الجمعة, مايو 22, 2026
الرئيسية بلوق الصفحة 34

شيئ من حتى : تفسير الأحلام في الجنيه الذي عام

0

رأيتُ في مايرى النائم ياسادة ياكرام وليس في دنيا الأحلام من ملام،رأيت جنيهنا السوداني متشحاً بالبياض مهندماً رغم القماش البالي يثرثر ومن حوله لفيفٌ من الغواني والحسان ومتينيّ البنيان من عملات هذا الزمان وهم في رحلة نيلية مابين المنشية وأم درمان .الغريب في الأمر أنّ هذا الجمع الكريم كان بدعوة من أخوالأخوان وعشاي الضيفان جنيه السودان الذي لم تمنعه الفاقه ولا الفياقه من الصرف بالدين على الدولار أب صلعه واليورو الذي أبكى الخلوق” بالدمعه ” ثم “أبّان عقالات” مروراً باليّن الياباني وانتهاءً بالبرالأثيوبي .كانت الدعوة جهاراً نهاراً على ظهر يخت وهيط  يجري على صفحة النيل السعيد .مبهورةً كانت العملات المذكر منها والمؤنث بروعة المنظر وخصوبة الأرض وسلسبيل المياه ،حتى أنّ الليرة اللبنانية صاحت من فرط الدهشة وهي تخاطب جنيهنا السوداني في دلال:

ياربي شومهضومي بلادكم، بركي بنعمل أحلى دييل . أنتو بس عليكم الأرض والمي والعمّال وهيدي الأشياء الصغيري وأنا بدير إلكم المشروع .قاطعها الجنيه السوداني وكانت الكؤوس قد بدأت تفعل فعلها:

والقرّاشْ “النكتوت” من وين؟ قالها وكأنّ أصابعه تعد نقوداً.

أشارت الليرة ناحية ثلة من الشباب يتوسطهم عربيّان وقالت : حبايبي كلهم مستعدين مش هيك .أراد “هومي” و”ريري” التلكؤ لكن غمزةً من طرف عينها أنهتِ الموضوع.

هنا صاح الدولار، وكان أصلعاً يبدوعليه أنه في الخمسينيات رغم

تجاوزه المئة بقليل ، تزينه مظاهر الدعه وتكاد تحمله الأكف من التوقير :

في صحتكم،واصطدمت الكؤوس في نخب جنيه السودان.

فجأة طلب الأصلع من الجنيه مطلباً غريباً وهو أن “يعوم ” قاطعاً المسافة بين الضفتين جيئة وذهاباً إذ أنهم يريدون الإطمئنان على صحته وهو على مشارف الستين قبل أن يدفعوا إليه بالملايين. أطرق الجنيه هنيهة تذكر فيها أيام صباه حين كان هذا الأخرق كالخاتم في إصبعه أما البقية الباقية فمعظمهم لم يكن قد ولد بعد.

أجاب الجنيه: أنا موافق ولكن ما الذي يضمن ألاّ تكون مزحة ثقيلة الظل فكلام السُكر تمحوه مخائل الصحو، ثمّ ما الذي سينتاب قومي إن أصابني مكروه ؟

انبرى الشابان العربيان للأمر وذكّراه بأنّه قد فعلها أخٌ له من قبل.

 ليقفز جنيه السودان في عرض النيل ، بجلبابه مثل مصطفى سعيد في خاتمة ” موسم الهجرة للشمال” وسط تمنيات البعض له بالإقامة في بطون السمك ودعوات الكثيرين بطول السلامة.

هذا ومازال في القلب شيئٌ من حتى…

بئس العشيرة والضجيعة والوليد

0
العشيرة السودان

لم تعرف الأمم والقوميات داءً عضالاً وآفة تستأصل شأفتها وسوسةً تنخر في أساسها مثل العنصرية ،كيف لا وهي ترمي إلى خلخلة نسيجها الإجتماعي وإزكاء نعراتها وإيكاء نار الفتنة النائمة الملعون من أيقظها، هذا والحال مساقٌ عن شعوبٍ متجانسة وأممٍ راسخة في الذوبان والتماهي الإثني فكيف إن كان الراهن مضعضعاً والنسيج يتسع فتقه كل يوم عن الراتق.

ضجّت الأسافير لأسبوعٍ مضى بالعديد من مقاطع الفيديو التي يدعو أصحابها بدعوى الجاهلية النتنه محاولين صبّ الزيت على النار .هالني مارأيتُ وسمعتُ من كلمات وألفاظ حملت ماحملت من كره وبغض وضغائن ملؤها ال الجائر والعمه الفاضح والعته اللا محدود.

كيف تسنى لمثل هذه الأفاعي أن تنفث سمومها هكذا في جسد أمتنا المسجىّ فوق طاولة الثورة ، تلك التي جاء بها شبابٌ آمن بحتمية الإنتفاض وفوقية الوطن. هل لإنسان السودان البسيط المغلوب على أمره في كل صقع يدٌ في مافعله النظام البائد من جرائم في دارفور وما الذي كان في الإمكان فعله و(محمد أحمد السودان)نفسه يقضي نحبه شهيداً في كجبار أو السليت أو بورتسودان. هل كانت  كل عضوية حزب النظام البائد من الشمال فقط حتى نلقي

باللائمة عليه ونحمله وزر ماجرى بينما يشهد الماضي والحاضر غير ذلك.مالكم كيف تحكمون!

إن وطناً مثل السودان تتعدد فيه الأعراق والثقافات واللهجات والأديان والمعتقدات حريّ بأهله أن يتساموا فوق الصغائر وأن تتكاتف جهودهم وتتسابق هممهم نحو المجد. وليعلم الجميع أنّ بمقدور آفة كالعنصرية أن تجعل من هذا الوطن الشاسع الأراضي والمكتنز بالخيرات أضيق من سَمِّ الخياط ولاتَ حين مَندَم.

ختاماً أذكر بعض أبيات نظمتها في شأن العنصرية وخوفي المتعاظم علي الوطن منها أقول فيها:

  • العنصريةُ إنّه
  • بئس العشيرةِ والضجيعةِ والوليد..
  • إني أُعيذُكَ موطني من شرِّها
  • بالحمد بالصّآفاتِ
  • بالحرف المُقطّعِ في المجيد…
  • أسبِل إلهَ الكونِ سابغَ نِعمةٍ،

وأفِض على السودان أمناً من جديد..

هذا ومازال في القلب شيءٌ من حتى..

عوالم من الإمتاع والمؤانسة

2

أبحرنا فيها عبر المفردة السودانية القحه لكن بخفة ورشاقة وسمو عبارة حتى في الايحاءات الجنسية.الكاتب في رأيي وهبه الله ملكة التصوير اليراعي ان صح التعبير الذي تجلى كابدع مايكون في وصف جلسات الانس النسائية والودع ونراه لا يغفل حتى أدق تفاصيل المداعبات او التحرشات بينهن.

إلا أنني أظن أن الابداع تجلى اكثر في عبارة القرقاب ودالصلب والتكرار غير المخل في البدء والختام فتبينت فيها او كذلك خيل لي أنه الستر والفضيحه قطعه  صغيره تفصل بين عالمين .كم وددت لو أن فوزية لم تمت هكذا بسرعه تاركة أنفاسي ملاحقة وعقلي في انبهار

(القرقاب ود الصلب) هذه العبارة لا اظنني انساها بسهولة وهكذا تصبح هي الخيط الذي يربطني بهذا العمل الانساني الجميل والسهل الممتنع.

شيئٌ من حتى – أكتب لي روشته

0
اكتب لي روشتة

الهمّان العام والخاص في رواية ( ورشة داليانس )

0

eyJ0ZGNfaGVhZGVyX2Rlc2t0b3AiOiJbdGRjX3pvbmUgdHlwZT1cInRkY19oZWFkZXJfZGVza3RvcFwiXVt2Y19yb3ddW3ZjX2NvbHVtbl1bXC92Y19jb2x1bW5dW1wvdmNfcm93XVtcL3RkY196b25lXSIsInRkY19oZWFkZXJfZGVza3RvcF9zdGlja3kiOiJbdGRjX3pvbmUgdHlwZT1cInRkY19oZWFkZXJfZGVza3RvcF9zdGlja3lcIl1bdmNfcm93XVt2Y19jb2x1bW5dW1wvdmNfY29sdW1uXVtcL3ZjX3Jvd11bXC90ZGNfem9uZV0iLCJ0ZGNfaGVhZGVyX21vYmlsZSI6Ilt0ZGNfem9uZSB0eXBlPVwidGRjX2hlYWRlcl9tb2JpbGVcIl1bdmNfcm93XVt2Y19jb2x1bW5dW1wvdmNfY29sdW1uXVtcL3ZjX3Jvd11bXC90ZGNfem9uZV0iLCJ0ZGNfaGVhZGVyX21vYmlsZV9zdGlja3kiOiJbdGRjX3pvbmUgdHlwZT1cInRkY19oZWFkZXJfbW9iaWxlX3N0aWNreVwiXVt2Y19yb3ddW3ZjX2NvbHVtbl1bXC92Y19jb2x1bW5dW1wvdmNfcm93XVtcL3RkY196b25lXSIsInRkY19pc19oZWFkZXJfc3RpY2t5IjpmYWxzZSwidGRjX2lzX21vYmlsZV9oZWFkZXJfc3RpY2t5IjpmYWxzZX0=

دائرة الأبالسة

0
دائرة الابالسة

رواية دائرة الأبالسة السهم الذي يضرب في غير مقتل ولكنه يقتل .

للوهلة الأولى من قراء هذه الرواية  قد يتساءل القارئ عن السبب الذي جعلها تفوز بجائزة عالمية مثل جائزة الطيب صالح ؟!؛ وبطبيعة الحال سيتساءل عن أحوال الروايات التي لم  تحظى بالفوز وتلك التي لم تنل شرف دخول السحب ؛ ولكن ما أن يعيد قرآتها مرة أخرى حتى تتبين معه بعض محاسنها هذا  على غير العادة في قراءة الروايات التي كلما دققت النظر فيها  تكشفت العيوب  وتجلت مواطن الضعف ومواضع الخلل أكثر وأكثر ؛ وهذه أهم ميزة تميز هذه الرواية في رأيي .

