلُ في حُلَّة الخير والجمال، كاسيةً سُندس الخريف الناضر ثوباً من سنابل الذرة (الحِميسي) الأصفر، و(عَبْ جارو) الأبيض، مُطرَّزاً بالبطيخ البلدي والشيريا، مُنمنم بأوراق القرع التي تهتزُّ كآذان الفِيَلة، وسوق (العدسي) و(أب سبعين) و(البامية) و(التسالي) وغيرها من المحصولات التي بقيت داخل رحم هذه الأرض البتول يومين او ثلاثة، قبل أن تنفلق عن ذواتها، وتشقُّ تربتها، قم تنمو وتربو، يستغلظ ويستوي سوقها ليغيظَ القخط والمحل والجفاف!
   تُطالعها على مَدِّ البصر خضرةً توَّاقةً للوِحامِ وطرح الثمار، شكلُها دائريٌْ نسبياً كأنها ملعب لكرة القدم، وما المدرّجات الجانبية سوى هذه القِلاع والتلال التي تُخاصر الوهْدة الخضراء بمحبةِ خريدةٍ مكنونةٍ في خِدْر أمها الحصين!
     وفي عينة (الجبهة) غالباً أو (الخيرصان) تجدد السماء وعدها مع (البريقاء) و(الغراء) وكل ذوات القمم الشاهقة؛ انهماراً مدراراً وشرباً غيداقاً، حيث تندلق المياه صوب (التبنة) تدعمها كثير من الروافد الأخرى مثل (إيد اللسدة) و(إيد عُرضي) وغيرها، ولكن الساقي الفحل العملاق هو وادي (كِتير) ذلك الجامح الذي يختلي بهذه الوهدة في حضنها الوثير!يستمر خرير سيل هذا الوادي  وروافده اسبوعاً كاملاً دونما انقطاع حتى تمتلئ الوهدة عن آخرها لتبقى المياه داخل الدائرة اسبوعاً كاملاً أيضاً، إذن نصف شهر كاملٍ ولا شئ سوى الماء! بعد ذلك تنحدر المياه صوب النهر بالحماس ذاته، والحمية نفسها، ثم يرقُْ الوادي العملاق قليلاً ليصبح اسمه (وادي بشارة) فاصلاً طبيعياً بين قريتيْ الحقنة جنوباً و وادي بشارة شمالاً التي اتخذت اسمها من اسمه.
   إن أنت عقبت هذا الكرنفال الساحر بين السماء والأرض إلى تلك البقعة، فاعلم إنك  في أرض التبنة الخصيبة،ذلك المشروع الخلوي المطري الذي لا يكلفك سوى نثر البذور، ثم لا تعود إلا موسم الحصاد..عندئذٍ يحقُّ لك – يا رفيقي – أن تُدخل إصبعيك في أذنيك وترتجل معي الدوبيت :
(التِّبنة) شِرْبت و(الطِويِّل) سالْ
ودلُّوكة الرَّعد شالْ بَرْقها الشَّلْشالْ
الخلَّاني انِمْ  وأنا خَشْمي فيهو خُلالْ
كِدّيبْ الطَّلِحْ في ساقها والخلْخالْ!

الرحلة إلى التبنة :
على بعد خمسة عشر كيلومتراً تقريباً؛ تقع التبنة مثل النقطة على الحرف غرب منطقة (الحُقنة) السياحية المُتَّكِئة على الضفة الغربية للشلال السادس (السبلوقة)، أقصى جنوب ولاية نهر النيل متاخمةً لأقصى شمال ولاية الخرطوم – الريف الشمالي لأمدرمان.
  إن شئت ستجد في سوق الحقنة كل مستلزمات الزراعة؛ النيليَْة منها والمطرية؛ التقاوي، البذور، المحاريث، رأس المال، الأيدي العاملة، الوقود، تأمين المعاش.. إلخ.
  كانت مطيَّتُنا التراكتور الانجليزي الأحمر ماركة ماسي موديل ٧٨م..توكلنا على الله، رفيقاي؛ متوكل ويونس، نجلس على رفارف الإطارين الكبيرين، بينما يتقرفص جوال البذور وأدوات أخرى على زيل التراكتور المعروف (بالمُحْرات)، وبين أرجلنا (جركانة) عبوة أربعة جالون من مياه النيل العذبة، وقد لُفَّت بقطعة من الخيش لغرض التبريد، ومخلاة أخرى تحوي بعض السكر والشاي والبن وبعض زاد.
