الأربعاء, يونيو 10, 2026
الرئيسية بلوق الصفحة 31

شخصيات ومعالم تاريخية

0
د. إيمان التميمي

بهو السباع ونافورة الاسود في قصر الحمراء

                                                           بقلم الدكتورة :ايمان التميمي

      يعد بهو السباع ونافورته من افضل واجمل واروع القطع المعمارية التي خلفها العرب في الاندلس بشكل عام، وفي قصر الحمراء بشكل خاص ،وان سبب تسميته  بهذا الاسم نسبة الى لون جدرانه الحمراء ولون التربة التي اقيم عليها  بربوة تسمى السبيكة على سفح  جبل في مدينة غرناطة ،ومعظمه مبني بالكلس والجص ، وهو احد اشهر قصور بلاد الاندلس العديدة كقصر الجعفرية في سرقسطة ،وقصر شقوبية ،وقصر المورق ،وقصر طليطلة وغيرها من القصور ،التي استطاع العرب  المسلمون بناءها على الطراز الاسلامي وفيها من فنون العمارة والهندسة ما يسرالنظر اليها والقارىء عنها  .

 واول من بنى هذا القصر هو ابو الوليد اسماعيل ،وقد بناه بعد ان هدمه يوسف الاول ،الذي قام باصلاح برج قمارش وباحة الاسود والحمامات ،كما ان فيه عدد من  الابواب والابراج والقباب المزينة بالاوراق النباتية بالوان زاهية جميلة .

وبهو السباع  من اشهر اجنحة قصر الحمراء، وهو عبارة عن فناء مستطيل غير مسقف، محاط برواق على غرار أديرة المسيح ويبلغ طوله خمسة وثلاثون مترا وعرضه عشرون مترا تحيط به من الجوانب الاربعة اروقة تحملها مائة واربع وعشرون عموداَ من الرخام الابيض ، ويبلغ ارتفاع العمود الواحد فيها احد عشر قدماً، وهذه الاعمدة مدعمة بتيجان مكعبة الشكل محفور عليها كتابات ومزينة بنقوش وزخارف نباتية ،اما النهايات العلوية للأعمدة توجد فيها اقواس على شكل حلقات تدعم هذه الاعمدة ، وعليها اربع قباب مضلعة تقع كل واحدة من هذه القباب وسط ضلع من اضلاع المستطيل الذي هو شكل البهو.

ويتخلل البهو  شرف مطله على الباحة بعيد عن النمط التقليدي للباحة الاندلسية ، ويتوسط فناء هذا البهو نافورة السباع الشهيرة (نافورة الاسود)التي هي احد معالم هذا القصر الذي هو من اروع المعالم التاريخية بتصاميمه الهندسية الفريدة وحديقته الرائعة ،وهذه النافورة هي دائرية الشكل يعلوها اثنا عشر سبعاً ، ومنها جاءت التسمية يحيطها حوض من الرخام الاسود تصب فيه المياه المتدفقة من افواه تلك السباع حال عملها ،وهذه السباع مقسمة الى ثلاث اقسام ،كل اربع منها  متشابهة من حيث المظهر ، بيد انها تختلف في شكل شعر الرأس ،والانياب والمخالب وشكل الاقدام ،وهي مرتبة على التوالي  من كل قسم اسد من الاسود ،بشكل دائري استناداً الى القاعدة التي تجلس عليها ،اما جوانب الحوض الرخامي الاسود فقد نقشت عليه قصيدة للوزير الشاعر ابن زمرك ،والتي تكونت من اثنا عشر بيتاً من الشعر، وهي جزء من قصيدة تكونت من سبع واربعون بيتاً من ضمنها بيت يمتدح فيه الشاعر السلطان محمد الخامس الذي أُنشأ في عهده هذا الصرح التاريخي الفريد.

اما طريقة عمل هذه النافورة ، فهي تعمل بآلية معينة فكل مجموعة تخرج المياه من افواهها معا وتبقى المجموعات الاخرى واقفة عن العمل الى ان تنتهي المجموعة الاولى لتبدأ الثانية  منها بالعمل وهكذا دواليك الى ان تعاد الكرة مرة ثانية فمثلاً اذا كانت الساعة الثالثة تتوقف جميع السباع  عن هذا العمل لتتدفق المياه من افواه  ثلاث منها  فقط  على ذلك الوقت ،واذا كانت الساعة السادسة عملت ست فقط  من تلك  السباع على تدفق الماء من افواهها وتستمر هذه الالية ليلا ونهارا ، ولذلك اشارت بعض الدراسات التاريخية الى انها  اقدم ساعة مائية تعمل بطريقة هندسية وفق الوقت ،لتعكس صورة الانجازات الهندسية العظيمة التي قام بها العرب المسلمين آنذاك .

ومن الناحية الجنوبية للبهو يوجد مدخل لقاعة عرفت باسم قاعة بني سراج ،وهي احدى الاسر الغرناطية الشهيرة ،التي لعبت دورا في حوادث مدينة غرناطة ،وهذه القاعة مستطيلة الشكل طولها اثنا عشر متراً وعرضها ثمانية امتار وتوجد فوق هذه القاعة قبة عالية مضلعة الشكل يتوسطها حوض مستدير تعلوه نافورة اما ارضية هذه القاعة الرخامية فيلاحظ فيها  نقاط غامقة ،يعتقد انها كانت مسرحا لأحداث مذبحة ست وثلاثون رجلاً من بني سراج من اعيان تلك الاسرة ومنها جاءت التسمية ،ولكن يبدو ان للقصة اساس تاريخي ضئيل ،او من نسج الخيال كون تلك القاعة من الاناقة يستبعد ان تكون مسرحا لمثل تلك الاحداث او مكانا لأراقة الدماء .

     اما الجهة المقابلة لهذه القاعة توجد قاعة الملوك او قاعة العدل ،وهذه بها عقود او ثنايا ،ورسمت على سقفها  صور لعشرة من الفرسان المسلمين يلبسون العمائم ويجلسون على وسائد تشعر الناظر اليها  بالوقار والعزة التي تعلو هيئاتهم ،و يتوسط قاعة العدل بركة للوضوء عليها منحوتات جميلة لاسود وغزلان ونسور ،كما توجد قاعة الاختين، و هما قاعتان متناظرتان من حيث الشكل والتصميم الزخرفي والمعماري والذي يبين التراث التاريخي الاندلسي وصورة للماضي المشرق الذي كان يعيشه ملوك غرناطة آنذاك . ومن الجدير بالذكر ان هذا البناء جمع بين الطراز المسيحي والنقوش والفن والعمارة الاسلامية والاندلسية , بل ويعتبر صورة معبرة عن التصميم والابداع في الطراز والعمارة الاسلامية ،ولابد من الاشارة الى أن هذا الجناح  تم انشاءه في عهد سلاطين بني نصر من بني الاحمر الذين حكموا غرناطة من بلاد الاندلس(اسبانيا قبل الفتح الاسلامي) للفترة من  
سنة (629-897)هـ، وتحديداً في عهد السلطان محمد الخامس الملقب بالغني بالله والذي حكم الاندلس لمرتين في فترتين زمنية مختلفة . واخيرا: لا يفوتنا ان نذكر ان هذا القصر دخل ضمن قائمة التراث العالمي .

المصادر: (1) البرت الفريدريك  كالفرت،غرناطة وقصر الحمراء ،ص30-35.

             (2) عبد الرحمن الحجي ،تاريخ الاندلس ،ص40

                    (3) محمد عبد الله عنان ،الاثار الاندلسية الباقية ،ص184-214.

صورة للخلود/ الشاعر السوداني محمد مؤيد المجذوب

0

صوتي مصابٌ فاتركوني أنصرفْ

منذ التحامي باليقين المرتجفْ

حذرتُ صوتي قبل أن يبقى معي

أنّ انتقائي للقصائد مختلفْ

يبدو -ومُذ شيخوخةٍ شبّت

على قلبي-

نمَت أسطورةُ الشّاب الخَرِفْ

فأعي استقاماتِ الحقيقةِ عند حرفٍ أعوجٍ وأَرى اعوجاجاً في الألفْ

أطلقتُ صوتي قبلَ ألفِ حكايةٍ

كي تعرفوه الآن ..هاهو ينكشفْ

ناديتُهُ من قبل :كم تحتاج

كي تلقى صداك ؟

وقلتُ: ياصوتُ انصرفْ

حملته لحبيبةٍ تبكي فعادت طفلةً

كل الحنين بها عُرِفْ

للغيمة البيضاء مدّت قلبها

نحو السّماء أشرت

ياصوتُ اعترفْ

الروح تصعدُ للسّما لكن قلبَ الغيمِ نحو الأرض دوماً يزدلفْ

من يومها. لم يرض لي الله الحياة حقيقة

أنا واقفٌ إذْ لا أقفْ

فأقامَ في قلبي مرايا الكونِ حتّى ملت

صرخت :”أنّى أختلفْ ؟”

قال اصطفيتك شاعراً

حُمِّلتُ همَّ الأرضِ في يمناي

فاستوتِ الكتفْ

الشعر آثاري بهذي الأرضِ

صوت الله عبري ينجرفْ

من لم يَرَ الدّنيا بعينَيْ شاعرٍ

فلينتقص من عمره ماينتصف

سيقول لي ربي قريباً خذ يدي

كن آدماً وكأنّهُ لم يقترفْ

فخذوه صوتِي عبرةً للقادمين

تذكروني واتركوني أنصرِفْ

مارخدر (ثنائية الإمتاع والتشخيص)للكاتب والروائي السوداني عمر الصائم

0

بقلم/محمدالبيدر عثمان

لن أكون براغماتياً في تناولي لهذا النص المدهش والساحر وسأعمد عوضاً عن ذلك إلى محاولات التفكيك والإنطباع والتأويل.

منذ العتبة الأولى للنص المتمثلة في العنوان المنحوت بحذاقة أستفاد فيها الكاتب من أيقونتين دينيتين مهمتين هما مارجرجس والخضر جاعلاً منهما مناطاً لتكليف النص أعباءً وحمولات ثقيلة تنوء عن حملها الأسفار.

مخطئ في نظري من ظن أنه يستطيع تأطير هذه الرواية تحت أي مسمى فهي كُنّاشةٌ أدبية وميلودراما اجتماعية وملحمة تأريخية وشذرات سياسية، صهر فيها الكاتب عناصر شتى وأضاف مكونات عُدة فأخرج لنا هذه الخريدة الفريدة في هذا الثوب القشيب.

على أننا أمام نص حداثي من حيث التقنيات المستخدمة في السرد من إرتدادات زمانية وتعددات صوتية والأهم من هذا وذاك ،تلك اللوحات التجريدية والفنتازيا الراقية التي جمعت بين المعقول وضده وبين ماهو ماضٍ منقول ومستقبلٍ مُستشرفٍ مأمول.البعض يضع النص في خانة

السودانوية البحته والآخرون يرون فيه طلاقة العموم وحسب،أقول :إن النص قد زاوج بين الكونية الأزلية والسودانية المحضة والأخوة الإنسانية.

أسماء المناطق سوبا ،المندرة،مدوي التي هي مروي وغيرها يضعنا في الفضاء المحلي الي أن تتجلى أسماء أخري وديانات وملل وطوائف لتمنحنا تلك الصورة من الأعلى.

أقتبس من النص:” ناصر أوباب أول من تزوجني، أهداني ناقته التي ذبحتها في زواجي من الكردفاني ،قلت لأوباب لك نصف جسدي ونصفه  أفعل به ما أشاء وشئت أن أتزوج بهذا النصف أربعة من ذوي الصدور العارية والبطون الضامرة،كثيراً ما أنسى أسماءهم  فقط أتعرف عليهم عندما ينادونني فأنا مسمى لكل واحدٍ منهم مرة فريود ومرة فردوس وأخرى فافا وعند أوباب آيشا” ألا يرمز أولئك الأزواج الخمسة إلى مكونات السودان الإثنية والمرأة الى الوطن.