واذا ما حاولنا قراءة أهداف هذه الرواية نجدها تعالج قضايا سامية مثل قضايا فساد الدوائر والمؤسسات الحكومية  ونهب وتبديد الأموال العامة وهذا لن يتبين الا بعد الصفحة الثلاثون بعد المائة من عملية السرد ؛ لكن ..يتم في قالب حكائي عادي ؛ وبعد أن يكون القارئ قد كون فكرته العامة عن الرواية؛ لذا ستظل هنالك ملاحظات قد لا يجرؤ على ذكرها للأسباب المعروفة ومنها أن هذه الرواية عرضت على لجان تحكيم مختصة في النقد الأدبي ؛ وبطبيعة الحال هذا سيحجم من النقد القائم على التذوق اللغوي والذوق الأدبي و الرؤى  الشخصية …الخ

التفنن في استخدام آليات وتقنيات  الكتابة السردية يضفي رونق خاصا على الحكي  وهدا ماحدث في الرواية بدأت الحبكة بنهاية الاحداث  وهده الآلية تقرأ كثيرا في الروايات الجيدة وكلما تصادف القارئ تسعده وتشعره بالرضاء

 الفكرة والعاطفة  والخيال في الرواية:

خلت الرواية تقرببا من الخطاب العاطفي ومن صدق المحبة ..الاتلك الشذرات التي جاءات جافة الى حد كبير   موظفوا المؤسسة الذين لا تجمعهم أفراح ولا أتراح ولا علاقات بالمجتمع  ولا بالدولة. الصداقة الزائفة التي جمعت يونس وفكة والبطل عصام علاقة مرحوم مع زوجته حتى حبيبته لم يخلص لها علاقة …الاب الذي يترك ابنه المريض وزجته ويذهب ليلتقي بأخرى ؛ردة فعل عاصم تجاه البنت التي قضى معها اوقتا ممتعة  .. أزمة حقيقية في العاطفية والإنسانية تكتنف  عالم الرواية .

حشد المشاعر  مع أو ضد شيء مهم جد ا ولا يجوز تجاهله في الأعمال الروائية ؛ فالتوازن الذي حاول الكاتب خلقة لدى شخصياته  أو جاء هكذا دون قصد أضر بأهم عنصر من عناصر الأدب وهو العاطفة  مما أثر تأثيرا سالبا على عنصر التشويق .

الخيال في الرواية :

واضح ان قدرات الكاتب على التخيل عالية جدا ولكنه حاول كبح جماحه فهو يريد التركيز على قضيته الأساسية وهي تسليط الضوء على الانحطاط وانعدام الضمير والفساد داخل المؤسسات الحكومية  ؛ فوصفه للفيلا وغرفة النوم أشعرنا وكأننا نتجول في أركنها ونتحسس فرشها الحريرية  وبساطها

ومناضدها الزجاجية و ووصفه لشوارع  لندن والمتاجر وغيرها لم يذكر تفاصيل فخطر لي ان هذا من نبع خياله .

العوامل النفسية للبطل وبعض الشخصيات :

 حاولت الرواية تسيط الضوء على إشكاليات الدجل والشعوذة والاحتيال وتأثيرها على نفسيات الناس وتأثر جميع طبقات المجتمع بهذه الخرافات.

من الأسباب التي دعت الكاتب لكتابة هذه الرواية  الفساد الأخلاقي  وتحول الأمراض النفسية والاجتماعية الى سولك اعتيادي م داخل المؤسسة  شخصية عاصم اول ما ظهرت لنا بدت  قلقة ومضطربة  عرفنا فيما بعد الأسباب لكن تظل هنالك عوامل نفسية خفية  جعلته يمني نفسه بإزاحة المدير من منصبه أول ما دخل  الى  المكتب

تمنيت لو أن الكاتب خلق شخصية  تفكر بصورة غير نمطية …خاصة في مجال التوظيف والعمل المؤسسي  أو التجمعات؛  الشيء الطبيعي والذي يحصل دائما  رعب الموظفين الأقدمين من القادمين الجدد ؛ ورعب المدراء من الشخصيات اللماحة  والمؤهلة ؛ وفي الرواية حتى وان كان عاصم  مؤهلا فإن عبقرتيه لاتصل الحد الذي وصفه به الكاتب  والدليل  أول ما فكر فيه هو إزاحة المدير من مكانة  والاستحواذ على كرسي الإدارة  مما يدل على طغيان الأنانية عنده عدم القدرة على ابتكار وابتداع الأفكار الجديدة والنيرة .

الانتقام  والثأر للكرامة التي انتهكت صراع بين طبقات المجتمع  لا يهدأ بسبب تكديس الأموال والاستئثار بالمناصب  لدى أشخاص بعينهم لعقود من الزمان .

الأزمات النفسية  لا تحصى ولا تعد في الرواية  ولكن خلت الرواية تمام من الحديث عن النفس ومن أطبائها ومن كل ما يتعلق بها بشكبل مباشر .

الناحية الثقافية والاجتماعية في الرواية :

  الاجتماعية:

طرق الكاتب على العديد من القضايا السياسية في قالب اجتماعي فتناول قضايا الفقر المرض ؛ اللجوء  ؛ تعدد الأعراق والسحنات ؛ وتنوع المزاج  ناقش ظواهر النفاق في التدين او التدين الظهري كما ورد في الغابة السرية من أجل لقمة العيش  وأمور مثل ندرة العلاج في المناطق الطرفية  وتكبد المشاق للحصول عليه  ومن المفارقات التي بلحظها القارئ جودة التعليم   في مجتمع الرواية  ويتمثل  في عاصم الذي يشكو من الظروف وينكر على المسؤولين ما يفعلونه معهم في شأن التوظيف الا انه متعلم تعليم جيد جدا  فهو رغم ظرفه المعيشية  يتحدث ثلاث لغات عالمية . وغسال العربات يونس الذي يستطيع اختراق البريد الإلكتروني وتصليح الحواسيب  وأيضا زوجة  مرحوم وقدراتها على اختيار الأماكن السياحية حول العالم ( وهذا الامر ليست سهلا) فأخبرنا الكاتب بصورة غير مباشرة عن عبقرية هذا الوسط  القادر على مجابهة التحديات وخلق بيئات موازية لها لضمان استمراريته  ؛ وسط يكثر الاستغناء عن الأشياء والاستعاضة عنها بأخرى بشكل مؤقت  . وفي هذا الإطار  نشير الى ان الكاتب كان يذكر لنا بعض شخصياته دون ان يسلط الضوء على شئ من تفاصيله.

أخبرنا  الراوي في قصة غسال العربات انه مهووس بالأغاني الغربية  و هوليوود ولم يدعم ما قاله بأبيات أوذكر فنان مفضل لديه أو ممثل عالمي أو شاعر أو أديب  فكان لا بد من تقديم دليل معرفي يقنع القارئ بان هذا حدث فعلا  وأيضان كان لابد من أسباب لجعل الغسال يجيد اصلاح الحواسيب فقط ليضفي شئيا من المنطق .

الذي يلفت الانتباه ويجعل الكاتب جديرا بتقدير واحترام القارئ هو خلو الرواية من العنصرية  وبغض الأعراق  أيان كان لونها وشكلها مع تسليطه الضوء  على قضايا الفئات التي كانت ضحية للاحتراب الذاتي  تعامل الكاتب بمنطق سليم حيث لم يعفي المجتمع من مسؤوليته الأخلاقية مع إشارته الى ان الحكومة هي التي تعرى الفساد .

 و والشئ الآخر هو تناوله لقضايا المرأة وناقش المشكلات التي تُخلق لها  وهضم حقوها في مواضع عدة في الرواية منها قضية شقيقة يونس و..

 حاول الكاتب معالجة سطحية بعض أفراد الطبقة الغنية في المجتمع بتسليطه الضوء على أقصى ما تفكر فيه أريج  وما يستهويها   رغم كل القصور التي تملها والأموال الطائلة والسفر ليس لديها أي مهارات تذكر ولا اهتمامات خارج طار التسوق والماركات حتى التسوق والماركات لم تهتم بأشياء عصرية ولافتة  ليس أدنى  فكرة لتوسيع أملاكها ؛ او الاستثمار فيها؛ ليست لديها اهتمام بفئات المجتمع الأخرى الأيتام الفقراء المشردين ؛ شخصية استهلاكية  وسطحية و كان يفترض ان تكون ذكية ونشيطة ؛ليس لديه اهتمام لا بعلم ولا بمعرفة ولا بفكر وهذا للأسف موجود على أرض الواقع وهو السبب الأساسي فيما يحدث من مشكلات اجتماعية وفساد إداري وخلق أزمات …الخ

الثقافية :

و طبعا  العقيدة السائدة في عوالم  الأبالسة  هي الدين الإسلامي  لا يوجد أثر مسيحي  ولا إلحادي أو يهودي ولا يجد أحد متشكك في هذه العقيدة  وبالعموم لا توجد تصادمات ثقافية  الكل منسجم مع بعض ومتناغم لا يوجد أحد ينكر على الآخر مزاجه  القافي  او نشاطاته المرتبطة بثقافات أخرى ويتمثل ذلك في غسال العربات المهووس بالغاني الغربية وهوليوود  وزميلة عاصم  بطلة الدوري   وأريج  المتعلقة بالماركات   واللبس الأفرنجي  كما اسلفنا تناغم وانسجام مع الثقافات الأخرى لدرجة التماهي وكل الصراعات تدور هي حول صناعة الجاه  وتحسين الوضع الاقتصادي والتنافس على رفأ العيش وعندما نقارن هدا بالزمن الذي كتبت فيه الرواية نجد أن الكاتب   قد برع في توصيف اللازمة السودانية  الحقيقة  للسودان التي حولت (بغباء سياسي غير مسبوق في العالم ) الى أزمة أعراق غير قادرة على التعايش ؛لا يستطيع أحد أن ينكر  ان في المجتمع طبقات اقتصادية  ولا ان ينكر الظلم والاستبداد وتكميم الافواه والتضيق على المفكرين وغير هذه الأشياء التي ان  تجاوزتها الحكومات تولى أمرها  المجتمع هذه حقائق مؤسفة وماثلة امام الجميع ولكن هذا لا يعنى ان نعود للوراء ونجعل الصوت الأعلى هو صوت العصبية الجاهلية .