  التبنة من الحقنة مسيرة ساعة ونصف الساعة على صهوة التراكتور الذي يسير بقوة وثقة ولكن ببطء شديد، ينهم الرمال كأنه يسير على الأسفلت كما يمكنه أن بجتاز أي عقبة أو حفرة مهما بلغت وعورتها. الخلاء الضارب في الخضرة قليل الحركة إلا أن آثار الدروب (الديداب) واضحة جليَّة مثل نُدوب سوط العنج على ظهر شاب يدمن عادة (البُطان) في الحفلات!أو مثل (الشلوخ التي ترقد بوضوح على عرض الخدود!
  قطعان البقر والإبل و الضأن والماعز ترجِّل الحشائش الكثيفة احياناً والمتفرقة حيناً، الفحول منها تتقدم الصفوف،، فحل الإبل العملاق يرفع رقبته المعوجة الطويلة إلى السماء، يصدر صوتاً للتحدي و الفحولة، يخرج انبوباً أحمرَ من فمه ممتلئاً بالهواء والزَّبَد برهةً ثم يبتلعه مرة أخرى ليباعد بين بين رجليه الخلفيتين راشحاً بوله بذنبه ليمسح به ما أمكن من مؤخرته السوداء. فحل الأبقار يضرب برجليه الخلفيتين يحفر بهما أديم الأرض وهو يتراجع متحفزاً لقتالٍ مفترض أو إخصابٍ يرتجيه.
  تبادل الحديث مع رفيقيَّ – ونحن نتأرجح كقرَب على ظهر حمار (ديراوي) – يصبح صعباً جداً، كما لا يمكن أن تفرِّط في قبضة يديك خشية السقوط، إنما يمكنك أن تبقي الأسئلة في بطنك لتجترَّها هناك بعد الوصول كشاةٍ تعالج قصعتها! من حين لآخر يبين (دَمَر) او بيت شَعَر، أو نُزُل مؤقت لأحد مُلاّك أو رعاة الأغنام، آثار الدواب دوماً تدلُّك على مصادر المياه، ثمة حفير بالجوار أو غدير أو بئر معطَّلة! لعل أقدم مصدر مياه غير الأمطار هو دونكي الشيخ صالح ود حسونة الواقع في الشمال الغربي من التبنة حيث يعود إلى ما قبل الحكم الانجليزي وقد كانت تجر بكارة دلائه الجِمال.
الأشجار لبست ثوب الخريف الأخضر الجديد، الرمال بيضاء وناعمة، لا غرو فإن السيول هي مكنسة السماء للأرض! أسراب الطيور مختلف أشكالها، تحلِّق بنشوة وحبور، تقتات الحبوب والدود، وفي الوقت ذاته يتحفز الصقر الأربد للانقضاض على سرب القماري الذي ينقد بشبع وتُخمة البذور المتطايرة خارج التربة، القمرية من جنس (الدباسة أم طوق) ستصبح في لمح البصر فريسةً بين مخالب الصقر، المحلِّق عالياً! الفئران المُضرة تحفر البذور المتشربة بالتربة على وشك النمو، تقتات وتدَّخر في جحورها العميقة، و الثعابين لها بالمرصاد، تزحف ببطء وتتحيَّن الفرص، في الصباح الباكر وعند الأصائل حيث تبتلّ تربة التبنة بالندى والرطوبة تتقافز الأرانب في دعة من العيش وأصحاب السيارات ذوات الدفع الرباعي ينتظرونها على أحر من جمر الشواء! كرنفال حياتي برِّي يجسد منطومة الطبيعة وحكمة الخالق ودورة الحياة وتوازن البيئة!

السلَّة المُهمَلة والضمير الوطني :
  لو وجدتْ أرض السودان الودود الولود التي وهبها الله تعالى لعباده الكادحين وما التبنة سوى نموذجٍ حيٍّ منها،لو وجدتْ ضميراً وطنياً و بصيرةً نافذة، وإرادةً صادقة ومسؤولاً عملياً؛ لأصبحت مورداً اقتصادياً ضخماً يعود على البلاد والعباد بالخير الوفير والرزق الحلال الكثير، لكفته عندئذٍ ذُلَّ السؤال ومغبة الابتزاز والاستغلال!