حملت فصول الرواية الأربع أسماء مجنّحة ذات دلالات عميقة مثال لذلك حفيف أجنحة الصخور ربما استلهمه الكاتب من نص سفر أشعياء الإصحاح الثامن عشر:

من وراء أنهار السودان من تلك الارض التي يسمع منها حفيف الاجنحة، من هنالك جاء الرسل خفافا سراعا في النيل على مراكب من البردى، أيها الرسل الخفاف خذوا هذه الرسالة وعودوا إلى أرضكم التي تجري خلالها الانهار، إلى

قومكم طوال القامة، ذوي البشرة الناعمة، الاقوياء الاشداء المهابين من جميع شعوب الارض”. وطريق النهر ربما أشار من طرف خفيّ إلى رحلة نبي الله موسى والرجل المعلَّم المعلِّم الذي تذهب بعض التفاسير أنه الخضر عليه السلام.

جاءت بداية الرواية محتفية بالوجوه المحروقة وأصحابها ولابد أن نستصحب معلومة هامة وهي أن كوش تعني أرض ذوي الوجوه المحروقة عند الإغريق إذن فالمكان هو السودان والزمان ماقبل ميلاد السيد المسيح لتنداح بعد ذلك أحداث الرواية ويتوالى ظهور أبطالها الكثر واحداً تلو الآخر.تصعد الرواية وتهبط سلّم الزمن وفي كل مرة تستصحب مشكلات إجتماعية أو إنسانية أو تكوينية وتطرح لها حلولا غير مباشرة من خلال أبطال الرواية مثل مشكلة الإغتصاب الجسدي التي عانى منها استيفانوس ومافعله صديقه مدّثر إزاء ذلك وربما نلمح ثمة علاقة بين ذلك الإغتصاب وبين هضم حقوق عانى منه بعض أفراد الشعب كثيراً.إذاً فقد طرحت الرواية عديداً من المشكلات مثل الهوية،الطبقية،الجندرية، ختان الإناث، الكهنوت وغيرها.

مارخدر الشخصية المحورية حمّلها الكاتب كثيرا من السيمياء والحمولات فهما رجلين (مارجرجس القديس ونبي الله الخضر) ،يتبادلان ألوان البشرة كما يتبادلان العمه والإبصار وبالتالي القيادة والإنقياد،وهما لا يفرقان في

مايبذلا من بركة أو كرامة بين ملة وأخرى وفي ذلك دلالة مستبطنة لمقولة” الدين لله والوطن للجميع”.ربما كان مارخدر هو نفسه ودالموية وبخيت وكأني بالراتب يريد قول أن لكل زمان مارخدر خاص به وفق مايقتضيه الحال.

البطولة في النص جماعية بامتياز والزوايا تنفتح وتنغلق والمشهدية تقترب وتبتعد كل ذلك في تناغم بديع ولغة ساحرة وكيمياء إكسيرية.ومثلما كان البعد الإفريقي حاضراً في البدايات، نرى البعد العربي متمدداً في الفصل الثالث كأن الكاتب أراد أن يقول بتفرد السودان الوجداني ذلك الذي قال به نفر من قبل في ماعرف بمدرسة” الغابة والصحراء” أمثال النور عثمان أبكر ومحمدالمكي إبراهيم.

جاءت الخاتمة مفتوحة كما يجب وحق لها ذلك فمثلا هذا العمل الأدبي الرفيع لايحتمل النهايات المغلقة.

أريد أيضاً الإشارة لجمال المفردات وبديع الإستعارات وعميق المجازات كما أشير الى اللفتة البارعة في أن تضبط بالشكل حرفاً حرفاً كما لاحظت قلة الأخطاء الإملائية والنحوية بشكل كبير.

إن كان لي من إستدراك فهو أن النص مركب وصعب وذو مستويات عدة في خطابه وربما كان هذا أيضاً من مزايا. عموماً النص يعتبر في نظري علامة فارقة في مسيرة الرواية السودانية وأرشحه لكبريات الجوائز العالمية فهو يستحق ذلك

الأستاذ الروائي/ عمر الصايم

ذاكرة الرصاصة والحب للشاعر السوداني/ محمد المؤيد  المجذوب

0

ذاكرة الرصاصة والحب

طفلٌ

عَلى التّابُوتِ

يشكُرُ رَبّهْ

إِذ أًرضُ موطِنِه

سَتَرقُدُ قُربَهْ

طِفلٌ وعلق في السماء نوارساً

وَعَلى نَقَاءِ الحبّ

أَرخَى هدبَهْ

لَو جُلتَ فِي عَينَيهِ

نِصفَ دَقيقةٍ

لَرأَيتَ مَن عشِق البِلادَ

تَشبّهْ

فِي قَلبِهِ

ثُقبٌ صَغيرٌ

لَم يَزَل

يَستَوقِفُ الدنيَا

لِتُبصِرَ ثُقبَهْ

وَمْضٌ

وذَاكِرةٌ تَجِيءُ وتَختَفِي

حُلمُ انحِسَارِ الحَربِ

أَعيَا قَلبَهْ

مُستَنفِرٌ بِالحُبّ

غَير تَسَاؤُلٍ:

هَل تُجهضُ الأَقدارُ حَقاً رُعبَهْ ؟

طِفلٌ

لِشِدّة حُبّهِ لِعِنَاقِهَا

تَبكِي قُرًى خُضرٌ

وَتركُضُ صَوبَهْ

نِيلانِ

مَا انتَظَراهُ نِيلاً واحِداً

إلّا مَخافَة أَن يُقسِّمَ حُبّهْ

مِن رُوحِهِ البَيضَاء

يَخرُجُ رَاهِبٌ ، ومُؤذّنٌ

نُورَانِ

صَارَا صَحبَهْ

فِي كَفّهِ السّمرَاء ألفُ قَصيدَةٍ

وَعَلى قَصائِدِهِ

يُوزّعُ شَعبَهْ

لَم يَكتَرِثْ أَبداً

بِأَنّ مَدِينَةً ،

بجَميع مَن فِيها

ولَم يَتَنبّهْ

حُرّاً

كَطَيرٍ ذِي جَنَاحٍ مُتعَبٍ

إِن عَانَقَ الأغصَانَ

فَارَقَ سِربَهْ

ثُقبٌ وحُبٌ

والرصَاصَةُ غَادَرت

قَلب الصّغيرِ

مَضَت لتُكملَ دربَهْ

مهمة بسيطة.. قصة قصيرة بقلم المبدعة السودانية / آلاء رفعت

1

أراقب الساعة على شاشة هاتفي المكسورة، كانت تشير إلى الثالثة إلا ربع، ربع ساعة أخرى حتى أستطيع الذهاب إلى المنزل يمكنني فيها ترتيب العيادة وجمع الحقن الفارغة والقفازات الملقاة على طاولة الطبيب إذ لا تعد الفراشة هذا من واجبها، يأتي الطبيب مساء ليجد طاولته ملأى بالمهملات بينما تصر الفراشة المسنة أن عملها هو تنظيف الأرضية وحسب، إلى أن قرر الطبيب أن هذه مسؤوليتي صاعدا متحججا بأنها مهمة يسيرة ولن تكلفني شيئا.
كنت تماما قد انتهيت من تلك المهمة اليسيرة عندما طرق الباب وظهرت سيدة ثلاثينية حبلى من خلفه تتقدم بخطوات ثقيلة.
: السلام عليكم، دكتور عبدالرحمن فات؟، سعلت مرتين.
حسنا،  لافتة ورقية رديئة كانت تتوسط صالة انتظار المرضى توضح مواعيد العمل لكنها لم تذكر أن الطبيب قد يخرج مبكرا بعد اتصالات مكثفة من زوجته لتذكره بموعد الغداء المهم عند أهلها.
: أيوة طلع، دوامو التاني بيبدأ الساعة 6 ممكن ترجعي ليهو بعدين.
: كتب لي حقنة لكن والله من قبيل لافة في الصيدليات بفتش فيها دابي لقيتها. ومدت لي وصفة طبية، كان مضادا حيويا يدار عبر الوريد.
: طيب، اقعدي في الكرسي. هي مهمة بسيطة لن تكلفني شيئا، دمدمت في نفسي حين لمحت الساعة تشير إلى الثالثة.
أعود إلى البيت منهكة من هذا اليوم الثقيل، زحمة المرضى والمشي جيئة وذهابا لنداء أسمائهم غير المفهومة أحيانا تنهكني حقا، ما داعي اسم خصيصة مثلا؟ ثلاثون اسما غيره يمكن لذاك الأب المتعنت تسميته لابنته التي ستتزوج وتحبل وتختار هذه العيادة لمتابعة حملها فيها، ثم ماذا عن هذه الخصيصة؟ لم تسمح للآخرين مناداتها بخسيسة؟ لتسيء إلى نفسها أولا ثم لتجعلني أعيده مرارا و تكرارا بنطقه الصحيح بينما هي تلتفت حولها ببلاهة.
أحاول إقناع نفسي بأنها مهمة يسيرة لن تكلفني شيئا.
كانت الساعة الخامسة عندما رن هاتفي، دكتور عبدالرحمن مجددا.
: أهلا يا دكتور.
: قولي السلام عليكم يا بنتي.
: وعليكم السلام يا دكتور، اتفضل.
: الممرضة المسؤولة عن مناوبة المساء اعتذرت عن الحضور، فقلت أكلمك عشان تغطي معاي المناوبة.
: معليش يا دكتور المسألة صعبة لكن ممكن أشوف زميلاتي ال…
قاطعني: لا لا، ما عاوز ممرضة ما حصل اشتغلت معاي، أرجوك حاولي تغطي وأكيد عندك زيادة في المرتب.
: لكن يا دكتور…
:يا بنتي قلتليك في زيادة في المرتب، بعدين انت زولة مؤهلة مناوبة زي دي حاجة بسيطة ما بتكلفك شي.
أتذكر محفظتي الفارغة إلا من خمسين جنيها دفعت منها لكمساري الحافلة واشتريت بها كيسا من فول الحاجات.
: طيب يا دكتور، مسافة السكة.
أنا في العيادة مجددا، أرتمي على الكرسي بعد عمل طويل، الفراشة اللئيمة تمد ممسحتها تحت قدمي بفظاظة، أرمق دكتور عبدالرحمن بنظرة حانقة سرعان ما أبدلها بنظرة مستفهمة عن سبب تحديقه المفاجئ في.
:يا بنتي، شكلك تعبانة قومي أمشي البيت.
:الراتب متين يا دكتور، الليلة يوم 5 !
يعيد نظره إلى ملفات المريضات أماه  ويردف
:قريب قريب.
أنهض وأحمل حقيبتي لكنه سرعان ما يباغتني بطلباته التي لا تنتهي
:عليك الله يا بنتي قبل ما تطلعي حكلفك بمهمة بسيطة ما بتكلفك شي، عاوزك تسجلي لي أسماء المريضات ديل في الكمبيوتر..
أقاطعه: قصدك اللابتوب.
:آي، عاوزها مرتبة و…
يرفع جانب جسمه الأيمن و يحشر يده في جيبه، طيف من السعادة اجتاحني عندما تخيلت أنه سيعطيني حافزا أو جزءا من راتبي أو حتى أجر مناوبة اليوم، لكن سرعان ما تلاشت تلك السعادة عندما أخرج فلاشة قديمة من جيبه.
: وبعد ترتبي الأسماء ختيها في الفلاشة دي .
كنت أود في تلك اللحظة تناول الممسحة من الفراشة و تحطيم ذراعها الخشبي على رأسه.
: لكن يا دكتور الساعة 10،كدا حتأخر على البيت، بكرة حعملها ليك.
:خلاص طيب الليلة وبكرة واحد ما في مشكلة.
أغادر أخيرا، النوم.. فقط أريد أن أنام.
صباحا، كنت أشرب الشاي عندما رن هاتفي، من سوى دكتور عبدالرحمن سيتصل بي في هذا الوقت؟
: يااا بنتي السلام عليكم.
: وعليكم السلام يادكتور، الساعة يادوب ستة ! أقولها بينما أمضغ الخبز .
يضحك ثم يردف: فعلا الوقت بدري لكن مضطر أتصل أبلغك إني حسافر بكرة لمؤتمر في القاهرة والليلة يومي مليان ما حجي العيادة.
أفتح فمي متفاجأة وأنسى الخبز، أيعني هذا أني في إجازة؟
: لكن عاوزك في مهمة بسيطة ما حتكلفك شي، عندي 9 مريضات عندهم جرعات حديد، و3 مريضات عندهم جرعات مضاد حيوي، بالإضافة ل…
: يا دكتور مش ممكن تخليهم لمناوبة المساء؟ خلي الممرضة تغطيهم وكدا نعتبر خالصين أنا وهي.
:يا بنتي أنا قلتليهم مواعيدكم الصباح، وممرضة المساء معتذرة من امبارح، بعدين بيني وبينك يا بنتي أنا بثق فيك لإنك إنسانة مؤهلة ودي مهمة بسيطة جدا بالنسبة ليك.
: طيب بالنسبة للراتب ال…
: يا بنتي قريب.
أزفر زفرة طويلة
: طيب يا دكتور، المؤتمر كم يوم؟
:يومين.
:طيب، مع السلامة.
أهم بوضع الهاتف على الطاولة لكنه يرن مجددا.
:أيوة يا دكتور؟
:بالله عليك ما تنسي تكتبي لي أسماء المريضات، ختيت ليك الفلاشة في…
أغلق الخط غاضبة وأضع الهاتف جانبا، أعزم على عدم الإجابة لو اتصل مجددا.
ماهي إلا دقائق حتى أضاء هاتفي برسالة منه
: وضعت لك الفلاشة في درج المكتب الأيمن، أعيديها في الدرج بعد أن تنتهي، يبدو أن الخط انقطع لكنني سأعاود الاتصال بك نهاية اليوم .
ما هذا الرجل الثقيل؟!
أتوقف عند دكان سيد لأمارس عادتي كل نهاية شهر.
: سيد ازيك.
يجيبني بلثغته المحببة
:وين يا ثثتر، مختفية مالك؟
السودانيون وحدهم من تجمعهم علاقة صداقة وثيقة بأصحاب الدكاكين.
:والله بس الشغل المابينتهي دا، بتك بقت كيف؟!
:والله يدك مبروكة من حقنتك ديك تاني ما عيت.
أضحك عاليا: طيب الحمدلله، عليك الله عاوزة لي 100 جنيه، رواتبنا اتأخرت كالعادة.
:ولا يهمك، ربنا يدي العافية.
يمد لي المال فآخذه وأسرع نحو موقف الحافلة.
الكثير من المريضات يسألن عن الدكتور عبدالرحمن، تتوافد إليه عشرات المريضات يوميا بعد أن ذاع صيته بعد حادثة الحبلى التي ولدها على متن الطائرة دون أي مضاعفات للأم أو الطفل، الصدفة خدمت دكتور عبدالرحمن خدمة جليلة، بالإضافة إلى تواضعه وحسن معاملته للمريضات، لكن بالنسبة لي بات بخله الشديد يشكل ضغطا على حياتي التي لا مصدر لي للدخل فيها سوى عيادة دكتور عبدالرحمن، الكثير من الديون من صاحب الدكان وبائع الكافتيريا وست الشاي التي تجلس مساء في مدخل سكن الممرضات.
كانت الساعة الثانية ظهرا عندما أنهيت عملي، أجلس إلى اللابتوب وأعيد ترتيب الملفات المتكدسة على المكتب حسب التاريخ، يعدني الدكتور عبدالرحمن ذراعه الأيمن وأستفيد أنا من خبرته الطويلة، لكنه دوما يسقط بعض المعلومات الأكاديمية أثناء عمله بينما تكون في متناول عقلي الذي لم يغب منذ أمد طويل عن المراجع والمحاضرات، أشعر بتكدر يعلو وجهه كلما صححت له معلومة أو ذكرته بتفاصيل تغيب عنه بين الفينة و الأخرى عندما أراجع معه ملفات المريضات، بالإضافة إلى جهله التام كعادة الأطباء بمهارات التمريض الأساسية .
مؤخرا لم يعد هذا يهمني، فقط بخله الشديد يرهقني.
بعد ساعة من الطباعة والتنسيق كنت قد انتهيت من مهمتي، فتحت درج المكتب الأيسر لآخذ الفلاشة لكني تذكرت أنها في الدرج الأيمن، قبل أن أهم بغلق الدرج الخاطئ لمحت فلاشة أخرى غير تلك القديمة التي رأيتها في يده البارحة، أتراه قد أخطأ وأخبرني أنها في الدرج الأيمن بينما هي في الأيسر؟
فتحت الدرج الأيمن فوجدت الفلاشة القديمة، تساءلت قليلا عن محتوى الفلاشة الأخرى لكنني لم أكترث بشأنها طويلا.
كنت أغط في النوم عندما اتصل بي الدكتور عبدالرحمن ليطمئن على سير الأمور في العيادة ويخبرني أنه سيسافر على طائرة السابعة صبيحة اليوم التالي، كنت نائمة تماما عندما تمنيت له السلامة، أو هذا ما أظن أنني قد قلته.
لم أستفد كثيرا من سفر الدكتور عبدالرحمن الموافق ليوم الجمعة، لكن مجرد بعده عن المدينة يجعلني أشعر بالحرية من المهام التي ستلقى علي حتى ولو كنت في إجازة، كثيرا ما تلومني زميلاتي على تحمل ثقل العمل مع الدكتور عبدالرحمن، أنا كذلك أشعر أحيانا أنني أريد العمل في مكان أخف ضغطا لكن المنافسة في مهنتنا محتدمة وخبرتي البسيطة تقلص من فرص ظفري بعمل أقل ضغطا و أكثر أجرا.
رن هاتفي برقم غير معرف، أحمد الله أنه من داخل السودان وإلا كنت سأعتبر اتصالات الدكتور عبدالرحمن لعنة تطاردني عبر الحدود.
صوت نسائي على الطرف الآخر.
:أهلا بك من معي؟
:هل أنت الممرضة إيمان ؟
:نعم أنا هي.
:معك مدام رانيا زوجة الدكتور عبدالرحمن.
:أهلا بك يا مدام، خير، الدكتور بخير؟
صمتت قليلا، ثم قالت وقد تغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر جدية
:في الحقيقة أريد لقاءك لمناقشة موضوع مهم معك ولتعود الأمور إلى نصابها.
:ما هو الموضوع؟
:لا بد أن نلتقي، أنا أعرف أنك تسكنين سكن الممرضات صحيح؟
:نعم.
:سآتي لأصطحبك إلى أحد المقاهي عند الساعة الخامسة.
:أنا حقا لا أعلم السبب الذي يجعلني ألتقيك، لكن لابأس.
:ستفهمين كل شيء يا أمورة. قالتها بنبرة تهديد وأغلقت الخط.
ما بها هذه السيدة المجنونة؟ أي أمور تلك التي لابد أن تعود إلى نصابها؟ من أين أتت برقمي و كيف عرفت بمكان سكني؟ خالجني خوف عندما تذكرت نبرتها الجادة.

كانت الخامسة تماما عندما اتصلت بي مدام رانيا مجددا.
:أنا أمام البوابة، أنتظرك.
خلال ثلاث دقائق كنت أمام البوابة أيضا، جلت بنظري في الشارع فلمحت سيارة هونداي حديثة وسيدة خمسينية خلف المقود، اقتربت من السيارة بينما كانت تحدق في ثم تعيد نظرها إلى بوابة السكن فشعرت أنها الشخص الخطأ، لكن لا أحد ينتظر هنا سواها.
تراجعت إلى الرصيف ورفعت هاتفي لأتصل بها، لكنها اتصلت قبل أن أفعل.
:أين أنت؟. سألتْ بفظاظة
انحنيت قليلا لأرى السيدة الخمسينية فوجدتها تمسك بهاتفها جوار أذنها.
اقتربت مجددا من السيارة وطرقت النافذة، أنزلت زجاج النافذة في دهشة لم أعرف مبررها.
:أنت إيمان؟. سألت بخيبة
أومأت نعم.
:اصعدي .
طوال الطريق لم تتكلم كلمة واحدة، كنت أراقب ملامحها القاسية تتكدر شيئا فشيئا وأصابعها السمينة التي تفرقعها كلما توقفنا في إشارة مرور.
:اتنين قهوة لو سمحت!. قالت للنادلة ،هي حتى لم تسألني إن كنت أريد القهوة أو لا.
:اتفضلي، ما الموضوع؟
:في الحقيقة أنا محرجة.. وصمتت
:محرجة؟مم؟
:الظاهر في سوء فهم حصل،وأنا اتصرفت بتسرع و… صمتت مجددا
:ممكن تتكلمي بوضوح! قلتها وقد ضقت ذرعا بصمتها المتكرر.
:في الحقيقة، أنا شاكة إنو عبدالرحمن عندو علاقة مع واحدة غيري،حب أو زواج ماعارفة.
:وأنا علاقتي شنو بالموضوع؟!
كانت النادلة قد وضعت القهوة.
:المعلومة المتأكدة منها إنو على علاقة بممرضة شغالة معاهو، فاتوقعت من اتصالاتو الكتيرة بيك إنو دي انتي..اعذريني بس أنا مشوشة تماما و..
قاطعتها:واسي كيف اتأكدتي إنو أنا ماهي؟
:شفت صورة في تلفونو،صورة ليهو معاها،عشان كدا ربطت الصورة بالاسم..ولمن شفتك اتفاجأت..
:طيب واسي عرفتي إنو دي ما أنا،أستأذن أنا بعد كدا
أمسكت يدي عندما هممت بالمغادرة
:أنا بالجد بعتذر إنو اتكلمت معاك بأسلوب ما لطيف، بس عاوزاك تختي نفسك مكاني.. عبدالرحمن بقى مهملني أنا والأولاد والبيت.. علاقتنا شبه ماشة على انفصال بسبب المشاكل اليومية..أنا ماعندي مشكلة يتزوج بس يكون واضح ..الكذب ماحبابو ..ماصدقت إنو سافر المؤتمر دا عشان أفتش المخلوقة دي و أأدبها.
ثم مسحت دموعها
:أوعديني إنو يبقى سر وبعتذر ليك تاني .
نهضتُّ وغادرت المقهى مسرعة.
عدت إلى السكن و أنا أضرب أخماسا بأسداس.
لست منصدمة كثيرا بنزوة الدكتور عبدالرحمن،هذا شائع عند الأطباء الذين أفنوا عمرهم في دراسة الطب و ممارسته نائين بأنفسهم عن ممارسة بقية جوانب حياتهم بشكلها الطبيعي ليجدوا أنفسهم فجأة قد فاتهم الكثير، بعد أن جمعوا الكثير من الأموال وحققوا الوضع الاجتماعي الذي لطالما حلموا به.
هذا أيضا يفسر مزاجه الرائق مؤخرا،ابتسامته كلما رن هاتفه وخرج من العيادة متعذرا بأنه سيقصد الشارع ليدخن.
لكن، من تكون هذه المخلوقة؟المدام رانيا تقول أنها ممرضة تعمل معه بينما أن الدكتور عبدالرحمن لا يعمل سوى في عيادته وإحدى المستشفيات الخاصة التي يجري عملياته بها.
هذا يقلص احتمالات أنها …
:مدام رانيا،أنا سستر إيمان.
أرسلت لها عبر تطبيق الواتساب .
كنت قد نمت عندما أرسلت لي
:إيمان،ازيك يابنتي.

كان صباح السبت،لا عمل اليوم مما جعلني أستيقظ عند الحادية عشر، كنت أجلس أشرب الشاي في الشرفة بينما أراسل مدام رانيا.
:في الحقيقة يامدام رانيا أنا أعتبر الدكتور عبدالرحمن بمثابة الأب، وهذا جعلني أتعاطف معك بطريقة ما.
:ياسلام عليك
وبالجد بعتذر لو كنت أزعجتك بأسلوبي في الأول بس حقيقي الدنيا قافلة في وشي
ربنا مايدوقك القهر يابتي
:طيب يامدام ممكن نتلاقى تاني،يمكن أقدر أساعدك.
توقفت عن الكتابة برهة ثم عاودت الكتابة
:كيف؟!
:نتلاقى الساعة 5 في نفس مقهى أمس وبفهمك كل شي.
:طيب .. طيب..
كنت قد وصلت قبلها إلى المقهى الفاخر وما إن رأيتها على الباب حتى استدعيت النادلة.
كانت مدام رانيا تجلس بينما طلبت من النادلة كوبين من الشاي.
:أها يابتي،وريني العمل شنو؟ كان وجهها شاحبا أكثر من الأمس.
وضعت ذراعي على الطاولة وابتلعت ريقي في حركة درامية.
:أتذكر قلتي لي إنك شفتي صورة لدكتور عبدالرحمن مع الممرضة
:الله يفكنا منها.. قاطعتني
:الله يفكك منها،المهم..الصورة دي عندك؟!
:للأسف ماعندي،كان شفتها في تلفونو بالصدفة وماقدرت تاني ألقاها عشان أحفظها عندي.
:طيب،وصفي لي أوصافها العامة ..بتتذكريها؟
:ماشديد و الله،بس وريني انتي عاوزة تعملي شنو ؟
:عاوزة أدلك عليها.
:ياريت ياريت،وصدقيني لو قدرتي تعرفيها ليك مني العاوزاهو.
هززت رأسي مبتسمة.

اليوم التالي كان موعد عودة الدكتور عبدالرحمن من سفره،لم أكن متأكدة ما لو كان سيداوم هذا اليوم في العيادة أم لا،لكن.. وعلى غير العادة كنت مفعمة بالنشاط للذهاب إلى العيادة،لم أكترث كثيرا بالفراشة ولا بحضور الدكتور عبدالرحمن ولا بإلحاح المريضات المزعج عادة، لم أسأل حتى عن الراتب المتأخر،الأدرينالين كان يتدفق في أوعيتي الدموية بشكل رهيب طوال اليوم.
مساء،كان هاتفي يرن  بينما أدخل غرفتي حاملة جهاز لابتوب استعرته من إحدى الزميلات.
:أهلا دكتور عبدالرحمن،أقصد السلام عليكم.
:إيمان مساء الخير،لم يسلم كعادته و كان صوته منزعجا.
:خير يادكتور؟!،سألته بينما أشغل الجهاز و أحشر الفلاشة العجوز في جانبه.
:عندي فلاشة مفقودة ،كانت في درج المكتب اليسار .
صمت قليلا بينما أشاهد صوره مع عشيقته .
:آ،فلاشة؟!قصدك الفيها بيانات المريضات؟
:لا لا،وحدة تانية مخزن فيها بعض الأشياء الخاصة.
:خاصة؟!سألته بينما أكتم ضحكتي
:آمم،يعني محاضرات و كتب وحاجات أكاديمية.
:لا ماشفتها،لكن لو لقيتها بحفظها ليك،بتكون نسيتها في مكان تاني يادكتور.
:احتمال..احتمال.و أغلق الخط.
كما توقعت تماما،كانت الممرضة التي حدثتني عنها مدام رانيا هي سستر ثويبة،ممرضة المساء!
لم أكن أعرف الكثير عن سستر ثويبة سوى أنها ممرضة المساء،ولم تجمعني بها أية مناسبات كإفطار اتحاد التمريض الجماعي أو حتى زواج إحدى الزميلات،لكنني أزال أتساءل عن طبيعة علاقتها بالدكتور عبدالرحمن،أهي زوجته أم مجرد عشيقة.
أقرب وجهي من الشاشة التي كانت صورتها معه تتوسطها،ليس ثمة محبس ذهبي حول إصبعها،لا حناء على أصابعها أو حتى أثر لها،أقص صورتها وأرسلها إلى هاتفي،أنا تماما أعرف أين تكون وجهتي التالية،رضا..زعيمة سكن الممرضات والممرضة الأقدم في السكن.
كانت الضحكات تتعالى من حجرتها عندما طرقت الباب.
:خشي يالسمحة.. قالتها بصوتها الأجش ،ثم ضحكت عاليا فور أن رأتني
:ويين ياإيمان..عيادة شارع الحوادث سرقتك مننا !
كانت تجلس على السرير  تحيط بها الكثير من الفتيات بينما تحمل سيجارتها و تلوح بيدها الأخرى لتجفف القناع الطيني على وجهها، كانت رضا أخت الجميع بلا استثناء ماجعل لها شعبية كبيرة في السكن وفي أوساط الممرضات، خدومة وطيبة على الرغم الكثير من الإشاعات التي تتداول عنها.
جلست بجانبها عندما قالت بصوت مرتفع: هيي يالسمحات،السهرة انتهت،عندي كلامات مع إيمان دي خلونا برانا.
ربتت على خدي وأردفت:كملتي من اللحم يابت،مالك؟
:والله يارضا بس جري الشغل،جاياك في خدمة، عاوزة أسألك من وحدة.
مددت هاتفي لأريها صورة ثويبة.
:هيي تتجازي دي ثويبة المفترية،جبتي صورتها من وين يختي؟
:بتعرفيها؟
:حق المعرفة،دي الدفعة البعدنا،لكن شايفة روحها وماعاجبها زول،كانت ساكنة معانا في السكن أيام الخدمة الوطنية لكن قالو اشتغلت في عيادة ومن ديك خلت السكن.
:أخلاقها كيف ثويبة دي؟
:والله ماشفنا عليها شي،بس كانت فارزة عيشتها و ما محتكة بزول،بس انتي بتسألي منها ليه؟!
:عاوزاها لخالي.
أطلقت رضا ضحكة عالية لم أفهم معناها.
:البت دي مخطوبة و الله يإيمان!
:معقولة؟
:آي و الله،مخطوبة طولت لود خالتها تقريبا،كان أيام الجامعة طوالي بيجيها في الكلية.
:طيب مش يمكن فسخت خطوبتها؟!
:لا لا قطع شك،قريب لاقيتها معاهو في شارع النيل،يابتي لمن حددت العرس .
:خسارة و الله،كدي اتأكدي لي من موضوع خطوبتها دا لإني سمعت بيها زي الفسختها،و خالي دا مستعجل و بسرية عليك الله.
:اعتبريني انجزت يابتنا،كان ما السرية دي السكن دا كان بيكون قاعد لسه يابتي؟! وغمزت لي بخبث بينما كانت تمسح وجهها بقطنة مبتلة.
خلال أيام كانت رضا قد جمعت كل معلومات ثويبة و معلومات خطيبها و أعطتني إياها مكتوبة على ورقة ذات مساء.
:لكن يا رضا أنا ماقلت ليك عاوزة دا كلو .. وضحكت أتصنع المفاجأة لأخفي حماستي
:هيي يابتنا،أنا رضا! حنك دايراها لخالك دا مامشى علي.
ابتلعت ريقي وابتسمت ببلاهة.
:لكن عرفتك عندك مصلحة بيها،و انا بعز الناس الأصليين،بس ماتنسي حلواني بعدين.
كنت متسمرة في مكاني بينما أراها تخرج من غرفتي.

كان لزاما علي أن أغطي مناوبة المساء بعدها لعدة أسابيع ريثما نجد ممرضة بديلة لثويبة بعد أن أخبرني الدكتور عبدالرحمن أن ثويبة قد تركت العمل في العيادة لأسباب عائلية،كنت أعلم أنه يكذب و ربما أنه ينفق عليها أضعاف ماتقبضه من أجر عملها هنا مما لا يضطرها للعمل أساسا.
اقتربت من بواب العمارة النائم على الكرسي.
:سلام عليكم.
اعتدل جالسا ومسح لعابه من جانب شفته.
:وعليكم السلام.
:بسأل من رقم  شقة سستر ثويبة.
:ماعرفتها ثويبة دي و الله.
فتحت له صورتها على الهاتف.
:آآ،قصدك مدام رانيا زوجة دكتور عبدالرحمن!
:أيوة .. غلطت في الاسم معليش..شقة كم؟
:بس معليش يابتي انتي قريبتها؟
:احنا زميلات عمل وأنا جاية من السفر امبارح و عاوزة أصلها،و للأسف رقمها ضاع مني.ثم دسست في يده ورقة من فئة الخمسين استدنتها من صاحب الدكان.
:شقة 3،الدور التاني.قالها بينما يحشر المال في جيبه.
صوت جرس شقتها كان عاليا يشق هدوء العمارة الفاخرة، بدا وكأن ببغاء ضخما يزقزق من داخل الشقة،لمحت خيالها تنظر عبر العين السحرية للباب فقربت وجهي من الباب و ابتسمت،طرقت الباب بعد أن تأخرت قليلا.
:أفتحي ياثويبة،أنا إيمان.
فتحت الباب يعلو وجهها الفزع.
:إيمان عاوزة شنو؟!
دفعتها و دخلت الصالة الواسعة و جلست على الأريكة،استطعت ملاحظة ارتجاف أطرافها بينما تحدق بي.
:معليش على الزيارة المفاجئة،و الله يا ثويبة مزنوقة في قروش قلت أجي أشيل منك حق المناوبات السديتها ليك.
:عرفتي الشقة كيف؟!
:عادي..كل الناس عارفة إنك ساكنة هنا!اصفر وجهها.
:بهظر معاك يابت مالك خفتي كدا.
:ماعندي ليك أي قروش .. مستحقاتك تاخديها من دكتور عبدالرحمن واتفضلي أطلعي برا!
أخرجت الإسطوانة المضغوطة من حقيبتي المهترئة ورميتها لها على الطاولة.
:دا شنو؟!سألت بغضب.
لم أجبها،أسرعت وأحضرت حاسوبا محمولا و أدخلت الاسطوانة فيه،امتقع وجهها تماما و هي ترى صورها مع الدكتور عبدالرحمن،أستطيع أن أرى جبينها المبلل.
:انتي قايلة روحك بتبتزيني كدا؟غشيمة انتي و لا شنو؟!
:أبدا أنا ماببتزك،أنا عاوزة حقي،لا أكتر و لا أقل.
:عاوزة كم اخلصي؟!
:5 ألف جنيه بس!
نهضت من مكانها وأمسكت بثيابي مهددة.
:يامقطعة ياجعانة جاية تبتزيني أنا؟انتي ماعارفة أنا منو؟ولا ماعارفة أبوي منو و ممكن أعملليك شنو؟
أفلت من قبضتها الغاضبة.
:بعد الإساءة دي عاوزة 6 ألف.
جن جنونها،:يابت انتي ماشايفة شكلك و خلقتك دي ،جنيه واحد ماف ليك و أعلى ماف خيلك أركبيهو.
:لا لا،كدا حتخليني أقولليك عاوزة 10 عديل.وضحكت باستفزاز
:أطلعي با يابت ال…..
:كدا يعني ياثويبة دا آخر كلام عندك؟!
:أطلعي برا و تاني لو عتبتي باب العمارة دي حجيب ليك البوليس فاهمة ولا لأ!
:تمام ياستي.
خرجت سريعا من شقتها و صفقت الباب خلفي بقوة،كنت أعلم أنها تخشى من انكشاف أمر خطوبتها للدكتور عبدالرحمن،لذا كانت تبيت عدة أيام فقط في شقتها كيلا يعلم خطيبها من الجهة الأخرى بلعبتها الخسيسة التي تمارسها حسبما فهمت من البواب الذي تحدثت معه طويلا قبل و دسست له آخر ورقة خمسين قبل أن أعود للمنزل.
في الصباح التالي اتصلت بدكتور عبدالرحمن لأعتذر عن الدوام متعللة بفايروس انفلونزا يهاجم مناعتي.
أغلق أنفي بإصبعيّ ليبدو صوتي مزكوما.
:السلاب عليكم دكتور عبدالرحبن.
:أهلا ياإيمان،خير؟!يبدو صوتك متعبا!
::أيوة عندي زكاب و بعتذر عن الدواب الليلة.
:لا لا ياخ،يازولة سلامتك،ان شاء الله تكوني شفتي بديل؟!
:أيوة أكيد،حتجيك زميلتي تغطي اليوم.
:طيب طيب،بالشفا،ماوريتيني زميلتك اسمها منو؟
:اسمها رضا..رضا يادكتور.
أقفلت الخط و توجهت نحو موقف الحافلة بعد أن استدنت من سيد الدكان خمسين جنيها أخرى.
خلال نصف ساعة كنت أقف أمام بنك السودان المركزي حيث يعمل أحمد مصرفيا،خطيب ثويبة.
:أستاذ أحمد كيفك؟!
:أهلا بك،كيف أخدمك؟!
:أنا إيمان زميلة خطيبتك ثويبة.
همس لزميله في المكتب ودعاني للخروج خارج المكتب لنكمل حديثنا،كنت قد هاتفته ليلة أمس و زعمت أن لي خلافا مع ثويبة و أريد منه أن يصلح بيننا.
:اتخيل يا أستاذ مشيت ليها بيتهم عشان أعتذر منها طردتني.وأطرقت أسفا.
:معقولة ثويبة تعمل كدا؟مامن حقها و الله،بس انتي ماحكيتي لي سبب المشكلة؟!
:موضوع تافه،قروش بيناتا و اتغالطنا فيها،و أنا و الله ماهاماني القروش قدر مامتحسرة على إني خسرتها كزميلة.
نظرت له ببراءة ثم قلت:مابحب زول يزعل مني و الله.
:لا ولا يهمك،الموضوع عندي و إن شاء الله ما يحصل إلا كل خير.
ابتسمت و استأذنته بالذهاب بعد أن شكرته.
مساء كنت مع رضا التي عادت منهكة تماما من العيادة.
:رضا.. حية و لا ميتة؟
:يختي هيي دا بتقدري عليهو كيف؟!
:المعايش جبارة و الله،عايني أنا راتبي متأخر ليهو شهرين و الله،وماحقدر أديك ال…
قاعتني:يابتي دي مهمة بسيطة مابتكلفني شي على قول دكتور عبدالرحمن، مستنية حلاوتي بعدين يا السمحة! أبتسم لها و أغادر حجرتها المختنقة بدخان السجائر،ما إن أستقر على فراشي حتى يرن هاتفي،أوووه ..ثويبة شخصيا!
:أحمد كيف ياثويبة؟! أسألها فور أن أفتح الخط
:عاوزة كم يابت ال…
:لحد قبل شتيمتك الأخيرة كانت 10،اسي بقت 12.
:انتي..انتي قايلة نفسك منو؟و الله ألم فيك أندمك اليوم اللاقيتيني فيهو..
أقاطعها بعد أن أعتدل جالسة:أسمعي انتي،و الله خلال يومين تجيبي لي المبلغ كان بها،تعتبري دي صفحة و اتقفلت،ما تجيبي القروش نسخة من السي دي حتمشي لمدام رانيا و نسخة لناس بيتكم و نسخة لأحمد،و نسخة أتفرجها مع بنات السكن،أحسن تفكري كويس لأنها يومين ماليها تالت.
أغلق الخط في وجهها.
كانت مدام رانيا تراسلني كثيرا لتعلم ماتوصلت إليه في بحثي عن عشيقة زوجها،وكنت أماطلها كل مرة و أتعذر بأنني منشغلة كثيرا و أنني أواصل البحث عنها.
مضى اليوم التالي سريعا ،كنت أتفقد هاتفي كل برهة لأتأكد ما لو كانت ثويبة قد راسلتني أو اتصلت بي أثناء العمل،لكنها لم تفعل طوال اليوم ولا حتى اليوم التالي من المهلة،لم أكن لأفضحها على أية حالة لكنني خسرت فرصة ذهبية كانت ستغطي لي ديوني و تتيح لي إرسال مبلغ مالي لوالدتي في القرية،صبيحة اليوم الثالث كنت متكدرة جدا عندما توقفت عند سيد صاحب الدكان لأستدين منه كعادتي.
:أوو ثثتر إيمان..
:سيد ازيك،و الله عارفة روحي كترتها و مسختها بالدين الكتير لكن..
صمت قليلا ثم قلت بغضب
:انت عارف ياسيد شغل زاتي ماماشة،مرتك قاعدة؟!
:آي ..
:قولليها جاية أتونس معاها المغربية.
:تشرفي في أي وقت.
استدرت وركلت حجرا كان في طريقي إلى السكن بعد أن قررت أن أترك العمل و أعود غدا إلى المنزل.
:دقيقة ياثثتر،عندك أمانة عندي.
:أمانة شنو؟!
:و الله جات وحدة كانت ساكنة معاكم بس مامتذكر اسمها،ختت ليك كيس و كتبت فوقو اسمك.
بعد خمس دقائق كنت أنا و رضا نعد المال.
:12 ألف يابت اللذين..دي عملتيها كيف؟!أحكي لي..
:بعدين بحكي ليك اسي لازم ألحق العيادة،حسبت سريعا ألفي جنيه و وضعتها بين يدي رضا
:دي حلاوتك ،جيبي ليك سفنجة جديدة بدل بتاعتك المتوفية دي.
ضحكت عاليا كعادتها بينما كانت تحسب المال بين يديها.
كنت سعيدة جدا بانفراج أزمتي أخيرا،عملت بنشاط و لم أتبرم من أسماء المريضات الغريبة،بعد الدوام عرجت على السوق،اشتريت كحلا و حذاء جديدا ،كنت حريصة ألا أسرف في المال كي أستطيع شراء هدية لوالدتي و أبناء أخي في القرية.
مساء كنت أشرب الشاي مع سيد و زوجته في منزلهم .
:ماكنتي تتعبي نفسك يادكتورة و تجيبي معاك دا كلو،قالت زوجة سيد بينما تشير إلى صحن الحلويات الذي ابتعته من المخبز القريب.
يهب سيد معترضا:يافوذية دي مادكتورة دي ثثتر،الثثترات ديل أحثن ذاتو من الدكاترة.
:و الله كلو مرة بنسى ياسستر،ان شاء الله شغلكن مامتعب؟!
:لا أبدا،مهمات بسيطة مابتكلف شي.
كنت في الباب عندما أعطيت سيد ديني المؤجل،عرجت كذلك على ست الشاي و بائع الكافتريا و خلصت ديوني أخيرا ،لطالما كانت الديون صخرة ثقيلة تثقل الصدر.
بعد يومين..
كنت أجمع القفازات من على المكتب بينما الدكتور عبدالرحمن يراجع ملفات مريضات اليوم.
:يادكتور،الراتب يادكتور..
:أيوا ذكرتيني ..أخرج رزمة من المال من أحد الأدراج..
:هاك يابتي..و نأسف كثيرا للتأخير.
:أخذت المال ووضعته في الحقيبة و عدت لأكمل ترتيب العيادة.
:ثويبة عزمتك عرسها يادكتور؟!
:ثويبة منو؟!سأل بلا اكتراث
:ثويبة ..سستر ثويبة ممرضة المساء..طبعا هي مخطوبة من أيام الجامعة بس يادوب شكلو أمورهم اتسهلت.
خلع نظارته ورفع رأسه نحوي دون أن ينطق بكلمة..
:أنا في الحقيقة ماعزمتني هي..كلمني خالي،خطيبها طلع صاحب خالي بالصدفة اتخيل.
ظل صامتا يحدق في..و ماهي إلا دقائق حتى حمل حقيبته و غادر المكتب .
ما إن غادر حتى أرسلت رسالة إلى المدام رانيا
:في فلاشة في شنطة الدكتور في الجيب الخلفي،أول مايصل شيليها بدون مايشوفك و لما تكوني قاعدة معاهو في الغدا أديهو الفلاشة و ماتقولي أي شي لو سألك.
:الفهم شنو ؟!
:انتي نفذي القلتو ليك،و ثقي فيني.
:الفلاشة فيها شنو؟!
:كتب و مراجع و محاضرات،ممكن تتأكدي منها بنفسك،بس انتي نفذي القلتو ليك.
:مع إني مافاهمة شي بس أوكي.
صباحا كنت في طريقي إلى القرية بعدما أخذت إجازة من العمل لأزور والدتي بعد غياب طويل،كنت ألقي نظرة إلى حذائي الجديد بزهو و أنتشي كلما تذكرت كل الأشياء التي فعلتها خلال الشهرين الفائتين.
:إيمان،عبدالرحمن متغير تماما،أمس ساقني أنا و الأولاد اتعشينا برا بعد ماكان مابيقعد معانا أكتر من تلات ساعات على بعض و بيكون ساكت،أنا صراحةماصدقتك و شفت محتويات الفلاشة لقيتها فعلا كتب طبية و مراجع،وريني بس انتي عملتي شنو؟
:مهمة بسيطة ماكلفتني حاجة!




المحكي السير ذاتي وخصوصية  الساردة الأنا في الرواية النسائية السودانية الحديثة بقلم الأستاذ الناقد الأكاديمي / عز الدين ميرغني  

0

آمنة الفضل – ناهد قرناص – وغادة عبد العزيز نماذجا

بقلم الناقد الأستاذ/ عز الدين ميرغني

مقدمة:

ظهرت في السنوات العشر الأخيرة العديد من الأصوات الروائية النسائية السودانية . وهي ظاهرة حميدة حيث وجدت الروائية السودانية فرصتها وحريتها في كتابة ذاتها وقضايا جنسها والمرأة التي تمثلها بالأصالة وليس بوكالة الرجل الكاتب عنها . ومن الأصوات الجديدة التي ظهرت في خلال هذه الحقبة الزمنية , الروائية آمنة الفضل  في روايتها ( بعض الذي دار بيننا ) , وناهد قرناص  في روايتها ( أنا الأخرى ) , وغادة عبد العزيز . في روايتها ( ليتك تعلم ) . ولعل ما يجمع بينهما غير الحقبة الزمنية الواحدة المشتركة , هو توظيف ضمير المتكلم الأنا Le je . كسارد لبطلة تحكي ذاتها وعلاقتها بمن حولها . وهذه الذات الساردة بضمير المتكلم , هي ذات ليست حاكية لغيرها وإنما ذات فاعلة ومنفعلة ومفعول بها في الرواية من ما يجعل حكيها هو سيرتها الذاتية وليست سيرة غيرها . وهذا الانفعال والفعل , يجعل للأنا خصوصيتها في هذه الروايات الثلاث . ولعل بعض الدراسات في مدرسة الأدب النسوي , تجعل من أدب المرأة أدباً مميزاً بفعل مكوناته التي تظهر وتتجلى كما قالت الدكتورة زهور كرامة في كتابها ( السرد النسائي العربي –  مقاربة في المفهوم والخطاب ) , تظهر وتتجلى في بعده السير ذاتي auto récit , ويأتي هذا التحديد من خلال توصيف مجموعة من التعابير والمفاهيم والمصطلحات المرصودة داخل النصوص الروائية النسائية , منها الذات / والأنا / والطفولة / وذاكرة العودة إلي الوراء .  وتأزم العلاقة مع الآخر , وكل هذه المصطلحات تدخل في تقنيات كتابة السيرة الذاتية والتي قد تتحول في الرواية إلي محكي ذاتي , ( الحكي الاتوبيوغرافي ) , كما يطلق عليه النقد الحديث . وهذه الأنا التي تظهر بقوة في هذه الروايات الثلاث , تعتبر نوع من كتابة الداخل والدواخل .

الأنا وعلاقتها بالعنوان في الرواية النسائية:

يعتبر النقد الحديث أو علم العنونة , بأن العنوان يمثل المدخل الأول للنص فهو الذي يقودك إليه مباشرة أو يتركك أنت كمتلقي تخمن كيف تبحث عنه وكيف تتخيل مضمونه الظاهر أو الخفي . ولعل الدارس للرواية النسائية العربية يجد كثرة العناوين التي تدخل فيها الأنا . مثل رواية ( أنا أحيا ) للروائية اللبنانية ليلى بعلبكي , ورواية ( من أنا ) للروائية اليمنية شذى الشعيبي , ورواية ( أنا الأخرى ) , للدكتورة ناهد قرناص . ولقد رصد النقد الحديث كثرة الأنا في الرواية النسائية , وذلك يعتبر كرد فعل على التشكيك الدائم الذي يحيط بالمرأة وبوجودها فهو نوع من تأكيد الهوية والجندرة . وفي دراستنا لهذه العناوين الثلاثة لرواياتهن , رواية ( بعض الذي دار بيننا ) , لآمنة الفضل , ورواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص , ورواية ( ليتك تعلم ) , لغادة عبد العزيز ,  وفي رواية ( بعض الذي دار بيننا ) للروائية آمنة الفضل نجد أن الأنا متضمنة في العنوان بقوة لتأكيد الذات الساردة والتي هي البطلة الأنثى في داخل النص الروائي .وتأثير  الإعلام والميديا , مع لغة السرد في أول رواية لها . بحيث تكاملت مواهبها اللغوية مع بعضها البعض . وقد ظهر ذلك في عنوان الرواية وعتبتها الأولى ‘‘ بعض الذي دار بيننا ’’ , فتظهر فيه السمة الرومانسية الشاعرية ,  ( الأنا الرومانسة ) , ومن هنا تبدأ أول تقاطعات الشعر مع السرد . فالعنوان جاذب ومحفز , ويفتح شهية المتلقي لمعرفة ما الذي دار وكيف ومتى ؟  فهو عنوان تأويلي . وطالما أن هنالك البعض من ما دار فما خفي أعظم . فالعنوان هنا , يمثل العتبة المنفتحة على كل الأجناس الأدبية فهو يصلح كعنوان لديوان شعر , ولمجموعة قصصية , مسلسل تلفزيوني أو إذاعي . ونفس هذا العنوان يمثل جرأة الخطاب الذي بدأت الكاتبة السودانية بالتعبير به عن عاطفتها والتعبير عن قضاياها والتي تمثل قضايا المرأة السودانية عامة  ( الأنا المتمردة ) . وتظهر فيه بذلك الأنا الرومانسية للكاتبة كنوع من تأكيد سيرتها الإبداعية . بقوة لتأكيد الذات أو الأنا الكاتبة .

الأنا المكشوفة في رواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص:

 أما رواية ( أنا الأخرى ) لناهد قرناص ووصفي ممل . وأول ما يطرحه هذا النص الروائي من أسئلة هو هل هي كتابة مغامرة بالأنا , أم هي مغامرة كتابة بضمير الأنا ؟ فقد غامرت بأن يكون الراوي عندها هو ضمير المتكلم والذي عاش حياته وأخذ يسردها للناس . وهي بذلك تعرض الأنا إلي امتحان المصداقية والمنطق عندما تتحدث عن نفسها , فالبطلة ( آمال محمود ) , هي التي تسرد سيرتها الذاتية بضمير المتكلم . في تداعي حر من غير رقيب أو حسيب أو متدخل من ما جعلها تدخل في دائرة ( مغامرة الكتابة الروائية ) , لأن الراوي بضمير الأنا قد يدخل في سؤال منطق الأحداث تماسكها وترابطها ومصداقيتها في الواقع الذي تسرده وتحكيه . والجانب الصعب الآخر من هذا الاختيار لراوي النص , هو مغامرة اللغة وتأتي من الصوت الواحد لأنا الراوي والتي يجب أن لا يكرر جملها وتعبيراتها الوصفية والسردية .

العنوان  والأنا الخفية في رواية غادة عبد العزيز ( ليتك تعلم ):

أما في رواية غادة عبد العزيز ( ليتك تعلم ) , فالعنوان في روايتها وهي أول رواية لها .  , يمثل تحفيزاً وجذباً للمتلقي . فهو في قمة رومانسيته . والتي تكشف الخطاب الروائي للكاتبة . فالمخاطب رجل , والعنوان يحيل إلي مضمون الرواية دون غطاء . ويفصح عن انكسار اللغة المؤنثة . فالمخاطب , لا يعلم , والعلم هنا تقصد به الكاتبة , ما هو مكنون في القلب , والذي تعجز اللغة , في التعبير عنه . وعدم العلم هنا , مقصود به قوة العاطفة التي تحملها الأنثى والمحجوبة لسبب ما . والعنوان محاولة من الكاتبة , لكي يكون أكثر رقة وأنوثة , ويلاءم  عاطفة المرأة , فالرجل يعبر عن حبه دون تقية , والمرأة ما تزال في ذلك , تتوارى خجلاً مع الاحتفاظ بكبريائها . ولعل بياض الغلاف المختار بعناية , له دلالته الذي يرمز للقلب الأبيض المفتوح .

السيرة المخفية والكاتبة الضمنية implied author

يقول الكثير من النقاد بأن النص الروائي الأول لأغلب الكاتبات غالباً ما يتضمن نذراً من سيرتها الذاتية , أو سيرة غيرها متماهية ومنفعلة ومدافعة ومتعاطفة معها . ولعل هذه الروايات الثلاث تمثل العمل الأول لكل واحدة منهن . فالسرد عند كل واحدة منهن يفتتح بفعل عائد الي الذات الساردة عن قرار الحكي والفعل معاً ويتضح أكثر بورود أفعال مباشرة منتسبة إلي الذات الساردة . الذات المتكلمة والفاعلة . وهي وضعية لا تخص فحسب المشهد الافتتاحي للنص وإنما تشكل الإيقاع العام للبناء السردي . وهذه الأنا تقلص المتخيل لصالح الواقع ويتحول المحكي والشخصية الحاكية إلي شخصية واقعية وغالباً ما تكون هي شخصية الكاتبة الحقيقية ويصير المحكى إلي السير ذاتي . ولعل هذه التقنية يطلق عليها التدفق الاتوبيوغرافي , لأنه يعتمد باستمرار على العودة للطفولة والنشأة والمراحل الدراسية لإعادة حكيها ومقارنتها بما هي فيه الآن . والآن قد يكون حزيناً ومؤلماً .

جرأة الأنا وهي تسرد خصوصيتها في رواية بعض الذي دار بيننا :

بدأت الكاتبة السودانية تكسر حاجز الخوف في الرواية السودانية , الخوف من المجتمع الذي يمثله الرجل , وأن تكتب حتى أحاسيسها الجسدية والنفسية . وما يطلق عليه مصطلح ‘‘ الكتابة النسائية المؤنثة ’’ l’écriture féministe féminine  , وهي الكتابة التي تكون موضوعها المرأة , قضاياها ومشاكلها . وبذا يمكن للرواية هنا أن تتأثر بعلم النفس , والاجتماع , والسيرة الذاتية أيضاً . وبطلة رواية ‘‘ بعض الذي دار بيننا ’’ , ‘‘ بسمة ’’ , تمثل نوعية موجودة في مجتمعاتنا تعاني الوحدة والجفاف العاطفي والقهر الجسدي من الرجل الزوج . وكانت مغامرة كتابة , أن تجعل الكاتبة آمنة الفضل , بطلتها تتحدث بضمير المتكلم , first person singular  . بحيث تتداعي البطلة حرة وتسرد جوانحها وعاطفتها . تسرد كيف كانت ضحية لزواج مبكر عانت فيه من قسوة زوج يكبرها سناً ولم يملأ فراغها العاطفي ورغبتها الجسدية . وفي يقالسردية الذاتية أكبر من الرؤية الموضوعية , وهو ما يميز الكتابة النسائية عن غيرها .

الأنا في الزمكانية الحقيقية للكاتبة في  رواية أنا الأخرى:

من يربيه والضائع من يأويه .  تقول البطلة في صفحة ( 48) : { عمتي غمرتني بفيض من حنان بعد وفاة والدتي , ودخول أبي في حالة من الصمت والذهول } . خاصة عندما تكون البطلة فتاة يمكن أن يبتلعها الشارع العريض إذا لم تجد من يحميها ويأويها .  وقد جعلت من المكان ( مدينة عطبرة ) , المأوى النفسي الكبير للبطلة . تقول البطلة في صفحة ( 38 ) : { جلست في مقعدي .. بالقرب من النافذة .. متى كانت آخر مرة سافرت فيها إلي عطبرة ؟ .. طال بي العهد .. حتى اعتقدت أنني نسيت أماكنا بعينها .. لكن ما اتخذت مقعدي .. حتى انفجر بركان من الحنين الغريب لتلك المدينة .. شلال من الذكريات غمرني .. طفولتي .. لعبي .. صداقاتي .. خيباتي .. أحزاني وأفراحي .. كل شيء .. حتى بدا لي أنني لم أبارحها يوماً } . فعطبرة هي المأوى النفسي للبطلة بحيث ساهم في تشكيل شخصيتها وتركيبتها الاجتماعية والنفسية . ولعل حنين البطلة لهذه المدينة وتأثيرها عليه امتد في كل فضاء النص . وشكل نغمة لحنية مكررة في تداعيات البطلة وذكرياتها . ومن ما جعل المكان بطلا في الرواية . وقد نشأت في مدينة عطبرة وتربت فيها , وأصبح حلمها وفارسها أن يكون من هذه المدينة . فالرجل الذي خطبها من عطبرة , والذي أحبته حقيقة هو منها أيضاً , فقد اكتشفت المكان داخله فانجذبت حقيقة إليه .

كانت الأنا الأخرى , هي التي استوعبت السرد السيرذاتي , فأصبحت أنا مبشرة , وكاشفة , وشبه ملهمة , فقد دفنت توأمتها التي ماتت صغيرة ودفنت في عطبرة كانت تتقمص روحها وتعتبر نفسها ملهمة وترى ما لا يراه الآخرون . وهذه البطلة بتداعياتها وحبها للمكان , وكشوفاتها الروحية أصبحت شخصية فريدة ومميزة عند القارئ . ولقد كانت تربية أب مثقف وذو تجربة نضالية عمالية قوية , وكان زوجاً مخلصاً لزوجته والتي أصابته وفاتها بالاكتئاب. ولا شك بأن مدينة عطبرة هي مدينة النشأة للكاتبة ناهد قرناص .

المراجع

  1.  رواية أنا الأخرى –  ناهد قرناص
  2. 2-   رواية ليتك تعلم –  غادة عبد العزيز خالد
  3. 3-   رواية بعض الذي دار بيننا –  لآمنة الفضل
  4. 4-   المرأة واللغة – الدكتور عبد الله الغذامي
  5. 5-   السرد النسائي العربي –  مقاربة في المفهوم والخطاب – زهور كرامة
  6. 6-   سرد المرأة وفعل الكتابة – دراسة نقدية في السرد وآليات البناء – الدكتور الأخضر بن السائح .
  7. 7-   مجلة فصول المصرية 2017م – السرد النسوي
  8. خصوصية السرد النسائي السوداني – زينب بليل نموذجا – عز الدين ميرغني – كتاب تحت الطبع
  9. 9-   تيار الوعي في الرواية الحديثة – روبرت همفري – ترجمة محمود الربيعي .
  10. الرواية الجديدة – ألان روب جرييه

أكتوبر الأخضر والصحة النفسية / دكتور / مروة النيل

0
دائرة الابالسة

في يوم 10/10 من كل عام يحتفي العالم اجمع بالصحه النفسية  تأكيدا على أهميتها وقدرتها على تعزيز السلام الداخلي للأفراد والجمعات وتأثيرها المباشر على الصحة العقلية والصحة الجسدية و هي تمكّن الشخص من مواجهة ضغوط الحياة و التغلب على تحدياتها المتجددة.

كما تجعله قادرا على الإرتقاء بقدراته في التعلّم والعمل بشكل جيد وتمكنه من المساهمة في مجتمعه وبئته وهي جزء لا يتجزأ من صحة المجتمع وكما اسلفنا هي  تدعم قدراتنا الفردية والجماعية وتساعدنا  على اتخاذ القرارات وإقامة العلاقات ورسم عوالمنا التي  نعيشها.

فالصحة النفسية لا تقتصر على عدم وجود  الاضطرابات النفسية فهي جزء من احتياجات  متصلة معقدة تختلف من شخص إلى آخر  من حيث الصعوبة والضيق ولها نتائج اجتماعية وسريرية يُمكن أن تكون مختلفة للغاية.

وتشمل اعتلالات الصحة النفسية الاضطرابات النفسية و الإعاقة النفسية الاجتماعية كما توجد الحالات النفسية الأخرى مرتبطة بالضيق الشديد أو ضعف الأداء أو خطر إيذاء النفس وقد يكون سبب هذه المعاناة  الاصابة باعتلالات الصحة النفسية من تدنّي مستويات الراحة النفسية .

وليس لهذه المخاطر مرحلة محددة  من مراحل العمر؛  فيمكن  تحدث خلال فترات النمو الحساسة و أثناء الطفولة المبكرة ولها نتائج وخيمة على الأفراد خوصا تلك التي تنجم عن التنشئة القاسية والعقاب البدني والتفرقة بين الأبناء والطلاب فهذه تؤثر  بشكل مباشر علي  صحة الطفل وكما يعتبر  القهر والترهيب  من  أشد عوامل الخطر الرئيسية المسببة لاعتلالات الصحة النفسية.

هنالك عوامل مهمة لتعزيز الصحة النفسية والوقاية من الاضطرابات والإحباطات التي تصيب الأشخاص وكما أسلفنا فإن الصحية النفسية تختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى إلا أنه يمكننا تحديد محددات عامة فردية وإجتماعية  نضبط بها العلاقات  الصحية فيما بيننا وبين أنفسنا في ما بيننا وبين الآخرين فالعلاقات السيئة والأشخاص الذين يجعلونك تبتئس وتغضب قد يوصلونك حد الإحتراق فيجب عليك الإنتباه لمثل هؤلاء وإبعادهم عن دائرتك الخاصة  ويتضمن العناية بالصحة النفسية النوم الجيد حتى نقلل من القلق  والأرق الناتجين من السهر والاهتمام بالغذاء الصحي والبعد قدر الإمكان عن الوجبات السريعة واللحوم المصنعة العودة الى الخضروات والفواكه والأسماك وكل ماهو طبيعي.؛ وأيضا على الجهات المختصة تهيئة بيئات داعمة للصحة النفسية من حيث الرعاية والعلاج وقبل ذلك التوعية من المضار التي قد يصعب مواجتها بعد الحدوث ثم التدخل من أجل الحد من المخاطر وإعادة تهيئة الأشخاص المصابين ودمجهم تدريجيا في المجتمع .

 من المؤسف أن بعض الأشخاص الذين يعانون من إعتلالات نفسية يتعرضون لإنتهاكات إنسانية تدمى لها القلوب فيجب توفير العناية لمثل هؤلاء الأشخاص في دور الرعاية الصحية العامة والمستشفيات وتأهيلهم  نفسيا وإجتماعيا إلى ان يضمن تعافيهم ..

ونركز دائما على أن الصحة النفسية هي جزء لا يتجزأ من الصحة العقلية والصحة الجسدية فهي حالة العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته الذاتية ويستطيع مواجهة ضغوط الحياة ومواكبة سرعتها ويكون قادر على العمل الإيجابي والمثمر ويمكنه الإسهام في مجتمعه. فالعافية النفسية  عامل مهمة في بناء بيئه سليمة وجيل معطاء .

 حتي في موروثنا الشعبي هنالك وعي باطنيا عاليا بالصحة فدائمآ ما يدعون لك بالعافية  في ردود المجاملة  واثناء إلقاء التحية وغيرها من المناسبات لانها من  اهم عوامل استمرارية الحياة .

يعتبر شهر أكتوبر تصحيح المفاهيم وتجديد الحياة والحث على العناية بالصحة النفسية المجتمعية فنحن في  السودان لاكتوبر وضع خاص فنسمية أكتوبر الأخضر لما فيه من تحديات التغيير والتغير وتجديد حياتنا وإصرارنا  لخلق بيئة صحيه وسليمة ومعافاة في كل نواحي الحياة. وونتفاء ونغني فقد قال شاعرنا :

باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغنى

الحقول اشتعلت قمحاً وعداً وتمنى

 (د/ مروة النيل )

قراءة جمالية للقصة قصيرة (مَدَدْ) للقاص الدكتور محمد البيدر ..بقلم/الصادق أحمد عبيدة

0

قراءة / الصادق أحمد عبيدة*.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وبمناسبة المولد النبوي الشريف، نشر الكاتب الدكتور محمد البيدر على صفحته بالفيسبوك، قصة بعنوان (مَدَد)، ارتقى فيها مَراقياً عالية جداً فوق مجال الروح والبدن،
ثم طاف بنا في ملكوت الصوفية بينابيعه الصافية المِمْراح، ونقائه البلوري، وتعقيداته التي لا تُناضُ حُجُبُها، ولا تنداح أستارها الا لِمَن عرفوا (كلمة السر) …أو ..(سر الكلمة)
-الكلمة؟ نعم الكلمة ..وقد احاط الكاتب بسرها وألَمَّ بخفاياها، وإلّا لما استطاعَ في عجالةٍ وجيزة، لم تتعدي بضعة اسطرٍ من نور ، أن يكشف الستار عن حياةِ بسيطة في ربوع الصعيد، ثم يصعد بنا “الى نواحٍ تُشَاطِئُ البحر المتوسط عند بوابةِ الإسكَندرية في اقصى شمال ارض الله”..
حياة بسيطة؟ ..نعم حياة بسيطة وصفها الكاتب بكلماتٍ فخيمة صورَت هيئةَ عبد الفتَّاح المغازي التي تدلُ على انه من الصعيد ..سمرة لونه ، وقامته المربوعة، جثته الضخمة…ثم يرتقي الكاتب بالكلمة التي، امتلك سرّها، مراقٍ نورانية ، تصعدُ بالوصفِ الي طبقاتٍ عليا حين يخلعُ على المغازي وصف ( شَثْن الكفين!!) أي غليظ الأنامل مع ميلٍ للقِصَر، وربما الخشونة، وهو مما يُحمد عند الرجال لأنه أشد لقبضِهم، ولا يُستحسن عند النساء، كما جاء في الشروحات..
وهنا نلاحظ ان محمد البيدر أعدَّ عدته بإحكامٍ ودراية ليضعنا في أجواءِ قصةٍ نُسِجت خيوطها حول أحباب الرسول المصطفي، أليس من أوصافه عليه الصلاة والسلام انه “ليس بالطويلِ ولا بالقصيرِ ، ضَخمُ الرأسِ و اللِّحيةِ، شَثْنُ اليَدينِ والقَدمينِ، مُشرَبٌ وجهُهُ حُمرةً”؟؟

ليس هذا فحسب، ولكن إذا كان الصعيدي، حسب ما ورد في القصة، قد إعتورته حالةٌ من الجذْبِ حين رأي الشيخ لأول مرة، وطفق “يُهمهمُ بكلماتٍ غير عربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة، “فإن الكاتب إنجذب أيضاً و قفز باللغة العربية المبينة، وسَمَى بالوصف منتقياً من مفرداتها غير المألوف المبتذل ليناسب المقام الرفيع وذلك في قوله : “ما ان وقع بصره على الشيخ ..حتى “إرفَضَّ” جسده وارتعد”..و كلمة “إرفَضَّ” تعني تصبب عرقاً، ويقال إرفضَّ الدمعُ او العرقُ إذا سال وانهمر ..ولعل الكاتب إقتبس المفردة، احسن إقتباس، من حديث البُراق عندما أُتِي به للرسول صلى الله عليه وسلم ليلةَ الإسراءِ والمعراج فاستصعب عليه، فقال له جبريل عليه السلام : “أبمحمدٍ تفعلُ هذا؟ فما رَكِبَكَ أحدٌ أَكرمُ على الله منه”! قال: “فارْفَضَّ عَرَقًا”، أي تصبب البُراقُ عرقاً.
كذلك تَجَلَّت فَصَاحَةُ الكَاتِبِ في قَولِهِ: “ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته (الصحل) الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب”. وكلمة (صَحل) تعني الصوت الذي فيه بحة، سواء لعلةٍ طارئة أو لعلةٍ طبيعية ، وأصلها في اللغة صوتُ الجُندُب المرنِّم. ويقال صَحِلَ صوت فلان : كان في صوته بَحّة . قال الأخطل:
وقد أكونُ عميدَ الشَّرْبِ، تُسمِعُنا
بحاءُ تسمعُ في ترجيعها “صحلا.”.

أما السر : فقد علمت من تلصصي على ما هو متاح من حياة الكاتب انه ممن أُتوا سر النجوى وخفايا الدعاء بظاهر الغيب..لعله (ابن شيوخ) وهو وصفٌ يطلق في السودان على الملمين بآداب الصوفية -فليقومني إن اخطأت الظن- وإلاّ لما طاف بنا في عالم الملكوت بعلاماته الخُضر الفيروصية في قصة قصيرة ، تكاد تكون “وجيزة” ، خاطفة كالبرق، نزلت عليه من عوالمٍ يعلمها هو والذين فُتحت لهم الخزائن. فقد دار يراع الكاتب حول نفسه دورتين قطع خلالهما مسافة عشرين عاما ، هي نصف عمر المغازي..عشرين عاما من الانتظار قضاها مجنونا بين العوام ، مجذوباً عند الخواص.
عشرون عاما هي نصف عمر المغاري البالغ اربعة عقود ..أليس في ذلك سر خفي أو دلالة واضحة ؟
يكمن السر ايضا في اختيار الكاتب لاسماء الشخصيات بعناية كالشيخ ” الفيّاض” و الصبي “خِضر” ابن المغازي ..لم يكن ذلك مصادفة ..كذلك يكمن السر في ظهور الاربعين رجل وفُرسهم التي ليست بنار ولا دخان.. فاض معهم المغازي الى عِليين، ليبقى احدهم حاملا ملامح المغازي عندما كان في “العشرين”.
أحقاً انتهت القصة ؟
لا أدري ..ولكن توقف السرد هنا بصعود الدخان الى عنان السماء ومعه روح المغازي.
لنبقى نحن أهل الأرض هنا ننتظر من الكاتب مزيد من التداعي، فالقصة، كما هي نور للقلب وللعقل، فهي ايضا فاتحة لشهية القاري الذي لا يستطيع صبرا.

*الصادق أحمد عبيدة .
اغسطس 2021.
باريس.

=========================

مدد (قصة قصيرة لمحمد البيدر عثمان )
~~~~~
مدد ياسيدنا المرسي ..مدد…
نظرة يا أهل الله
هكذا كان يردد وهو يدلفُ إلي صحن المسجد المسمى باسم مسجد سيدي المرسي أبو العباس مشاطئاً للبحر الأبيض المتوسط عند بوابة الاسكندرية.
مربوع القامة، أسمر اللون يبدو من شكله وهيأته أنه من صعيد مصر. كان في عقده الرابع من العمر، ضخم الجثة، شثن الكفين ينبيك جلبابه المهترئ مثلما تفعل تقاسيمه الصارمة عن جلَدٍ وشظف عيش، أما عيناه السوداوان الغائرتان بما لا يتناسب ورأسه الضخم الأصلع فقد كانتا كبئرين بلا قرار.
ما إن وقع نظره على الشيخ الذي كان يجلس مُغمض العينين، متربعاً يردد أذكاراً وأوراداً، تتثاقل خلالها حبيبات مسبحته الطويلة حيناً، وتتسارع أحياناً حتى ارفضّ جسده وارتعد، ثم صاح بأعلى صوته: يامشيرة، يارئيسة، ياسيدة زينب …مدد.
دار دورتين حول نفسه قطع خلالهما المسافة الفاصلة بينه وبين الشيخ الذي لم يفعل شيئاً سوى أن رفع بصره نحو الصعيدي ثم عاد الى تسبيحه.
وقف الصعيديُّ أمام الشيخ وعيونه تذرف الدمع سخينا. كان يُهمهمُ بكلماتٍ غيرعربية ولا تنتمي للّغة من لغات العالم المعروفة.
كان لاهوته غائباً عن ناسوته، يظهر ذلك في الحركة المنزعجة لبؤبؤ عينيه، أمّا الشيخ فقد كان كمن يتلقى رسالة من عالم آخر مع كل كلمة ينطقها الصعيدي. حسناً تبدو الصورة مثل تقنية متقدمة يختلط فيها التخاطر والجذب مع المكاشفة والترجمة.

مرحباً بولدنا المغازي والحمد لله على المشاهدة في عالم الملكوت. هكذا ردد الشيخ الأسمر الوقور بصوته الصحل الذي ينفذ مباشرة إلى القلوب.¬¬
حينها فتح عبدالفتاح المغازي عينيه وخليط من المشاعر يلوّن أساريره بينما كانت يد الشيخ السمراء تربت على كتفه في حنان. سرعان ماهدأ نشيجه فاستغفرالله مراراً وحمده بكل مافتح الله به عليه من محامد.
عشرون عاما ياسيدي وأنا أنتظرك. كنت أراك في يقظتي ومنامي حتى تحولتُ الى كتلة من الترقب والإنتظار.عشرون عاماً كثيرةٌ ياشيخي الفيَاض، كثيرة.
منذ أن صدرالحكم في محكمة أهل الله بأن يلازم الأعتاب وعبدالفتاح المغازي يحيا مجنوناً بين العامّة، مجذوباً في نظر الخواص.
هجرأهله في قريته ساقلته حجر أبو ليلى من نواحي سوهاج، وهو الحسيب النسيب المقدّم بينهم وصار يعمل بالأجرة أو بالفاعل كما يسمونه في الإسكندرية؛ إذ أنه لم يكمل تعليمه النظامي فتفرغ باكراً للإشراف على أرض والده وفلاحتها. لم يترك باب رزق حلال إلا طرقه، ولم يكن يداوم على مهنة أكثر من بضع شهور إلا أنه لم تفته صلاة قط في مسجد المرسي أبو العباس .
حين استقلّ القطار منفّذاً للمقدور كان ابنه الوحيد خضر في عامه الثالث، كان قد ختنه للتو ولمّا يبرأ جرحه بعد. يممّ قاصداً الغيب وفي أذنيه لاتزال كلمات الحضرة:
الحكم أن لا ترسو سفينتك إلا عند أبي العباس المُرسي، وحين اكتمال الوقت بالثواني يأتيك الفرج على يد الشيخ الفيّاض السودانيّ.
قطعت عليه هذا التداعي كلمات الشيخ:
كل شيئ عنده بمقدار.
ندّت منه صرخة، جَهِد في كتمانها فتعالي صوته مردداً: هُوَ..هُو، حيٌّ قيوم لا يُشارك في الحكم ولا يُراجع في الأمر.
بعدها حدّق المغازي طويلاً في عينيّ الشيخ، وهو يسأله: باين ان المدة خلصت وبقينا إفراج.
اكتفى الشيخ بهز رأسه علامة للإيجاب.
سأل المغازي: ماهي الأمارة ياشيخي؟
فأجاب الشيخ الفياض: ياقوت العرش.
أردف المغازي: فماذا عن الأمانة ؟
عندها أخرج الشيخ الفيّاض خاتماً من الفضة كان يلبسه ومدّه إليه، لكنه أطبق يده في اللحظة الأخيرة وقال: 《إنّ اللهَ اشترى من المُؤمنينَ أنفُسَهُم وأموالَهُم بِأنّ لهُمُ الجَنّةَ》.
تلا المغازي قوله تعالى: 《فَرِحِينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه》.
حينها أرخي الشيخ قبضته على الخاتم ليتناوله عبدالفتاح المغازي ويزين به خنصره الأيمن.
فجأة شهق المغازي وتمتم: 《مَثَلُ الجنّةِ التي وُعِدَ المُتَّقُون》.
رفع سبابته مشيراً للأعلى، ثمّ أتبعها ببصره قبل أن يُسلم الروح والشيخ الفيّاض يردد:《يأيّتُها النفسُ المُطمئنةُ ارجِعِي إلى ربكِ راضيةً مَرضِيّة، فادخُلِي في عِبادي وادخُلي جنّتِي》
أحسّ الشيخ بحركة خلفه، فالتفت ناحية مصدر الصوت. كان هنالك أربعون رجلاً مُلثّماً، إمّا أنّ الأرض قد انشقت عنهم أو أنهم هبطوا من السماء. كأنما نسجت ثيابهم من نور.
كانوا آخذين بأعِنّةِ فُرُسٍ لا يرى إلا نصفها الأعلى. مادتها غريبة ليست بدخان ولا نار وليست بريحٍ يُثار. لم يكونوا إخواناً من نسب، سوى أنهم كانوا على قلب رجل واحد. تقدم أحدهم وضمّ اليه المغازي بشدة قبل أن يمضي بنعشه الآخرون.
حين أدار الأخير وجهه قبالة الشيخ كان قد استحال إلى صورة مشابهة للمغازي قبل عشرين عاما؛ آخذاً عصاته وخاتمه ومتمتماً: مدد ياسيدنا المرسي..مدد

عن الرّواية والتّرجمة والعالميّة بقلم / الروائية الأديبة التونسية فتحية دبش

0

يكثر الحديث في الوسط الأدبيّ عن التّرجمة كطريق نحو العالميّة. هذا المنحى في التّفكير يجعل العديد من الرّوائيين العرب بخاصّة يبحثون عن خدمة المترجمين من أجل نقل أعمالهم من العربيّة إلى لغات أخرى. وهي رغبة مشروعة تماما ولا نملك حيالها سوى الصّمت في واقع ترجميّ شديد الفوضوية والتّعقيد، خاصّة عندما ندرك أنّ دور النّشر مستقيلة تقريبا من فعل التّرجمة إلّا نادرا.

ثلاث نقاط تلحّ عليّ بكتابة ما أكتب وتفاعلا مع حديث الرّواية والتّرجمة والعالميّة، حيث كان ذلك محور واحدة من ندوات الأسبوع العالميّ للرّواية المنعقدة بعض فعاليّاته بباريس يومي 13 و14 اكتوبر 2022.

أمّا النّقطة الأولى فتتعلّق بالرّواية كتجربة إبداعيّة وحالة من حالات التّفكير والخلق. إذ تحوّلت في هذه المرحلة من مراحل تطوّرها إلى قبلة يقصدها الرّاسخون والحديثون والسّرّاد كما الشّعراء والنُقّاد. لعلّ مردّ ذلك يكمن في المرونة والإتّساع اللّذين تتمتّع بهما الرّواية كفنّ زئبقي الهويّة منفتحها. هذه المرونة كانت عاملا مساعدا لها في استقطاب الأقلام والرّؤى كما البناءات والثّيمات. وليس هذا الأمر بمثلبة للرّواية بل هو اعتراف بما لهذا الضّرب من الكتابة من قدرة على الانْخِلاق والتّجدّد واقتحام العوالم البسيط منها والمعقّد. وهذا كلّه متفرّقا ومجتمعا يجعل من الرّواية أثرا كونيّا ينفلت من أسر اللّغة كواحد من أسس الهويّة الضيّقة.

هكذا تنفصل الرّواية عن واقعها الضّيّق لغة ومكانا وزمانا وتتّصل بواقعها الأوسع فتغادر لغتها الأمّ إلى لغات تتبنّاها عبر آليّة التّرجمة التي جلبت من لغات العالم روايات إلى العربيّة ونقلت من العربيّة روايات إلى لغات العالم. فكانت التّرجمة فعلا بعديّا و جسرا يحمل

لحظة ابداعيّة وينتقل بها عبر الأكوان مكسّرا بذلك قيود الهويّة اللّغوية الواحدة منتجا هويّة اللّغة المتعدّدة للنّصّ الواحد.

هذا الفضل الذي للتّرجمة على الرّواية جعل الكثيرين من الكتّاب العرب يتهافتون عليها، معلّلين ذلك تارة بقلّة مقروئيّة الرّواية في لغتها العربيّة وفي فضائها العربيّ وطورا بالبحث عن الاعتراف العالمي بأقلامهم. غير أنّ ما يثير الأسئلة بنظري في هذه النّقطة بالذّات هو ذلك الهوس بالعالميّة من خلال السّعي إلى الترجمة فتصبح غاية عوض ان تكون حالة من حالات الابداع. إنّ عمليّة التّرجمة لا تقلّ أهميّة عن عمليّة الخلق الرّوائي. بل تضاهيها وقد تفوقها أحيانا لأنّها تتعلّق باختيار وفرز عسيرين لرواية تستحقّ التّرجمة من بين إلاف العناوين التي تغصّ بها فضاءات الكتابة. ثمّ إنّ عمليّة الاختيار والفرز هذه لا تقع بنظري على عاتق كاتب الرّواية الأمّ بل على عاتق المترجم والمترجم فقط بالتعاون مع دور النشر المهتمّة بذلك إبداعا وليس تجارة أو على الأقلّ ابداعا وتجارة وليس تجارة وحسب. إذ لا معنى لسعي الكاتب إلى ترجمة نصّ لم يحقّق مقروئيّة في لغته العربيّة. فالمترجم وحده قادر على اختيار النّصّ الذي يستحقّ التّرجمة ودور النّشر الملتزمة بمشروع التّرجمة وحدها قادرة على معرفة سوق الكتاب وبالتّالي عملية تسفيره من لغة إلى أخرى. وأمّا سعي الكاتب وأحيانا شراؤه لخدمة مترجم ما، فهو وإن كان مشروعا بنظري إلا أنّه لا يضيف للرّواية شيئا. وكم من رواية سعى صاحبها إلى نقلها إلى لغات أخرى ولكنّها ظلّت طيّ النسيان مسافرة لا تبرح مكانها.

هكذا يفضي بنا الحديث إلى مسألة العالميّة. إذ رغم أنّ التّرجمة رافد مهمّ جدّا من روافد العالميّة إلّا إنّها لا يمكن أن تكون الرّافد الأوحد. بل لعلّها تأتي كنتيجة لعالميّة الأثر وليس العكس. النّص في

لغته الأمّ هو وحده القادر على تحقيق العالميّة من خلال عوالمه البنائيّة والثّيميّة التي قد تنطلق من هموم محليّة صغيرة تتعولم إذ تخترق حدودها المكانية والزمانية لتحلّ حلولا بالفعل والقوّة في أمكنة وأزمنة غريبة عنها، فتكون التّرجمة فعل استجابة لعالميّة الأثر وليس سببا وحيدا أوحد لها. هكذا يمكن القول أنّ اللّغة وسيط بين النّص والقارئ وليست سجنا من سجون النّصوص. هذا الوسيط يمثّل عصب عمليّة الترجمة. والتّرجمة تصبح استجابة لعالميّة النّصّ لا سببا له. ومع ذلك كلّه يبقى السّؤال حول طبيعة اللغة العربية وقابليّتها للترجمة مع المحافظة على حرارتها وبلاغتها. إذ هناك نصوص عربية عظيمة تفقد بعض عظمتها حال نقلها إلى لغات أخرى وهناك نصوص اجنبية متواضعة رفعها التّعريب