خلت الرواية من عرض أي ثقافة سودانية أو أساطير وخرافات أو عادات ومعتقدات  سواء أغاني أو شعر أو غيرها …

خلت الرواية من الحلم  في النوم ومن الموت تقريبا ؛ ولم يكن هنالك زواجا ولا مولدا جديدا .

هالة زميلة عاصم وكمال غريب وشخصيات أخرى لا حصر لها كان وجودها زيادة رقم في مجتمع المؤسسة وحياة أريج وعاصم  ولم يزيدوا لها شيئا وزهورز

اللغة والأسلوب :
صحيح أن هنالك أسس ومعايير معتمدة في تقيم الأعمال الأدبية الا أني أعتقد أن لكل قارئ معايير خاصة به ان وجدها في الرواية فهي جيدة وممتازة عنده واذا إختل أي شرط فربما يؤدي ذلك الة نقصان قيمة الرواية لديه الحقيقة التي لا يكترث لها البعض ان القارئ العربي العاي تنصب جل اهتمامه  على اللغة فكلما كانت اللغة شاعرية وتخاطب وجدانه فالقصة او الرواية  ممتازة عنده  مهما اختلت  تقنيات وآليات الكتابة او كانت ناقصة العناصر والأدوات ؛ ومن هذا المنطلق نلاحظ ان :

لغة السرد مابين الأدبية والتقريرية  تخاطب العقل الجمعي  للمجتمع أكثر من غيره لذا جاءت مفرداتها تتناسب وهذا الغرض  مع احتوائها على بعض الأساليب الفنية .

في صفحة 91 ( يحس برونق الافتتان  والبهاء الروحي) الأسلوب قد يكون صحيح ولكن عندما تربطه بالمعنى قد  تقل قيمته الجمالية وكلمتي رونق وبهاء كلمات شاعرية تصب في مصب واحد  والراوي يريد أن يخبرنا عن شعور المروي عنه بشدة الوله ( عبر عنه  بالإفتتان) والحب العذري (عبرة  عنه بالبهاء الروحي ) الذي يشعر بهما عندما يراها.

خلت الرواية من اللهجة العامية ال في بعض المواضع وخلطها اضر كثيرا بتركيبة الجمل فيما أرى فمثلا في صفحة 54( لم تستطيع اصلاح طرحتها)  لم تتناغم مع بقية الكلام . وكلمة شفقة  إستخدمها بدلالاتها السودتنية

وأيضا نلاحظ استخدام الكاتب للكلمة نفسها  ومشتقاتها بكثافة

فهنالك كلمات  كادت ان تشكل الطابع العام للحكي مثل كلمة بريئة ؛ وقبع ؛ ثم أن كلمة تقبع أو قبع يقبع تشعر بالحركة فاستخدامها مع الجمادات في التشبيه يجعل القارئ يشعر بالاهتزاز لبعد وجه الشبه.

وبعض التشبيهات مثلا في ذات الصفحة قال عواطفه الزاهية تشعر أن الحارة او الدفاقة او المشتعلة .

وفي صفحة 128 (حالة من البكاء الممض) كلمة فصيحة وجميلة ولكنها جاءات غريبة ووحيدة بين كلمات حديثة وسهلة  لم يكن لها ما يسندها فكلمة الهستيري او كانت تبكي بحرقة ؛ وفي صفحة 153 قال (كان شغوفا بمعرفة  الطريقة التي وصلته بها المعلومة التي يبرر يونس بها الحكاية ) الشغف التعلق بالشيء لدرجة الولع  مع الاستمرارية لوقت محدد اما هنا يريد ان يعرف معلومة فمجرد ان يعرفها  سينتهي فضوله ؛ فيتشوق أو يتلهف او حتى يتطلع أعتقد أفضل .

واستخدام حروف الجر  وحروف الشرط عند تأتي مع لو المعروفة بأنها حرف امتناع لامتناع في صفح79 فضلت لو ان قال حتى  وان لم يمنحها انتباها بدلا من (حتى لو لم يمنحها )

وفي صفحة 56قال  وهو يصف الحب من اول نظرة هزمها وجلس بقلبها بدون رحمة  ؛ الحقيقة الحب الأول يمر مثل النسمة على المحب  وينزل بردا وسلاما على قلبه .

لم يتركه المدير يهنأ  بما كان منشغلا فيه في صفحة 76 كلمة إنشعال توحي بأن لنا بن الشخص مهموم   والهناء سعادة والهموم غم اذن ينتفي تواجد  الغم مع السعادة في ذات اللحظة  لو أنه قال : لم يتركه يهنأ بما يفكر أسلم .

الأسئلة التي تثيرها الرواية :

من أهم الأسئلة التي تثيرها الرواية في نفس القارئ هل فعلا مؤسسات الدولة التي يديرها أشخاص يدعون النبل والإخلاص بهذا الفساد والانحطاط الأخلاقي ؟

وهل مايثار على أرض الواقع من ان بنات الفقراء اذا ما تقدمن لعمل يتم ابتزازهن حقيقة لذا حاول الكاتب أن يؤرخ له أو يعاجله بطريقته؟ وهل هذا الشيء يبرر للأسر المتعففة حرمان بناتها من العمل و الخروج من المنزل حماية للشرف والكرامة ؟ طبعا خلت الرواية من القوانين تعين المرأة على رد اعتبارها فهل نقلت الرواية المرير كما هو ؟

هل فعلا يوجد على ارض الواقع شخصيات مثل أريج يوفر لها والدها عددا من القصور والفلل والمزارع والعربات وغيرها من الكنوز داخل وخارج  من الأموال العامة ؟وهل  كل البنات مثل أريج لا يحافظن على شرفهن بل يبعنه على الملأ هكذا دون قيود ودون ندم أم ان الكاتب يبالغ في هذه الحالة وهي فقط فضاء خياله ؟.

الأبالسة يعني بهم يعني بهم المسؤولون الكبار في المؤسسة التي لم يسمها ولم يعرف القارئ طبيعة عملها ولكن واضح انها مؤسسة صغيرة أو بالاصح  ليست من المؤسسات التي تؤثر تأثير مباشر في سيادة و أمن وغذاء وتعليم وعلاج الدولة واذا كان مسؤولي المؤسسة التي برزت على السطح في الدائرة ابالسة فكيف بحال التي لم تبرز لنا؟

هنالك أسئلة ظريفة تخطر على ذهن القارئ  مثل عندما قرر الكاتب كتابة هذه الرواية ماذا كان يريد بذلك ؟

هل يريد ان يخلده التاريخ  السردي بعد عمر طوييل ان شاء الله

أم انه كان يؤرخ لحقبة زمنية بعينها  من خلال خلق عالم موازي لواقعه الذي يعيشه؟

وهل اقتبس بعض صفات وتصرفات وملامح البطل عاصم من شخصيته او من شخصية يعرفها في الواقع أم انه من نبع خياله ؟

لماذا كان الكاتب لطيفا في نقد النظام الحاكم لماذا لم يدينه ويحمله تبعات هذا الفساد كما يرى الكثير من الكتاب؛ وماهي الأسباب التي جعلته يقسم المسؤولية بين وجهاء المجتمع والنظام الحاكم؛ وهل يريد ان يقول نفس هؤلاء الأشخاص هم النظام الحاكم وقتها؟

وهل الكاتب لديه علاقة مباشرة بهموم الناس ومشاكلهم أم أنه من الأدباء الذين يعتلون المنابر بالحديث في يشغل الناس و ويعكر صفو حياتهم وما ان يمتلكها يصبح شخص آخر لا يهمه ما يتعلق بالصغار والناس العاديون كما هي عادة (بعض)طلاب المجد في صناعة الشعر  ؟ هي أسئلة بسيطة تتناسب ومعطيات الرواية  وعلى بساطتها  أعتقد أنها مهمة .

 وأخيرا نختم بقول الأديب توفيق الحكيم 🙁 ان الأديب الحق هو الذي  يجعلك تدرك عمقا كلما قرأت كتابه) وهذا ينطبق على أديبنا الأستاذ محمد خير حامد ونتمنى له مزيد من الابداع والتميز.

طلابنا وسياسة “اخنق فطس”

0

الطلابُ هم ثروات البلاد ومشاعل النور وركائز التنمية، عليهم يقوم الحاضر ولهم يُصنع المستقبل، ومامن أمة أرادت المجد إلاّ وكان لهم القِدح المعلّى والنصيب الأوفر من إهتماماتها ؛ والأدلة على ذلك لا تُحصى ولا تُعد ، يكفينا منها ما فعلته كل الدول التى نهضت من بين الركام الذي خلّفته الحروب العالمية مثل ألمانيا واليابان مروراً بما يُسمى بالنمور الآسيوية (ماليزيا و إندونيسيا) وغيرها من البلدان التي نراها تتبوأ كل يوم مُرتقى وتصعد ذروةً وماذلك إلا بالإهتمام المتعاظم بأجيال الغد شباباً وأطفالاً
أقول والحديثُ وليد لحظته :إنّ الجميع قد تفاجأ بالعدد الكبير للطلاب الذين أحرزوا درجات عالية في امتحانات الشهادة الثانوية لهذا العام الاّ أنّ أبواب الجامعات الحكومية قد أُوصدتْ دونهم بمزاليج القبول الخاص المليارية بينا لازالت أصداء هتاف الشوارع  ملء السمع  تردد: “حرية سلام وعدالة “.
هؤلاء الشباب هم من دفع فاتورة الثورة على” دائر المليم”- وهم الذين تربوا على يد النظام البائد – حتى إذا نادى منادي الثورة أجابوا زُرافاتٍ ووحدانا ، وقدّموا الشهيد تلو الشهيد مهراً لهذه الثورة بلا مَنٍّ ولا أذى ،حاديهِم في ذلك وطنيةٌ أصيلة ومعدن كريم
حتى إذا ظنوا أنّ الميسم قد استقام قاموا إلى دفاترهم وواصلوا الليل بالنهار في ظروفٍ أقل ما يقال عنها أنها استثنائية يُمنون أنفسهم برسم البسمة على شفاهٍ ما انفرجت إلاّ على دعاءٍ لهم بالنجاح والتوفيق.
حسناً فعلت وزارة التربية باجتراحها “علوق الشَدّة” في شكل فورمات يملؤها الطالب دمعاً وأملاً ورجاء ، غير أنه حُقّ لنا أن نتساءل هل ثمةَ حوجةٍ ماسّةٍ يتسلق على إثرها أبناء الأغنياء على أكتاف الغلابة ليكملوا الهتاف من داخل أسوار الجامعة “ورأسمالية دواء للشعب”.
رُبّ قائلٍ: ماهي إلاّ تركةٌ ورثناها في ما ورثنا من حَشَفٍ وسُوء كيل.
أقول : إذاً فلتُخبرني يا رعاكَ اللهُ ماهي الثورة من وجهة نظرك؟
الثورة ياسادة انتفاضةٌ على كلِّ مُقعِدٍ من السياسات والأفكار ،الثورة وعيٌّ وعمل والثورة فوق كل هذا وذاك عدالة ناجزةٌ وحقوق وواجبات.
هذا وإلا كانت إحلالُ زيدٍ مكان عمرو بينما كلاهما نفس الملامح والشبه والمشية ذاتها وقدلتها.
أيُّها المسؤول الفرح ببدلته عسكريةً كانت أو مدنية. إنتبه واخشَ الله واعلم أنكَ لن تُعجز الله في الأرض ولن تُعجزهُ هربا.
وحتى يُوافقُ ورديُّ الحالِ” وردي” المقال :
وطن بالفيه نتساوى
نحلم نقرا نتداوى
مساكن كهربا وموية
تحتنا الظلمه تتهاوى
مكان السجنِ مستشفى
ومكان المنفى كُليّة..
يظلُّ السؤال قائماً ، هل سقطتْ أم لمّا تسقط بعدُ؟
هذا ومازال في القلب شيءٌ من حتى

مدد

0

قصة قصيرة (د/محمدالبيدرعثمان)

مدد ياسيدنا المرسي ..مدد…

نظرة يا أهل الله

هكذا كان يردد وهو يدلف إلي صحن المسجد المسمى باسم مسجد سيدي المرسي أبو العباس مشاطئا للبحر الأبيض المتوسط عند بوابة الاسكندرية.

مربوع القامة، أسمر اللون يبدو من شكله وهيأته أنه من صعيد مصر. كان في عقده الرابع من العمر، ضخم الجثة، شثن الكفين ينبيك جلبابه المهترئ مثلما تفعل تقاسيمه الصارمة عن جلَدٍ وشظف عيش، أما عيناه السوداوان الغائرتان بما لا يتناسب ورأسه الضخم الأصلع فقد كانتا كبئرين بلا قرار.

ما إن وقع نظره على الشيخ الذي كان يجلس مغمض العينين، متربعاً يردد أذكاراً وأوراداً تتثاقل خلالها حبيبات مسبحته الطويلة حيناً وتتسارع أحياناً حتى ارفضّ جسده وارتعد، ثم صاح بأعلى صوته: يامشيرة، يارئيسة، ياسيدة  زينب …مدد.

دار دورتين حول نفسه قطع خلالهما المسافة الفاصلة بينه وبين الشيخ الذي لم يفعل شيئاً سوى أن رفع بصره نحو الصعيدي ثم عاد الى تسبيحه.

وقف الصعيديُّ أمام الشيخ وعيونه تذرف الدمع سخينا. كان يُهمهمُ بكلماتٍ غيرعربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة. كان لاهوته غائباً عن ناسوته، يظهر ذلك في الحركة المنزعجة لبؤبؤ عينيه، أمّا الشيخ فقد كان كمن يتلقى رسالة من عالم آخر مع كل كلمة ينطقها الصعيدي. حسناً تبدو الصورة مثل تقنية متقدمة يختلط فيها التخاطر والجذب مع المكاشفة والترجمة.

– مرحباً بولدنا المغازي والحمد لله على المشاهدة في عالم الملكوت. هكذا ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته الصحل الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب.­­

حينها فتح عبدالفتاح المغازي عينيه وخليط من المشاعر يلوّن أساريره بينما كانت يد الشيخ السمراء تربت على كتفه في حنان. سرعان ماهدأ نشيجه فاستغفرالله مراراً وحمده بكل مافتح الله به عليه من محامد.

عشرون عاما ياسيدي وأنا أنتظرك. كنت أراك في يقظتي ومنامي حتى تحولتُ الى كتلة من الترقب والإنتظار.عشرون عاماً كثيرةٌ ياشيخي الفيَاض، كثيرة.

منذ أن صدرالحكم في محكمة أهل الله بأن يلازم الأعتاب وعبدالفتاح المغازي يحيا مجنوناً بين العامّة، مجذوباً في نظر الخواص.

هجرأهله في قريته ساقلته حجر أبو ليلى من نواحي سوهاج، وهو الحسيب النسيب المقدّم بينهم وصار يعمل بالأجرة أو بالفاعل كما يسمونه في الإسكندرية؛ إذ أنه لم يكمل تعليمه النظامي فتفرغ باكراً للإشراف على أرض والده وفلاحتها. لم يترك باب رزق حلال إلا طرقه، ولم يكن يداوم على مهنة أكثر من بضع شهور إلا أنه لم تفته صلاة قط في مسجد المرسي أبو العباس .

 حين استقلّ القطار منفّذاً للمقدور كان ابنه الوحيد خضر في عامه الثالث، كان قد ختنه للتو ولمّا يبرأ جرحه بعد. يممّ قاصداً الغيب وفي أذنيه لاتزال كلمات الحضرة:

الحكم أن لا ترسو سفينتك إلا عند أبي العباس المُرسي، وحين اكتمال الوقت بالثواني يأتيك الفرج على يد الشيخ الفيّاض السودانيّ.

قطعت عليه هذا التداعي كلمات الشيخ:

 كل شيئ عنده بمقدار.

ندّت منه صرخة، جَهِد في كتمانها فتعالي صوته مردداً: هُوَ..هُو، حيٌّ قيوم لا يُشارك في الحكم ولا يُراجع في الأمر.

بعدها حدّق المغازي طويلاً في عينيّ الشيخ، وهو يسأله: باين ان المدة خلصت وبقينا إفراج.

اكتفى الشيخ بهز رأسه علامة للإيجاب.

سأل المغازي: ماهي الأمارة ياشيخي؟

فأجاب الشيخ الفياض: ياقوت العرش.

أردف المغازي: فماذا عن الأمانة ؟

عندها أخرج الشيخ الفيّاض خاتماً من الفضة كان يلبسه ومدّه إليه، لكنه أطبق يده في اللحظة الأخيرة وقال: 《إنّ اللهَ اشترى من المُؤمنينَ أنفُسَهُم وأموالَهُم بِأنّ لهُمُ الجَنّةَ》.

تلا المغازي قوله تعالى: 《فَرِحِينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه》.

حينها أرخي الشيخ قبضته على الخاتم ليتناوله عبدالفتاح المغازي ويزين به خنصره الأيمن.

فجأة شهق المغازي وتمتم: 《مَثَلُ الجنّةِ التي وُعِدَ المُتَّقُون》.

رفع  سبابته مشيراً للأعلى، ثمّ أتبعها ببصره قبل أن يُسلم الروح والشيخ الفيّاض يردد:《يأيّتُها النفسُ المُطمئنةُ ارجِعِي إلى ربكِ راضيةً مَرضِيّة، فادخُلِي في عِبادي وادخُلي جنّتِي》

 أحسّ الشيخ بحركة خلفه، فالتفت ناحية مصدر الصوت. كان هنالك أربعون رجلاً مُلثّماً، إمّا أنّ الأرض قد انشقت عنهم أو أنهم هبطوا من السماء. كأنما نسجت ثيابهم من نور.كانوا آخذين بأعِنّةِ فُرُسٍ لا يرى إلا نصفها الأعلى. مادتها غريبة ليست بدخان ولا نار وليست بريحٍ يُثار. لم يكونوا بإخوان من نسب، سوى أنهم كانوا على قلب رجل واحد. تقدم أحدهم  وضمّ اليه المغازي بشدة قبل أن يمضي بنعشه الآخرون.

حين أدار الأخير وجهه قبالة الشيخ كان قد استحال إلى صورة مشابهة للمغازي قبل عشرين عاما؛ آخذاً عصاته وخاتمه ومتمتماً: مدد ياسيدنا المرسي..مدد

نظرة يا أهل الله.

قراءة في رواية الغابة السرية للكاتبة السودانية ليلى صلاح بقلم / تغريد البشير

0

في البدء سعيدة جدا بان تكون  الغابة السرية هي  الرواية الثالثة المكتوبة بقلم نسوي سوداني (بأقلام نساء سودانيات)التي احظى  بقراءتها ؛ وكانت الرواية الثانية هي رواية الأستاذة ناهد قرناص  التي  تستفظع  فيها استعلاء بعض فئات المجتمع على فئات أخرى ؛ وتدين فسادهم الأخلاقي  واستغلالهم للسلطة والجاه لمصالحهم الشخصية  ؛ أما  الرواية الأولى فهي حصار الأمكنة للأستاذة بثينة خضر مكي وفيها  تعالج بعض القضايا الاجتماعية وتدين استبداد السلطات وتقييدها  لحريات المثقفين وقهرها واضطهادها  لهم .

فن الرواية:

لا يخفى  على الكثير ان أهلونا او بعضاً منهم   كانوا يعيبون على الشباب  قراءة الفن الروائي  رغم عشقهم  للأجناس  الأدبية الأخرى كالقص الديني المتخيل من اجل الوعظ ؛( قصة المكيدة المدبرة للأمام الشافعين ) وغيرها من  الرسائل الأدبية ؛ و كحبهم النثر ؛وتقديسهم  للشعر؛  كل هذا لم يشفع لفن الرواية الحديث  ان  يرسخ في مجتمعاتنا في ذلك الوقت واذكر ان اخوتنا الكبار كان يخبؤون روايات احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وروايات عبير وزهور وغيرها تحت مراتب نومهم  مما جعلهم يستهلكون الادب ويتناولونه كأداة  للمتعة وتفريغ الوقت فقط  وقليل منهم من يقارن بين العالم المتخيل بالواقع أو يتعامل مع الفن الروائي كوسيلة لغاية اجتماعية او انه فن خطاب النفس البشرية مجردا  من الأكاذيب والألاعيب والضغوطات .

والحقيقة أن فن الرواية أصبح ضرورة  للمجتمع لا تقل  أهمية عن ضرورة محو الأمية الرقمية  وتمليك وسائل الاعلام للعامة من الناس وأهمية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ( من فيسبوك وتويتروانستقرام وغيرهم ؛ وفي بعض الدول أصبح الفن الروائي يؤثر تأثير مباشر في التغيير ؛ يعتبر أداة فعالة في التغيير وغرس المفاهيم والقيم  المنوط بها ترقية المجتمع.

وفي تراثنا وحاضرنا تبلغ الحكاية والرواية والأقوال مبلغا كبيرا في أنفسنا؛ فبحكايات الادباء نزين مجالسنا ونزيل قساوة قلوبنا ونخاطب أنفسنا وجمود أعيننا  وبروايات العلماء نعمل عقولنا  وبأقوال الحكماء نتستر ونتدثر بالحياء ؛ فكنت دائما اتعجب من فرض الحصار على قراءة الرواية  وتقليل أهمية دور الرواي في حيواتنا وقصره على النخب او نخبا بعينها .

فالرواية   سواء التاريخية أو الأدبية  كانت وستظل أهم عنصر في توثيق التجارب البشرية ؛ وأهم معمل لتنقيح وسبك العادات المجتمعية  ؛ وأهم ركن لمناقشة  وعرض القضايا الإنسانية .

و فيما  يخص  الرواية التي بين أيدينا؛ الغابة السرية والتي في مجملها تحمل ملامح وأثقال ودهاليز الغابات الغير مطروقة الا نادرا ؛ الا أنها على قدر وحشة الغابات وشراسة  وحوشها امتازت بالوداعة ؛ ونبذ العنف وأسبابه؛ من أقوى الأسباب تلك التي تنتج الحروب  والدمار  والخراب الى اوهنها التي تفتك بالعلاقات الاجتماعية  والصداقات والعلاقات الاسرية وتتمثل الأخيرة في محاولة بطلة الرواية(درية ) إيجاد العذر لصديقتها التي خانتها مع زوجها. وبطبيعة الحال هذه مثالية يصعب تمثيلها على الواقع  الا استثناءً.

و هذه الحكاية ذات بعد اجتماعي  ضارب في العمق  تدور أحداثها  حول الفرد الذي هو أساس الاسرة والتي تشكل المجتمع وذات صبغة سياسية مخففة وهي وان لم تصنف ضمن ادب الثورات فإنها  ثورية بامتياز في كثير من فصولها  ؛ سواء ثورة على المفاهيم السياسية ؛ او على التوجهات المجتمعية  التي ينافق فيها الشعب الحكومة من أجل قوته  واحيانا من اجل كرامته وهناك أيضا ثورة محاسبة قوية جدا لضمير المجتمع على ما كان يقوم به من تمجيد العادات الضارة مثل عادة الختان الفرعوني للإناث.

أغلب الروايات السودانية التي اطلعنا عليها من خلال هذا المنتدى كنا نصنفها بانها سهلا ممتنعا ؛ اما الغابة السرية كانت على غير ما عهدنا  فهي ممتنعا قدم بصورة سهلة ويتضح ذلك جليا في العتبات  الأولى للمتن  من عنوان وإهداء واستهلال ؛ ففي الاهداء تهب الكاتبة ثمرة جهدها  و ما بذلته  من وقت في هذا النص الى الذين آمنوا بها حين ضل ايمانها بنفسها ومن ثم عطفت عليهم اسرتها وأقاربها من الدرجة الأولى ؛ فالآخر هنا أقرب الى القلب وأدنى من الروح من الأهل وفلزات  الأكباد ؛ وليس هذا الموضع الوحيد الذي يتبين فيه تقديم الاخر على الذات  او بالأصح على الأنا ؛ بل كان ذلك سمة من سمات  البطلة حتى بالنسبة لوطنها والوطن الاخر  ( لشد ما كرهت المكان الذي انتمي اليه والناس الذين كان علي ان أكون جزءا منهم الكاتبة صفحة 5)بكل تأكيد ان الآخر ليس هو الجحيم وبذات التأكيد ليس هو الجنة ما يجعل الامر يتطلب منا كقراء موازنة  التلقي والتلقين و نشير للحملات الإعلامية العربية  التي تدعو لقبول وبمبالغة واسراف  يجعل المتابع يشك في ايمان هذه الجهات بمقولة الاخر هو الجحيم  ونتمنى من الاعلام العربي ان يركز  على أهمية  قبول الذات  والتصالح مع النفس  وبالتالي سيأتي قبول الآخر تلقائيا .

أما بالنسبة للآخر في الرواية فحالة كونه وجودياً محضاً فهو غير محدد بدين او لون او جنس او عرق مما يدل نبل مشاعر الراوي( وبالتالي الكاتب ) وأيضا ليس هذا الموضع الوحيد الذي نشعر فيه بصدق ونبل الرواي  مع ذاته ومع غيره  فنبل درية يتمثل في انها لم تفكر في أذية نشوى ولو تخيلا  وكان بإمكانها ان تفعل الكثير اقله ان تحرض زوجها  تخرب لها بيتها ؛وصدقها في الحالة الهستيرية التي دخلت بها عندما تأكدت من خيانة زوجها لها .

الراوية سردت الاحداث بصور مختلفة فكانت تتولى زمام السرد بنفسها أحيانا وتخبرنا عن الشخصيات المصاحبة لها؛ وأخرى كانت تعطي الفرصة لأحدهم ليتحدث عن نفسه وعن حياته كما فعلت مع  الخادمة ؛ او تتيح الفرصة من خلال الرسائل كما حدث مع شخصية مريا عدنان  هذا الاسم الذي  أحسست بغربته داخل قرية المنارة .

الانتقال من صوت الشخصية  الرئيسية الى  الثانوية في صفحة 32 كان  عسيرا جدا  تحدثت فيه نشوى بربكه وقلق  عكس سمات  شخصيتها المترددة والطائشة . من أهم الملاحظات التي يلاحظها القارئ ان أصوات الرجال كانت مخفية وراء زوجاتهم او شخص الراوية و  لم تتح لهم فرصة الحديث عن أنفسهم  وكانت تحاول كسر أحادية الصوت بإعطاء الفرصة لإحدى النسوة  أو تخاطب أحدهم أو تخبر .

وجعلت  للخادمة مساحة وافرة ولم تكتف بهذا بل سمحت لها بالتحدث بنفسها  عن واقعها بيئتها ومحيطها وحدثتنا مايا الخادمة عن سلوك وأساليب الخادمات  ؛  ومن ثم عادات تتحدث عنها بنفسها  مرة أخرى في الفصل الثامن  …. ف كثير من الناس يعتقد جهلا ان العلاقة بين الفئات الضعيفة في المجتمع قائمة على التعاون والتعاطف ولكن مايا في الغابة السرية أخبرتنا عن الدسائس والمؤامرات التي تحاك بين الفقراء ضد بعضهم  وعن اساليبهم القذرة في التعدي على خصوصيات بعضهم  البعض ونسفت بذلك الوداعة والمسكنة  التي تظهرها غالبية  هذه الطبقة وتكسب بها تعاطف الاخرين و شفقتهم  .اذن  مايا أضافت للقارئ بعدا توعويا مهما

من الاشياء الغير منطقية ان تسمح (درية) للخادمة  بالخروج مع صديق  صفحة 37 هكذا دون شروط وترفض ذلك من زوجها وتهجره بسبب خيانته (مالا أرضى به لنفسي من انتهاكات يجب أن لا أرضاه لغيري  وان هو إرتضاه  وقبل بممارستها عليه) وهذا الفعل لم ينتج عن انانية بل لعدم وضع قوانين تنظم الحريات الناس مع بعضهم . من الشخصيات التي حظيت بالوصف في الرواية  شخصية الشخصية الرئيسة درية الحاج على لسان خادمت وزوجها  امير الجاك وعشيقته نشوى  رغم ان الكاتبة لم تبشع  بشخصية امير الا اني كرهتها جدا وكرهت تصرفاته وضميره الميت كنت تمنيت لو ان الكاتبة أقامت محاكم  جنائية  وعوقب بما يستحق ..

عبرت الراوية عن كراهيتها للخرطوم  والحقيقة انها كراهية غير مبررة ؛ لم تبرر لنا لماذا هي ان  تكرهها لهدا الحد.  كان سكون متقبلا  إن أبدت  تضجرها واستيائها من  حالة التخلف والقهر التي تسود فيها؛  فكان القارئ  يتساءل هل درية تكره أهل  وسكان الخرطوم أم كرهتها لأجوائها الحارة ؛ أم كرهت الحكم الدكتاتوري الذي  جثم على صدرها؛ وفرض الاستبداد  وغيب الحريات ام ماذا ؟ و لماذا؟ سيظل القاري يستغرب هذا الكره الذي يتناقض مع شخصية درية المتصالحة مع ذاتها ؛ المدركة لتصرفاتها؛ الوفية صداقاتها ؛المرنة في تعاملاتها الودودة بشكل عام ويظل يتطلع ان يجد في تتالي السطور أسباب  منطقية لهذا الكره ولكنه يعود  بخفي حنين .

اعتراض الكاتبة على فكرة الحداد بالثوب الأبيض الست اعتراض على ابتدع الانس والجمال؟  فمن دلالات اللون الأبيض الوفاء والنقاء وحب الحياة   وانه لون يتفاءل به  ويعبر به عن الاستمرارية ( نقول للشخص الله يجعل ايامك بيضاء ) وهذا  ينسف ما قالته درية عن ان الشعب  يساوي بين الموت الحياة  والحزن والفرح ؟ فالشعب  هنا لا يساوي  بل يرجح كفة الحياة  ويتمسك بشعاع الامل بالعودة لها بابتداعه فكرة الحداد  الأبيض وإبداعه في تطبيقها وبصفة عامة الثوب الأبيض هو من الموروثات التي يتفرد بها الشعب السوداني ويعتز بها جدا وتعبر عن شغفه بالحياة وحبه لها وهي أيضا تعكس دواخله الفطرية السليمة  .

افترضت الراوية  ان  الشعب قبيح وتناولت هذا الافتراض كواقع وتساءلت ان كان هذا القبح هو سبب الزهد عند الشعب؟ أرادت الكاتبة ان تناقش مسألة الزهد والقنع عند الانسان  السوداني ولكنها لم توفق في تعليل الأسباب طغى عقلها الباطني العربي على الشعب وتجبر عليه بتطبيق المفاهيم الراسخة فيه عن القبح والجمال لدى  البشر وربطها أي المفاهيم السابقة  بالزهد والحظ وحب الحياة وانا اعتقد ان هذا اجحاف ؛  وسقطات لا إرادية  يقع فيها العقل العربي ويعتدي فيها على الآخر بغير قصد.

الحقيقة أن الانسان السوداني غير زاهد في المادة  ولكنه يرجح  كفة الكرامة ولا يمكننا ان نتجاهل دور التعليم  والتوعية  في ترشيد عملية الزهد وأيضا لا يمكننا ان نغفل عن خطأ التربية الصوفية في السودان القائمة على تبخيس الدنيا وزينتها  ؛ وتحريم ما حلل الله.  وعلى ذكر التصوف وبكل علاته واخفاقاته في السودان لا يسعنا الا ان نشير الى  أنس  وجمال ومحبة وبريق الانسان السوداني  .

وكما أشرنا في كثير من أوقات الغابة السرية تخرج الراوية الى عالمنا وتحدثنا عن ما آل اليه الناس من فساد ونفاق واستغلال ل لدين من أجل معاشهم  وادانت  الرواية هذا السلوك أشد ادانة وحق لها ذلك وهذا واحد من الأسباب الذي يقودنا لتفسير ظاهرة الزهد عند الشعب السوداني تجنبا للمكر والخداع  وأكل أموال الناس .

كما أدانت قانون النظام العام  ذلك القانون  القاصر الذي أهان الكرامات وشوه سمعة كثير من  الاسر المحترمة وخوف الناس وأراعهم ؛ كما  تطرقت لتدهور الخدمات في الخرطوم  وغلا الأسعار وتفشي الفقر والجوع  ؛ وبطبيعة الحال فإن  التاريخ يعيد نفسه في هذه الأيام ولكن يظل الأمل موجود وليس بعد العسر الا اليسر

الممتنع السهل في الرواية:

الحديث عن الازل والأبد فذكرت الكاتبة  في صفحة 80 النقصان الازلي للحياة  وفي الصفحات الأخيرة ذكرت الأبد فترتيب ذكر المتضادان متباعدان يدل على مدى تنظيم الكاتبة لمفاهيمها ورؤاها  ولكنها كانت متواضعة للحد الذي يجعل القارئ يمل عندما يشعر بزهد الراوية  في اطرائه لها .

فالكاتبة لم تخوض في نقاش الأفكار ولكنها عرضتها عرضا  خفيفا لم تثقل فيه على القارئ ولم تخاطبه بسطحية (يا ألهي الى أي قدر من الحقيقة  يستطيع عقلي وقلبي ان يتحصل) البحث عن الحقيقة أمر مرهق  والتفكير فيها أكثر ارهاقا وقد بذلت الكاتبة في هذه الرواية وقت مقدرا في التفكير وحاولت التركيز على القلب والعقل والنفس  وأبعدت الروح بل وحتى المشروبات الروحية المرتبطة بالجسد والنفس لم تتطرق لها مما يؤكد لنا ان هدا الاقصاء معد بعناية بالغة

اشارت الراوية للحب عند آلهة اليونان  ؛ كما تحدثت عن تسبيحها وسجودها  دون أن تصلي  هذه الأمور وغيرها نفسرها في اطار الممتنع حتى وان بدت للقارئ  من اول وهلة انها عادية

تخلي الراوية  عن الانتماءات العرقية والثقافية والعقائدية  اذا ما حاولنا تحليل حديثها ومقارنته مع حركتها وأساليب عيشها قد نجد أنها فعلا ليس لديها انتماءا  عقائديا لا هي سنة ولا هي شيعة ولا هي صوفية  ومع دلك فقد كانت شخصية متزنة لحد كبير جدا  ومتأثرة جدا  بعقيدتها الدينة  بعيدا عن التمذهب  ويظهر ذلك في سلوكها و رادات أفعالها  مثلا ( كنت أحس أن الله غير راض عنا لسبب ما صفحة 51 )ويؤكد ذلك أيضا عندما حصل الحادث المروري عندما كانت مسافرة لصديقتها نجد أن الكل فزع وهلع وتجذع  ماعدا الراوية كانت تردد الشهادة وتشد على نفسها  فهذه العقيدة راسخة رسوخ الجبال هي فقط تريد ان أن تخرج من دائرة التزمت  والتطرف  والتكلف . أما فيما يخص التخلي عن العرق فبما أنها سودانية فالراجح أنها خلقت بلاء انتماء عرقي أما الانتماء الثقافي : فقد حرصت الرواية أن لا تنتمي منذ البداية فقد ادانت  المشروع الحضاري للإنقاذ دون ان تشير للأفضل من وجهة نظرها ورغم انها أشارت لمفكري الستينات ولكنها لم تشعرنا بالولاء  لذا عندما تقول انها تخلت عن انتمائها الثقافي يكون الأمر منطقيا  ومتقبل .

في صفحة 52 (ليس لدينا عشاق هنا يمكن أن يتبادلون   القبل  علنا  ولو من باب النكاية بقانون النظام العام)  اول سؤال يتبادر للقارئ وهل قبل قانون النظام العام  كان هناك عشاق يتبادلون القبل في الشارع ؟ وان كانت موجودة ماهي الفوائد التي كان يجنيها هؤلاء العشاق من المساس بالعرف العام للمجتمع  ؟

سيجد القارئ غرابة ان الراوية لم تناقش قضايا المفكرين  وما تعرضوا لهم بسبب أفكارهم  ولم تذكر أي رمز سوداني سواء ديني ؛ او سياسي او غيره ورغم ذكرها للعمل الطوعي على لسان مريا  الا انها لم تتحدث عن أي نشاط طوعي فالسودان … فقد قدمت الكاتبة أفكار واسعة وموضوعات عميقة في قالب سهل جدا  وبسيط مما جعل الرواية  أكثر روعة ومتعت القارئ  بوجهة نظرها الغنية وتجرتها المعرفية الثرية .

الغياب والحضور في الرواية :

أغلب المغامرات في الرواية كانت تدور حول الجسد والرغبات  ولكن لم تكن هناك مواقف خادشة للحياة بشكل سافر ؛ وبالعموم غابت الروح عن الرواية ليكون محورها الأساسي هو الجسد.

وفي الوقت الذي غاب فيه الحلم  واحداث المستقبل  عن الرواية ؛ كان اجترار الذكريات والاحداث التي حدثت في الماضي  حاضرة بقوة وكان تأثيرها كبيرا على حاضر الراوية  حديث  النفس كان شائقا ؛ممتعا ؛وصادقا ورغم ان الرواية عموما طبعت بطابع الجدية وخلت من الطرائف الا في إسم قرية فطيسة الا ان قراءتها كان سلسلة  ويسيرة .

وأيضا كانت تقاليد فعالية  (دق الريحة)  في الأعراس السودانية حاضرة في حين غياب رقص العروس والغياب التام لنشاطات الرجل السوداني  في مثل هذه الاحتفالات (لم نحضر ازمان رقص العروس فتمنينا لو ان الكاتبة حدثتنا عنه من منظورها ) .

كان هناك حضور جميل للبيئة والمناخ وشيئا من جغرافية الأمكنة وغياب تام للتاريخ والاحتفالات و الأعياد والمناسبات العامة  .

واكتمل غياب الخرافات والاساطير السودانية  كما غاب المسيد بل والمسرح والفن  نعم هي أخبرتنا ان الحكومة العسكرية ضيقت على  الفانين والمسرحيين ولم حتى ذكريات تشعر فيه القارئ بمدى خسارتها وخسارته لم يحدث .

كذلك كان علم النسب حاضر فقد سردت الرواية شجرة نسبها وأخبرتنا عن أصولها العربية الافريقية او الزنجية حسب روايتها  واستنكرت توجه العامة نحو العروبة ونسيانهم لأصلهم الافريقي  ولكنها لم تذكر أي صفحة من صفحات الثقافة الافريقية البحتة حتى عندما انداحت في الرقص على انغام الموسيقى الافريقية لم تذكر الموسيقار ولم تذكر مؤلفا لكاتب افريقي وبالعموم كان الكتاب غائبا رغم ان دار الكتاب حاضرا مما جعل القارئ يتساءل عن أسباب ترددها على اتحاد الكتاب؟ كانت تذكر كلمة زنج مقابل عرب  وفي تقديري الأصح نوبة مقابل عرب أعتقد غير جازمة ان تأثير النوبة في السودان أكبر من تأثير الزنج فالنوبة أشمل أو البجا والله أعلم.

كان هناك حضور طاغي للطيور  مثل السمبر والأشجار (اللبخ والدليب والبان )  فكان هناك اثراء لمعرفة القارئ .ولم تتبين معنا الحيوانات الاليفة الا عرضا عندما ذهب لقرية المنارة

ومن القرى الموجودة في الرواية أيضا قرية الهشابة وهذه أيضا موجودة في الواقع  أما قرية فطيسة لا ادري ان كانت متخيلة ام واقعية … من الأماكن الأخرى في الرواية دول الخليج العربي.

الملاحظات الهامة في الرواية :

من الملاحظات الهامة جدا في الرواية هو طغيان حضور العقل وترجيح ميزانه في اول ومنتصف الرواية ؛والرجوع للقلب في نهاية الرواية .

انهت الكاتبة روايتها بأسئلة افتراضية وأجابت بأنها لا تدري ؛ لكن ارهاصات ما قبل ذلك تدل على انها  بطلتها شخصية متزنة وقادرة على اتخاذ القرار بل موهبتها تصل حد العبقرية في هذ الجانب ؛ يحضرنا كيف اتخذ قرار العودة للسودان رغم ان اطفالها  مازالوا بالمدارس ؛ وكيف اتخذت قرار الرحيل من المناقل وكيف تحايلت لتنفيذ قرارها ؛ وعلى مستوى الحياة اليومية البسيطة كيف قررت الابتعاد من السائق الذي ازعجها ؛ وعندما  أحبت ذاك  الشاب كانت هي المبادرة بطلب ممارسة الحب على غير العادة في مجتمعها .فإجابتها لأسئلتها بأنها لا تدري هو مجرد تواضع من الكاتبة لتجعل القارئ يشاركها في عملية اغلاق النهاية ؛ وهذا لطف كبير وشيء جميل وتواطؤ نبيل.

بالرغم من ان درية كانت تعيش في مدينة متقدمة؛ وصلت حد الرفاهية؛ الانها لم تجسد لنا هذا التقدم والرقي سوى في البنايات الشاهقة؛ ففي اعتقادي ان الانسان السوداني والمصري لن يدهشه وصف علو البنايات مهما بلغت؛ فالأهرامات والاثار الفرعونية لقحته ضد الاعجاب بدهشة حيال كل ما هو متعلق بفن بالعمارة؛ فالقارئ منهم دائما يتوق لمعرفة الجديد من الاكتشافات المعارف في المجالات الأخرى غير المعمارية.

من اللافت للانتباه أيضا ان الكاتبة لم تقم أي محاكم للجناة ؛ سواء ان كانت محاكم ذاتية متمثلة في تأنيب الضمير والاحساس بالذنب ؛ ام كانت محاكم مجتمعية يعاقب فيها المجتمع افراده الذين يتعدون على حقوق الاخرين ؛ فالتنازل عن الحقوق المعنوية والروحية والتركيز ضرورة احتياجات الجسد جعل الحياة تسير بفوضى عارمة ؛ مما اضطر بعض الشخصيات ان يعودوا للوراء وتنقلب حياتهم من الرفاء والسعادة  والرقي ؛ الى التخلف والعزلة  والركود كما حدث مع مريا عدلان التي كانت نهايتها ان تعود لقريتها ؛ وتعيش حياة غير التي الفتها او التي كانت تحلم بها  ؛ وكذلك درية ظلت تلهث وراء اشباع حاجاتها الغريزية دون ان تحصل على ما تريد  وكان هذا شيئا مؤسفا دئما هناك طريق سادس  يمكن من الدخول لكل الأماكن لكن الكاتبة حرمت بطلتها منه .

اختيار الكاتبة بأن تكون بطلتها من المناقل لم يتوافق مع نقدها واستياءها من ترييف العاصمة فلم تشير لأسباب التريف وهو استعلاء اهل المركز  على  الأطراف بشكل أصبح غير مقبولا لدى اهل الأرياف وزاد الطين بلة صلة  القرابة التي تربط بين الطرفين  وما لبثوا حتى تمدنوا  ونسوا ما كان ولعبت الاقدار دورها المنوط بها.

وأخيرا:

أتمنى دوام التوفيق والسداد  للكاتبة ؛ و اسمحوا لي  ان أتوجه بجزيل الشكر للكتاب والأدباء السودانيين الذين اتاحوا لنا  فرصة التواجد بينهم آملين ان نكون على قدر هذه المسؤولية  وأخص بالشكر اول منتدى سوداني أكتب فيه منتدى السرد والنقد كما أتقدم بجزيل الشكر والعرفان  لمنتدى الرواية السوداني واخص بالشكر مشرفي ومؤسسي  المنتدى أشكر  المشرف الأستاذ  مجذوب الشريفي الذي أتاح لي فرصة  التعبير عن انطباعاتي الأدبية عبر صفحته بصحيفة أخبار اليوم  كما أشكر الأستاذ محمد الخير حامد و أتقدم بأسمى آيات الشكر للأديب  جمال الدين  وبقية العقد الفريد من المشرفين القائمين على امر هذه المنصة  وفقكم الله وسدد خطاكم ؛الحقيقة لولا هاتين المنصتين لما أعدنا  النظر في اعمالنا الأدبية  المتواضعة ولما تحمسنا لها فأشكركم جميعا مشرفين  وأعضاء وأتمنى لكم دوام التوفيق .

تشرفت بمتابعة هذا المنتدى النير منذ سبتمبر  2020م على منصة الزوم وقد أضاف لي الكثير وعرفني بمبدعي بلادي  وتفضل علينا بأخرى ؛ لذا توجب علينا أن نستأذن أدباءنا  القائمين على أمر المنتدى بالغياب  لفترة قصيرة سنشتاق لهم فيها وسنفتقد تنويرهم  تثقيفهم وسنعود بشغف أكبر بدليل أننا بدأنا نشتاق لكم قبل أن نغلق (الكيبورد)

فلكم خالص مودتي  والى ان نلتقي في امان الله .

في ما يخص الإعجاز العلمي  في القرآن الكريم/ بقلم تغريد البشير

0
تغريد البشير

الإعجاز العلمي  في القرآن الكريم

قبل أيام قرأت  مقال ينتقد ظاهرة (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) التي كانت متفشية قبل أعوام قليلة من الآن ؛ كان المقال مرتب ورصين وطرح أسئلة دقيقة وذكية ؛  راقني جمال طرحه كثيرا  فعلّقت مع أحد أساتذتنا على بعض ما جاء فيه وقلت أنّ المقارنة وحدها لا تكفي لخلق أوصنع مجتمع تقدمي ومتحضر(فلابد من الإبتكار المستمر و الإختلاق والتنظير وإن شئت سم ذلك الإستنباط والتوليد)   ..

  فعلى أهمية المقارنة وضرورتها إلا أنها وحدها لا تسمن وإن أغنت من جوع  والإعجاز الحقيقي في القرآن الكريم في رأيي ليس في ما توافق منه  مع  النتاج العلمي المعاصر (فالنتائج العلمية تتغير والقرآن ثابت ) وإنما في إعجاز الخطاب العلمي في حد ذاته فلو نتفكر في توجيه الخطاب القرآني في الآية الكريمة ( يا معشرالجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان)

نجد الخطاب هنا لم يقل يا أيها الذين آمنو بالله وبالرسل ؛ أو يا أيها المسلمون وإنما يا معشر الجن والإنس فالخطاب موجه لجميع البشر باختلاف ألوانهم وأشكالهم ومعتقداتهم  و الخطاب أيضا موجه لكائنات أخرى غير مرئية  خارج إطار حواسنا  وإدراكنا تماما. ويشمل ذلك الحركة على سطح القمر لإنعدام الجاذبية  وأثر المياه على سطح المريخ وغيرها من الاكتشافات الحديثة. ومع ذلك فالتحدي لم يكن  في النفاذ من أقطار السموات والأرض وإنّما كان في أنّه لن تنفذوا إلا؟ بسلطان؛ إذاً فالسر الأعظم يكمن بالإستثناء في الآية الكريمة ؛ والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا وبشدة ما هو السلطان الذي يعطي البشر قدرة النفاذ من أقطار السموات ؟ فالسلطان الذي أستطاع ارمسترونغ النفاذ به  من أقطار الأرض  وأصبح بعده أمراً اعتيادياً هوسلطان العلم إذن للعلم سلطان يمكّن البشر من فعل الخوارق وإيجاد الأشياء من العدم وبطبيعة الحال هنالك  سلطات أخرى لها أدوارأساسية وفعّالة في  تهيئة وتدعيم سلطان العلم وهنا تكمن أزمتنا الحقيقية ؛فنحن أمةٌ ترزح في التخلف العلمي منذ زمن بعيد، ولقد تعاملنا  مع مجريات الأحداث والظواهر الكونية وتغيرات الطبيعة إمّا بسطحية وتعالي أو بانهزامية وانكسار وشعوربالدونية الأمر الذي قنن لتخلفنا.

 أيضاً هنالك علو الصوت المنادي بجلد الذات عند بعض المستنيرين بدلاً من النقد المحفّزعلى الإبتكار والإبداع  يقابل ذلك تأليه المبدعين والعلماء من الأمم والشعوب الأخرى إضافة إلى فصل المجالات التطبيقية والعلوم التجريبية  عن العلوم الدينية والإنسانية. كل هذه الأمور زادت من وعكتنا وأدت إلى تجهيلنا فساءت الأحوال أكثر فأكثر وأصبح الشخص الذي يتحدث في إعجاز القران خصماً على ما يتحدث فيه. ومما قرأتُ في هذا المجال في كتاب بعنوان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أورد الكاتب دعاءً للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه ( اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ) فراح المؤلف يفسّرالدعاء تفسيراً علميا كما يدّعي، فقال: إنّه يريد أن يثبت كيف توافق هذا الحديث مع الدراسات الحديثة، فشرع يصف الماء وصفاً علمياً ومم تتكون والروابط القطبية التي تربط بين ذرات الأكسجين والهيدروجين  ومن ثَمّ يقول فالماء تنظف كل شيء …الخ

ثم شرح الثلج قائلاً: إنّه الماء المتجمد أي الماء في درجة الصفر، وأنّ الثلج يمكنه تنظيف أشياء ملتصقة لا يقدر الماء العادي على تنظيفها، وشبّه الماء المتجمد بحلقة البنزين ولم يزد في ذلك شيئا وهنا أعتقد أنّه أربك القارئ أكثر مما أفاده؛ فالقارئ العادي الذي لم يدرس الكيمياء العضوية لا يعرف حلقة البنزين ولا الذرات المكوّنة منها ولا أنواع الروابط التي تربط بينها  فعادةً عندما نمثل شيء لا نعرفه نقرّبه بشيءٍ نعرفه وليس العكس .

وكثيرٌ من أمثال هذا المؤلف يعتقدون أنّهم يدافعون عن القرآن والسنة وهما يدفعان بها أو بالمقصد الصحيح للآيات في غيرمحمدة . وعلى أهمية الدراسات البينية بين كافة العلوم فإنه لا غنى عن الإستنباط والفهم ووضع الفرضيات والنظريات  بناءً على ما استنبط  مع مراعاة أن يُبتدأ من حيث انتهى الآخرون ويجب أن لا يُسلَّم للنتائج العلمية تسليماً كاملا فهنالك دائماً طريقة أخرى وإكتشافٌ كامنٌ ينتظرمن يستخرجه.

وأجد نفسي ميالةً إلى الرأي الذي يقول به البعض وهو أن توضع آيات القران الكريم كدليل وهداية في كل المجالات ؛فمثلا الآيات التي تخبر عن أننا مانزالُ في خلقٍ جديد (بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍۢ مِّنْ خَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ) يجب أن تكون من الأسس النظرية الثابتة في المختبرات البيولوجية

 وقد تجد المؤمن بالقرآن إيماناً راسخاً يتساءل عن الأسباب التي منعت علماء العرب المسلمين  في معامل الأحياء الدقيقة من تصنيع  مضاد للكوفيد وهم يعلمون أنّه في كل وقت هنالك خلق جديد وهذا التساؤل على بدائيته إلاّ أنه تساؤل  مشروع.

فيما يخص التفاخر بالسبق العلمي هنا لدي رأي قد يتوسط الآراء المطروحة في الساحة النقدية هذه الأيام :

أولاً:

يجب أن نحتفظ لأنفسنا بحق  الإعتزاز والإفتخار  بما أنتجته حضارتنا أو بالأصح حضاراتنا حتى نحفّزأنفسنا على إمكانية خلق حضارة متجددة أكثر إستيعاباً للإنسان واحتياجاته وللطبيعة وتغيراتها والتكنولوجيا الحديثة وكما رأينا قبل أيام كيف افتخر بايدن الرئيس الأمريكي بالصورة الفضائية التي التقطها التلسكوب جيمس ويب وقال نفتخر ونعتز بهذا الإنجاز وسيأتي يوم يقال فيه إنّ أمريكا استطاعت أن تنجز هذا، ووعد بإنجازات أخرى إذ أنّ ذكر الإنجاز دائما يحفّزعلى إنجاز المزيد، لذا يحق لنا من حين لآخر أن نفتخر ونفرح بتلك الإنجازات مثل قولنا: أنّ أول من اخترع الحقنة هو بن سينا ، وأنّ أول من اكتشف خيوط الجراحة هو الرازي وأنّ أول من اكتشف الفلزات وماء الذهب هو جابر بن حيان وأنّ إنجازات البيروني في الفلك  مازالت تفيد البشرية  فعندما نذكر إبداعات بني موسى الثلاثة في الميكانيكا وعبقرية الحسن بن الهيثم  وإكتشافه لانكسار وانعكاس الضوء وكيفية الرؤية علاوة على وضعه أسس صناعة الكاميرا (يجب أن نزهو ونسمو بذلك ) وأنه لولا ابن خلدون لما عرفت البشرية طريقاً لفلسفة التاريخ ولما كان علم الإجتماع وهذا إضافة إلى عظمة الخوارزمي وتأسيسه لعلم الجبر علاوةً على إفتراضه للصفر وابتكاره للوغريثمات التي لولها لما كان الحاسوب . هذا غير سبق ابن رشد في نقله وترجمته للعلوم حتى تفيد منها البشرية دون تمييز؛ ولعمري إنّ هذا وحده لنبل يُعتزُ به . وبالتأكيد فإنّ الوقت لن يسعفنا لذكر  منجزات علمائنا ولكن لابد من أن نشير إلى أنّ أغلب هذه الإنجازات جاءت من أجل توفيق أوضاع إجتماعية سواء وراثية أوغيرها مع التشريع الإسلامي. فعندما آمنوا بأنهم ليسوا بمعجزين في الأرض تأمّلوا وأبدعوا وأكّدوا أنّ العقل يستطيع أن يأتي بما لم نُحِط به خُبرا .

ثانيا :

يجب أن نتذكر أنّ العلوم وحضارات الشعوب هي إنجازاتٌ مشتركةٌ ومتوارثة بين الشعوب فعندما تأسّس بيت الحكمة في بغداد وازدهرت حضارة العرب والمسلمين كان للترجمات التي ترجمت عن فلسفة اليونان وعلومهم أثرها الكبير في الإختراعات العلمية والفلسفية فيما بعد ومازلنا إلى يومنا هذا نعترف بهذا الفضل ونحتفي به بل ونذهب إلى أبعد من ذلك فنجد  أنّ المسرح اليوناني حاضرا في ثقافتنا  ومازالت أقوال أرسطو وأفلاطون وسقراط تشكل حيزاً كبيراً في كتابتنا  فنصيغها دليلا وننشدها أغنية وحباً وحكمة، وندعم بها آراءنا النقدية في الشعر والقصة وغيرهما في النقد الأدبي والإجتماعي؛ وبعضنا يقدسها ويبجلها كأنما هي قرآنه المنزل .

وربما كان أحد أهم أسباب التباهي بماضي الأجداد هو قساوة حكم بعض العلماء والمؤرخين الأوربيين على العرب والمسلمين فيقول ماسيو هنري في كتابه تاريخ فرنسا الشعبي : (إنّ النشاط الذي يحفز الناس على التقدم ليس مما تجده في عبقرية المسلمين ويرى أن أوربا والدنيا كانتا ستخسران مستقبلهما إذا استمرت القيادة بيد العرب والمسلمين)وهذا لعمري حكم قاسي وجائر؛ و لكن ما يميّز أوروبا والغرب أنه بقدر ما فيهم من متعصبين مولعين بحميّة الجاهلية الإنتمائية  بقدر ما فيهم من مستنيرين عدول يثبتون الفضل لأهل الفضل وإذا حكموا يقولون ما على الآخر ومنهم الكاتب الأمريكي جوناثان ليونز الذي ألف مؤلفاً عن بيت الحكمة وبعنوان جانبي كيف أسس العرب لحضارة الغرب تحدث فيه حديثا عقلانيا ومقبولا إلى حد كبير وكذلك الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون الذي ألف المجلد الضخم حضارة العرب وأنصف فيه العرب وتصدى لكثير من الظلم التاريخي الذي وقع عليهم  وكتب عن العمارة العربية وعن سماحة الدين الإسلامي و…….الخ

والحديث في هذا يطول ؛ فبالعودة إلى ما بدأنا به من أمر نقدنا وجلدنا لذواتنا نقول أنّ الأمل يظل معقوداً ورغم ما يحدث لنا فهنالك مشاعل ضوء في بعض أنحاء الوطن العربي وهنالك دائما من يضئ للآخرين طريقهم مثل دولة الإمارات العربية المتحدة  التي يجب على بقية دول المنطقة أت تحذو حذوها وتستفيد من تجربتها وتقوم

بإعادة النظر في المنهج الذي يدرّس لطلاب كليات القرآن والشريعة على أن يكون من ضمن متطلبات هذه الكليات دراسة الفيزياء والكيمياء والأحياء الدقيقة وتكون هنالك معامل للعلوم الأساسية والتكنولوجية بقدر يجعل الطالب قادرا على الإبتكار فيها  وعلى أدنى الفروض أن تكون هنالك مواد حضورها إجباري وامتحانها إختياري حتى يكون بالإمكان خلق جسور علمية  متينة وبذلك نضمن عدم إنفصام المجتمع  مابين ماهو علمي في مجالات العلوم التجريبية وبين العلوم الإنسانية والدينية .

وبذات القدر تكون هنالك مواد إختيارية من اللغة العربية والفلسفة الدينية لكليات المساق العلمي  وذلك يمكن من فتح الأبواب على مصارعها أمام الأبداع ويكون الدارس قادرا على الفك والربط بين العلوم ولا يحمّل علما او آية من آيات الذكر الحكيم أو إشارة من الحديث النبوي الشريف ما لا يحتمل وبالتالي يحصل الخلق والإرتقاء والإبداع.

فنحن البشر أعداء لما جهلنا هذه غريزة ولكن يمكننا ترويض هذه الغريزة ببث التعلم والتثقف بين أفراد المجتمع وتشجيع ثقافة التأمل ومحاولة ردم الهوة بين العلماء والأدباء والناس العاديين  والتعرف على ما تنتجه الحضارة البشرية الحديثة ؛ وأكثر ما نحتاجه قادة راشدون  يقدّرون العلم وأهله ويحمون العلماء ونظرياتهم ويقدّرون قيمة السلام وحياة وكرامة الإنسان   .