  أقول هذا  والتبنة (مسيدٌ) اجتماعيٌّ عامرٌ، قبل أن يكون (نفيراً) زراعياً تضرب له أكباد الإبل، تعاون وتداخل وتواصل تهفو إليه قلوب خلق كثير من  ريفي شمال أمدرمان، من قرى الجميعاب، (الريداب) مروراً بقرى الشايقية كلها إلى ولاية نهر النيل بدءاً من جنوبها وحتى منطقة ود حامد. تتجاور (حُجٍَّار) هذه القبائل بأرض التبنة؛ شايقية، جعليين، جميعاب، حسانية، هواوير، قريشاب وغيرهم. كلُْ أولئك يملكون اراضٍ توارثوها جداً عن جد.
  لا أعتقد أن أبانا( النيل) الدفَّاق تُعييه الحيلة أو تُعجزه مسافة خمسة عشر كيلوا متراً من سُقيا التبنة! فقط تنقصنا طلمبة الضمير الوطني والجِديَّة،  وموتور العزيمة والإخلاص! حسناً، إذا تجاوزنا طلب السقيا من نيل الحياة، الذي يعدو شمالاً وهو يغمز جارته الصحراء بعينه اليسرى، ألا يمكننا أن نحقن هذه المياه على طريقة أقدم (رِي) عرفه الإنسان البدوي،وهو الري المطري أو السيلي؟! ألا يمكننا أن نحبس السيول بإقامة السدود والأحواض الكبيرة لتخزين المياه التي تحج سنوياً إلى النيل، وهي تجرف في طريقها بعض القرى وشوارع الأسفلت و المعابر و(المزلقانات) وتهلك الزرع وتنحر الجروف! ألا يمكن هندسياً أن ندخر هذه المياه لضمان سقيا التبنة صيفاً؟!
  مهما يكن من أمر فإن هذه الوهدة الفيحاء أو قل السلة المهملة ستؤمن الغذاء للإنسان والحيوان، وبالتالي يكتمل المثلث الاقتصادي؛ موارد بشرية و ثروة حيوانيةو نباتية، تُرى كم من الأيدي العاملة العاطلة عن العمل ستجد مبتغاها هنا، تفيد وتستفيد، بدلاً من أن تظل هكذا معلقة على سؤال :(السنة دي التبنة ما شربت!)، لكن (عاماً أول ما شربت)! وبالتالي تكون عرضةً لأعين الطامعين الانتهازيين، سماسرة الحق العام، أرباب العمولات التحت درجية!
   مهما يكن من أمر فإننا غرسنا  البذور في صُرَّة التبنة (حجر الشقاقيق) هذا العام  رغم الحرب الدميمة وإفرازاتها ومضاعفاتها كما غرسنا الأمل والتوكل واليقين. أمنياتنا أن تصبح يوماً ما إن عاجلاً أو آجلاً روضةً من رياض الخير والجمال في بلدٍ سليمٍ وصحيحٍ ومعافى من سقم الحروب،يُفلح أرضه ويحلب ضرعه، و (يقْدل) مزهوَّاً حاشداً موارده الذاتية.
  الآن نترك خلفنا نصف الشمس على قيد الحياة أصيلاً غارقاً في الخضرة، نُيمِّمُ وجوهنا شطرَ النيل الرحيم، التراكتور الماسي الانجليزي موديل ٧٨م يغذ حثيثاً كأنه بقرةٌ حلوبٌ تؤوب إلى مربط عجلها الرضيع، يمكنك الآن – يا رفيقي – أن تدخل اصبعيك في أذنيك لتغرس معنا هذه الرباعية بين النهار والليل، بين الحُلم والواقع المرتَجى :
باكِر تنْفرِجْ واللِّبْرة تبقى مَسلَّة
ساعة الجَرْ يهوش يركِز محل القُلَّة
و القِدر الكبير يركب مكان الحَلَّة
مطمورة حلال بت الضراع ما دِلَْة!

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا